487

Durūs lil-Shaykh Safar al-Ḥawālī

دروس للشيخ سفر الحوالي

حكمة الوجود مركوزة في الفطرة
أما القضية ذاتها فإنها مركوزة في الفطر، يقول الله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١ - ٣] ويقول على لسان نبيه موسى ﵇ لما قال له الطاغية فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠].
فالله ﵎ أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى -خلق فسوى وقدر فهدى- فأصل الهداية قد تكفل الله ﵎ بها، وهذه نعمة كبرى وفضل من الله ﵎؛ فلم يكلنا إلى أنفسنا، بل تكفل لنا بهذا الشيء العظيم الذي بدونه لا تكون الحياة حياةً إنسانيةً أصلًا.
وهل معنى هذه الهداية أن كل إنسان يعرف الجواب الصحيح؟ لا.
لكن معناها أن كل إنسان ميسر له أن يعرف الجواب الصحيح؛ فقد فطر الله ﵎ العباد جميعًا على الإيمان به وعلى معرفته، وعلى التوحيد كما قال جل شأنه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠].
فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن يولد إنسان إلا وهو على هذه الفطرة، كما قال النبي ﷺ: ﴿ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة -وفي رواية: على الملة - فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه﴾ وكل الروايات تدل على أن كل مولود يولد على الإسلام وعلى التوحيد؛ تحقيقًا للعهد الذي أخذه الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢].
فكل إنسان ميسر له أن يهتدي إلى الجواب؛ وهو أن يعرف أن الله خلقه لعبادته، وأن معرفة الله هي أعز ما يسعى إليه كل مخلوق، وهي الغاية التي ليس بعدها غاية أبدًا، لكن الذي حدث هو الابتلاء من الله ﵎ وهذا ما دل عليه القرآن كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣].
فهو ﵎ مع بيانه لحكمة الوجود، ومع أنه فطر الناس على الهداية والاهتداء إليه؛ لكنه جعل مكان الابتلاء ومحل الابتلاء ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] وهكذا يمكن أن يكون الإنسان: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣].

16 / 5