547

Durūs liʾl-Shaykh Yāsir Burhāmī

دروس للشيخ ياسر برهامي

الدعاء يغير الأرض والتاريخ
فالأمور العظيمة تحتاج إلى تهيئة، بل ما يقدره الله ﷿ لعباده المؤمنين يعطيهم إياه وهم يسألونه ﷿ في دعائهم وصلاتهم.
ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]؟ وقال ﷾ لموسى ﵇: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩]، فهذه الأرض يتغير وجهها بدعوة من صادق قانت خاشع لله ﷿، وانظر إلى مكة المكرمة، فقد كانت أرض قفر بين جبال لا نبت فيها ولا ماء، فما الذي يدفع قلوب ملايين البشر عبر السنين أن تأتي إلى هذه البقعة العجيبة؟ إنها دعوة إبراهيم ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فلقد غير وجه هذه البقعة إلى يوم القيامة، فهي بقعة يأتي إليها ملايين البشر كل عام، وهم مشتاقون إلى المزيد، وكل ذلك بسبب دعوة من إبراهيم ﵇، فهي دعوة تغير بها وجه الأرض.
وهذا كما تغير وجه مصر بهلاك فرعون وجنده في لحظة من اللحظات بدعوة من موسى ﵊ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩].
وكذلك دعوة من النبي ﷺ حين قام طويلًا في ليلة بدر، فتغير وجه التاريخ، ولولا فضل الله ﷿ بنصر المسلمين في غزوة بدر لما عُبد الله ﷿ في الأرض بعد ذلك اليوم، قام النبي يستغيث ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، فاستجاب الله ﷿ للنبي ﷺ.
ودعوة من النبي ﷺ في ليلة الأحزاب غيرت أيضًا وجه التاريخ، وصار الكفر ينتقل إلى الدفاع بعد أن كان مهاجمًا.
فأرسل الله الريح والجنود التي لم يرها الناس، فانصرف عشرة آلاف من الأحزاب بعد أن أوشكوا أن يصلوا إلى غايتهم من اقتحام المدينة، واستئصال الإسلام، لكن ينقلب الأمر في لحظة بدعوة صادقة، وانقلب الأمر على يهود بني قريظة في تلك الليلة بدعوة النبي ﷺ وأصحابه؛ لأن قلوبهم متعلقة بالله راجية لفضله، فبالدعاء يتغير وجه الأرض ومسار التاريخ، ومسار الأحداث كلها يتغير بالصلاة.
فاجتهدوا عباد الله! في هذه الأيام المباركات والليالي الفاضلات أن يتغير حالنا إلى ما يحب الله ﷿ ويرضى، وذلك بكثرة الاجتهاد في الدعاء والتضرع، ولا بد أن تحيا القلوب وتحضر؛ فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل، وربما تنقلب الموازين بعد أن تصل إلى نهايتها من حيث لا يشعر الناس، ويأتي الكفرة من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويأتي أعداء الإسلام من المنافقين ما لا يعلمون، وهو ﷿ يملي لهم، وكيده متين، ولكن أين هذه القلوب؟! فاجتهدوا أن تكونوا من أصحابها ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
وليكن الاعتكاف عكوفًا بالقلب على الله، والنية على إرادته، وإخلاصًا لوجهه سبحانه قبل أن يكون ملاءة تفردها في المسجد، أو خباء تصنعه لكي يخلو بك من يريد مسامرتك، ومن تريد محادثته، وأنت في غفلة عن حقيقة الاعتكاف، فالاعتكاف أصلًا: عكوف القلب والهمة قبل أن يكون عكوف البدن.
نسأل الله ﷾ أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين، وأصحاب الضلالة دعاة السوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم وانصر المسلمين في فلسطين والشيشان.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظ دماء المسلمين في كل مكان، واحفظ أموالهم وأعراضهم يا رب العالمين! اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين: باليهود المعتدين، والنصارى المحاربين الذي يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وبالمنافقين الظالمين الذين يصدون عن سبيلك.

42 / 8