693

Durūs lil-Shaykh Safar al-Ḥawālī

دروس للشيخ سفر الحوالي

الإخبات
الخبت في اللغة: هو الأرض المنبسطة، والإخبات: أخبت إذا طأطأ حتى يساوى بالأرض، ففي هذا دليل على كمال الانقياد والإذعان ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤] فالإخبات هو عدم الاعتراض، فلو ارتفعت لكان فيها نوع من الاستكبار.
ولهذا يقولون في قلوب الكفار: إنها قلوب متكبرة جبارة، وكثيرًا ما يصفهم الله بوصف الاستكبار؛ لأنهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعته والانقياد لأمره، فالاستكبار ضد الإخبات.
والإخبات في الشرع هو: الخضوع الكامل والمطلق، فكأنه التصق بالأرض، فليس لديه أي اعتراض على ما يأتي من عند الله ﵎، فهو كما قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] والتسليم هو: حالة الإحسان التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل العظيم المشهور، وهو: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ لأنه كما قال ابن القيم ﵀ تحكيم رسول الله ﷺ في مقام الإسلام.
فمن لم يحكم رسول الله على قلبه ونفسه، ويجعل هواه تبعًا لما جاء به في أصل التحكيم؛ فإنه ليس بمؤمن ولا بمسلم، إذ التحكيم في مقام الإسلام هو كما قال: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، وانتفاء الحرج يكون في مقام الإيمان، فالإيمان درجة أعلى من درجة الإسلام، فالدرجة هذه أنه حكم وانتفى الحرج من قلبه فلا حرج فيما يحكم به رسول الله ﷺ.
والمقصود هو: ما جاء به عامة، أي: ما جاءنا من حكمه ﷺ، وهديه وسنته الظاهر منها والباطن، فنجعل كأنّ رسول الله ﷺ، بنفسه قائم بين أظهرنا، يقول: اعملوا كذا ولا تعملوا كذا.
فرسول الله ﷺ غاب بجسده، وأما دينه وسنته وهديه فهي بين أيدينا وحجته قائمة علينا، فلا بد من انتفاء الحرج هذا في مقام الإيمان.

24 / 11