Kashf al-lithām ʿan qawāʿid al-aḥkām

كشف اللثام عن قواعد الأحكام

Editor

مؤسسة النشر الإسلامي

Publisher

مؤسسة النشر الإسلامي

Edition

الأولى

Publication Year

1416 AH

Publisher Location

قم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله لذي شرع لنا الدين ورفع قواعده، وسهل شرائعه وموارده، وأوضح مناهجه ومعاهده، وأحكم أحكامه ومعاقده، وعظم مشاعره ومشاهده، ورفع قصوره، وبين ظهوره، و [متن ظهوره] (1)، فضرب الأرض بجرانه (2)، وسطع للأنام ببرهانه، وفصح لسانه، واتضح بيانه، وأشرق زمانه، وطربت ألحانه، وامتلأت دنانه (3)، وامتدت أشطانه (4)، واشتدت أطنانه (5)، واعتلى بنيانه، واعتمرت (6) أركانه، وامتنعت حصونه، وارتفعت شؤونه، واقتوت أشجاره، وارتوت أزهاره، وبسقت (7) نخيله، وسهلت سبيله، وساغ (8) سلسبيله، وتفرعت أغصانه، وتشعبت

Page 103

أفنانه (1)، وتطاولت أشجانه (2)، وعلا مناره، وجلا نهاره، وحلا ثماره، ولان شعاره (3)، وراق دثاره (4)، وزخرت بحاره، وتضاعفت أنواره.

والصلاة على خير من ابتعثه من الأنبياء، وأفضل من اختاره من ذواته العليا، أقدمهم نبوة، وأعظمهم فتوة، وآكدهم مروة، وأسماهم سموا، وأعلاهم علوا، ومن تلاه من شهوده تلوا، [ولم] (5) يألو في اعلاء الدين ألوا (6)، ما زينت السماء بنجومها، وصينت (7) برجومها، ودارت بأيامها، وسارت (8) بأعوامها، وما حدت الأرض بتخومها (9)، وانطبعت برسومها، ووتدت بأوتادها (10) وأقيمت بأطوادها (11).

أما بعد، فهذا ما اشتدت أشواقكم إليه، وقصرت هممكم عليه (12)، وعكفت قلوبكم لديه، طال ما ظلتم (13) ملحين فيه علي، ماثلين له بين يدي، صافين لاجتناء ثمر الاسعاف حوالي، مستمطرين وبلي (14)، مستمسكين بذيلي،

Page 104

مستنفرين لرجلي (1) وخيلي، مستدرين (2) طبعي، مستبذلين وسعي من كشف لثام الابهام وظلام الأوهام، عن وجوه خرائد (3) قواعد الأحكام، لشيخنا الإمام الهمام (4)، علامة علماء الاسلام، رضوان الله عليه وعلى سائر علمائنا الكرام، على غاية من الإيجاز، لا بحيث ينتهي إلى الألغاز، وإدراج في يسير من الألفاظ معاني طويلة الذيول والأعجاز (5)، مع استيفاء للأقوال وما استندت إليه، وإبانة عما ينبغي التعويل عليه، وتنقيح (6) للمسائل، وتهذيب للدلائل، واجتلاء (7) للعقائل (8)، واقتناء (9) للحظائل (10) (11)، وهتك للخدور (12)، ورفو (13) للفطور، وجبر للكسور،

Page 105

وشرح للصدور، وتكميل عن القصور، وتقوية عن الفتور (1)، وتسهيل للوعور (2)، ورياضة للصعاب (3)، وتقويم للشعاب (4)، وهداية للصواب في كل باب، وابتدأت بالنكاح وانتهيت إلى آخر الكتاب، لما لم يتفق لتلك الكتب شرح يكشف عنها النقاب، ويرفع عن معضلاتها الحجاب.

فحان الآن أن آخذ في شرح الصدر بشرح الصدر، وإتمام البدر، كما يتم القمر في منتصف الشهر، مستعينا بالله، متوكلا عليه، مستميحا من فضله التوفيق للاكمال، مبتهلا إليه.

