Durūs lil-Shaykh Safar al-Ḥawālī
دروس للشيخ سفر الحوالي
تفرد الله تعالى بالتأييد بالنصر
نصت الآيات السابقة على أن النصر من عند الله وحده، وليس من عند رسوله ﷺ وهو أكرم الخلق عليه، ولا من عند ملائكته، وهم الذين يدبر الله بهم هذا الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات:١ - ٢] وقال: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] وقال: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:٥] وقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١] كل هذه الصفات ذكرت الملائكة التي يدبر الله تعالى بهم ملكه وأمره، وهم كما قال الله ﵎ فيهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فهؤلاء هم العباد المكرمون الذين يشفعون عند الله ﵎ لقيمتهم ولمنزلتهم يشفعون، ولكن ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومع ذلك لا يرضى الله ﵎ أن ينسب النصر إليهم، وإنما النصر من عند الله ﵎، فيريد الله ﷿ أن يعلمنا أن النصر من عنده وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فهو إن شاء أرسل ملائكة وإن شاء أرسل ما شاء، كما قال ﷺ: ﴿نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور﴾ فالريح دمر الله ﵎ بها أعتى أمة ظهرت على هذه الدنيا -عاد إرم ذات العماد- والتي لم يخلق مثلها في البلاد، أهلكهم الله ﵎ بالريح، ولو جاءهم عدو محسوس يرونه لربما صارعوه وغالبوه، ولكن الريح لا يستطيعون أن يقاوموها أبدًا، فأتت عليهم، فدمرت كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] وأصبحوا كما ذكر الله ﵎ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].
وكذلك نصر الله ﵎ رسوله ﷺ على جيش الأحزاب الذي أحاط بـ المدينة النبوية إحاطة السوار بالمعصم، وسلط على هذا الجيش ريح الصبا، فهذا من جند الله ﵎.
ومن جنود الله ﵎ الماء، وقد أغرق به قوم نوح الأمة العظيمة الأولى، أول أمة خالفت أمر الله ﷾، وكذبت أول رسل الله فعذبها الله ﵎ بالماء والطوفان، وأغرقهم الله ﷾ به، فأمر السماء أن تأتيهم بالمطر، قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢].
وقد حدثنا بعض إخواننا الثقات، الذين كانوا مع المجاهدين في أفغانستان ببعض العجائب، أذكر منها ما يتعلق بالغاز السام الذي خفنا من ذكره، قبل أن نراه ولن نراه إن شاء الله قالوا: والله لقد رأيناه ولقد ألقي علينا، وكنا نتضرع ونلجأ إلى الله ﵎.
قال أحدهم: والله إنه انعقد مثل الغمامة فوق رءوسنا، وجاءت الريح وأخذته وألقته على رءوس الكفار، والحمد لله رب العالمين.
ويقول الآخر: أصابنا دوار شديد وتعب شديد، وكنا نظن أننا سنموت، فتضرعنا إلى الله ﵎، فأذهب عنا ما بنا بعد يوم أو يومين، وعدنا كما كنا، وقد ظنوا أنه لم يبق منا بشر.
فهذه هي أعتى وأقوى دولة في العالم بعد أمريكا، ومع ذلك لم تقف قوتها أمام الريح التي يسوقها الله ﵎، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فالنصر -إذًا- من عند الله ﷾، وهذا ما يجب أن نربي عليه الأمة، فإذا علمناها أن المستقبل لها وأن العاقبة لها، وأن النصر لها، فلتلجأ ولتتضرع إليه، ولتدعوه، ولتطلب منه نصرها، فإننا نكون قد جعلناها في المسار الصحيح.
17 / 7