Durūs lil-Shaykh al-Albānī
دروس للشيخ الألباني
مسألة المكان وضلال الأحباش والمتكلمين فيها
فإذا كان هذا التفريق واضحًا في أذهان إخواننا الحاضرين وأخواتنا الحاضرات، فأقول: هذه فلسفة نعرفها من أخزم -شنشنة نعرفها من أخزم- حينما يعتمدون على الكلام، ولا أقول على العقل بعد ذاك التفصيل، وإنما على عقلهم فقط يريدون أن ينزهوا الله ﷿ عن المكان وهو منزه عن المكان بحكم قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فالله ﷿ -كما نعلم جميعًا على اختلاف الفرق الإسلامية- كان الله ولا شيء معه، لم يكن ثمة زمان ولا مكان، ثم خلق الله ﷿ المكان والزمان؛ فلذلك لا شك ولا ريب أن الله ﷿ ليس في مكان، ولكن الذي يجب الانتباه له: أن تلك الكلمة الحبشية -إذا صحت هذه النسبة- كلمة حق أريد بها باطل، أي: قولهم: إن المكان مخلوق، ولا يُعقل أن يكون الله ﷿ حالًا في مخلوق!! هذا كلام صحيح، لكنها كلمة حق أريد بها باطل، ما هو الباطل الذي يراد بهذه الكلمة؟ يريدون أن يعطلوا الله ﷿ عن صفاته وعن أسمائه ﵎ المصرح بها في القرآن وفي السنة الصحيحة.
فنحن نقول معهم بأن الله ﷿ ليس في مكان، ولكن هل يقولون معنا كما قال الله ﷿ في القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ هل يقولون معنا كما في الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]؟ هل يقولون معنا كما قال ربنا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]؟ الجواب -مع الأسف-: لا.
إذًا تلك كلمة حق أريد بها باطل، والآن سيتضح لكم، ولكل من قد يكون تسربت إليهم أو إليهن شيء من شبه أولئك الأحباش، فنقول: إن الله ﷿ قد وصف في هذه الآيات وفي غيرها، وفي أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا، أن له ﵎ صفة العلو، فلا جرم أن المصلي حينما يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، وأن من أدب التلاوة في صلاة الليل إذا قرأ الإمام: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] أن يقول المقتدون من ورائه: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، قاطعة الدلالة على أن لله ﷿ صفة العلو على المخلوقات كلها، هل هم يقولون مع قولهم: إن الله ليس في مكان، أن الله ﷿ على العرش استوى؟ لا يقولون بذلك؛ والسبب يعود إلى أحد أمرين اثنين، والأمران كما يقال: أحلاهما مر؛ فإما أن يكون هذا الأمر يعود إلى انحراف في الفكر والعقل، وإلى نقص في العقل والفهم، وإما أن يكون القصد الهدم للإسلام من أقوى جوانبه، ألا وهو العقيدة المتعلقة بالله ﵎، وكما علمتم أحلاهما مر، سواءً كان قولهم هذا بأن ينكروا ما صرح الله ﷿ في تلك الآيات والنصوص ما ذكرنا منها وما لم نذكر، بأن له صفة العلو.
نحن سنقول الآن: الله ﷿ ليس في مكانٍ خلقه بعد أن كان عدمًا، هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، لكن هل الله ﷿ فوق المخلوقات كلها وهو ليس في مكان؟ لا تلازم -وهنا يظهر جهل هؤلاء أو كيدهم- لا تلازم إطلاقًا بين إثبات صفة العلو لله ﷿ على المخلوقات كلها، وبين أن يكون هو في مكان؛ لأن المكان حينما يطلق إنما يراد به شيء كان مسبوقًا بالعدم ثم خلقه الله ﷿.
إذًا: هؤلاء الذين يبدءون الكلام بالفلسفة الكلامية: المكان مخلوق أم ليس بمخلوق؟ نعم.
هو مخلوق هل يليق بالله ﷿ أن يكون في مكان خلقه؟
الجواب
لا يليق، إذًا كيف يقال: إن الله في مكان؟ نقول: لا أحد من المسلمين يقول: إن الله في مكان، إلا المنحرفين عن الكتاب والسنة.
46 / 4