377
التزام الصحابة بالنص النبوي في صفة التشهد
السؤال
في كتاب صفة الصلاة ذكرتم الحديث المروي عن الصحابة في كيفية التشهد، والصحابة قد غيروا صيغة (السلام عليك) بـ (السلام على النبي ورحمة الله وبركاته)، كيف لنا أن نوفق الأمر الثاني بالأول، علمًا بأن الدعوة السلفية منهجها الأخذ بالقرآن والسنة، وفهم الصحابة لهما؟
الجواب
كأن السائل فهم أن الصحابة غيروا النص الذي تلقوه من النبي ﷺ في التشهد الذي هو بصيغة الخطاب: (السلام عليك أيها النبي)، فكأنه فهم أنهم غيروه من عند أنفسهم، وهذا ما نبرئ منه أقل الناس فهمًا للسنة حتى لو كان خلفيًا سلفيًا، أعني: حتى لو كان من الخلف الذين يتبنون مذهب السلف، فلا نتصور أن رجلًا من المتأخرين يفقه أن الأوراد توقيفية، يتجرأ على أن يغير حرفًا واحدًا في ورد تلقاه عن النبي ﷺ بالأسانيد، فكيف نتصور صحابيًا واحدًا -لاسيما إذا كان مثل ابن مسعود - يقدم على تغيير نص تلقاه من النبي ﷺ مباشرة؟! هذا الخاطر يجب ألا يخطر على بال السائل أو غيره أبدًا، وإنما يقول العلماء في مثل هذا: إن ذلك الذي فعلوه هو بتوقيف من النبي ﷺ إياهم، ومعنى التوقيف: أن الرسول ﵇ هو الذي ألمح وأشار إليهم أن هذا يكون في حياته، أما بعد وفاته فيتكلمون بصيغة الغيبة، وليس بصيغة الحاضر، فيقولون في التشهد: السلام على النبي، ونحن نعرف بعد الصحابي عن الابتداع بصورة عامة، وبعدهم عنه في الأذكار بصورة خاصة، وبالأخص منهم عبد الله بن مسعود الذي جاء النص الصحيح في صحيح البخاري عنه أنه قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة وكفي بين كفيه) كناية عن اهتمام المعلم بالمتعلم بتلقينه ما هو في طريق تعليمه إياه، قال ابن مسعود: (علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه، التحيات لله ...) وذكر التشهد المعروف عن ابن مسعود، والذي عليه الحنفية: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) قال ابن مسعود بعد أن ذكر النص الذي لقنه إياه رسول الله ﷺ، وكفه بين كفي الرسول ﷺ، قال: (وهو بين ظهرانينا) أي: علمه أن يقول هذا وهو بين ظهرانيهم، وهو حي معهم ﵊، قال (فلما مات قلنا: السلام على النبي) ما قال هو: قلت، وحاشاه أن يقول! -كما قلت لكم آنفًا- وحاشاه أن يتصرف في مثل هذا النص الذي تلقاه من الرسول مباشرة، وبهذا الاهتمام الذي عبر عنه بقوله: (وكفي بين كفه) وإنما ذلك مما فهمه في أثناء التلقين، لذلك قال في هذا الحديث: (وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا ...) ما قال: قلت، فكيف يقول من عند نفسه شيئًا يبدل فيه نص الرسول ﵊، وهو يعلم أن تعليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو وحي من الله؟! والذين يجهلون هذه الحقيقة، أو يغفلون أو يتغافلون عنها، هم في الواقع في خطر كبير جدًا، فالذين يتقدمون إلى أوراد الرسول ﵊ وإلى أذكاره، فيزيدون فيها ما شاءوا من الزيادات، لا يتصورون أبدًا أنهم يزيدون على الوحي ولا يخطر هذا في بالهم، وهذا في الواقع تفريق خبيث بين الله ورسوله، وهم لا يتنبهون له، وهو تفريقٌ خبيث بين الكتاب والسنة، أي: بين ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة، وإلا هل يجرؤ أحد هؤلاء أن يزيد في نص القرآن حرفًا واحدًا؛ من أجل إشباع نهمته وغلوه في حبيبه محمد ﷺ؟ مثلًا: هل يقول أحدهم حين قال الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ.
﴾ [الفتح:٢٩] إلخ ما ورد في الآية، هل يقول أحدهم: سيدنا محمد رسول الله؟ لا أحد يقول هذا؛ فمباشرة سيقال له: هذه زيادة على ما في القرآن، وهو وحي فهو أيضًا لا يجوز، لكنهم يفرقون -كما قلت لكم- بجهلهم، كذلك لا يقول أحدهم: محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله؛ لأن هذا زيادة على النص، فنحن معشر الذين ينتمون إلى السلف لا نفرق بين الله ورسوله أبدًا، ولا نفرق بين كتاب الله وحديث رسول الله، وبين تعليم الله وتعليم رسول الله؛ كلاهما يصدران من مشكاة واحدة وهي مشكاة الوحي من السماء؛ لذلك لما علم النبي ﷺ البراء بن عازب ورد الاضطجاع عند النوم: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال له: إذا أنت قلت ذلك ومت من ليلتك تلك مت على الفطرة) فأعاد البراء بن عازب هذا الدعاء بين يدي الرسول ﵊؛ ليتمكن من حفظه، فلما وصل إلى قوله في الأخير: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) قال: (وبرسولك الذي أرسلت)، بدل أن يقول: (وبنبيك الذي أرسلت) فصده الرسول ﵊ ورده عن ذلك، وقال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) لو سألنا هؤلاء المغيرين والمبدلين في أذكار الرسول ﵊: هل هناك فرق يفسد المعنى الذي جاء به النبي ﷺ في هذا الورد، بين تعليم الرسول الذي هو: (وبنبيك الذي أرسلت) وبين ما أخطأ فيه البراء فقال: (وبرسولك الذي أرسلت) .
هل هناك فرق؟ لو لم يكن محمد ﵊ رسولًا وكان نبيًا فقط؛ لصار هناك تغيير للمعنى؛ لأن الرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن نبينا ﵊ ليس فقط رسولًا، بل هو خاتم الأنبياء والرسل جميعًا، فحينما قال البراء: وبرسولك الذي أرسلت، ما خالف الواقع أبدًا؛ ولكنه خالف التعاليم النبوية -إخواننا انتبهوا لهذا- كل ما في الأمر أنه خالف تعليم الرسول إياه، أما المعنى فمستقيم تمامًا؛ لذلك قال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) وعلى هذا جرى الصحابة.

31 / 13