قال المصنف - رفع الله مقامه، وضاعف إكرامه -: (بسم الله الرحمن الرحيم) أصنف أو أكتب أو أشرع فيه، أي متلبسا أو مصحوبا به، أي ذاكرا له، أو بالاستعانة به، كأنه لا يتيسر بدون ذكره، كما لا يتيسر بدون القلم.

وقد أراد بالأسماء الثلاثة المسمى، أي باسم هذا الذات الذي كذا وكذا، أي الذات الموسوم بالله، الموصوف بالرحمن الرحيم، ولكن ذكرها أغنى عن ذكر اسم آخر، فهي باعتبار المسمى من (5) مدلول الكلام وباعتبار أنفسها مصداق مدلوله.

ويجوز أن لا يراد بها إلا الألفاظ، ويكون إضافة اسم إليها، كما في: يوم الأحد، وشجر الأراك (6) فإنه اسم جنس يشمل ما فوق الواحد.

ويجوز أن يراد بالله الذات، وبالآخرين اللفظ، وعلى الأول فالمحققون على أن (الرحمن) أيضا اسم للذات ك‍ (الله)، وأن لفظه هنا بدل من (الله)، ولذا قدم على (الرحيم) لكونه صفة، فاندفع السؤال عن جهة تقديمه مع أنه أبلغ.

(الحمد لله) يحتمل الاخبار عن كونه محمودا، وعن حمده له، والانشاء

Page 106

لحمده (على سوابغ النعماء) نوامها واسعاتها، والنعماء مفرد كالنعمة وبمعناها (وترادف الآلاء)، وهي جمع (آلى) بمعنى النعمة، ولم يظهر لي فرق بينهما وإن قيل باختصاص الآلاء بالنعم الباطنة، ومع الترادف لا اتحاد بين القرينتين، فإنه حمده على نفس النعم، ثم على ترادفها.

ثم ذكر أعاظم النعم المترادفة المشعرة، بما يسبقها من نعم الوجود، والعقل، والفهم، والقدرة، والقوة (1)، فإن ذكر النعم من الشكر عليها، وفيه تذكيرا للغير، وحثا له على الشكر، فقال: (المتفضل) يحتمل الوصف والقطع، أي: هو المتفضل، أو أعينه أو أخصه (بإرسال الأنبياء لارشاد الدهماء) أي جماعة الناس أو الثقلين إلى ما لا يبلغه عقولهم، أو ضلوا عنه (والمتطول بنصب الأوصياء) للأنبياء (لتكميل الأولياء) أي [أوليائه أو] (2) أولياء الأنبياء أو الأوصياء، فإنهم أخذوا أصل الدين من الأنبياء، وتكلمهم الأوصياء بالتفهيم والتفريع، وتعليم ما لم يأخذوه منهم (3).

وقد سئل، عن ذكر التفضل والتطول مع وجوبهما على الله عندنا (4)، فأجاب: بأنهما يتوقفان على الخلق والاقدار وتكميل العقول، لينتفعوا بهما، ويستأهلوا للنعيم المقيم ورفع الدرجات، وكل ذلك تفضل منه تعالى، وتطول فهما (5) كذلك، وإن وجبا بعد ذلك، فكأنه قيل: إنه تعالى تفضل بالتأهيل لارسال الرسل إليهم، ونصب الأوصياء لهم.

ويمكن الجواب: بأن الارسال إنما يجب للتعريض للثواب، والتحذير من العقاب، وكان من الجائز أن يهمل الله عباده، ويذرهم كالأنعام وإن كانوا عقلا كاملين، ولا يثيبهم (6) بالجنان، فتعريضهم لذلك وتشريفهم بالخطاب والتكليف

Page 107

تفضل. وأيضا لما أكملهم بالعقول، جاز أن يكلفهم بقضاياها من غير إرسال رسول يؤيدها وينبهها.

وأما وجوب الارسال لحفظ نظام النوع - لكون الانسان بالطبع مدنيا، مع نزوع كل إلى ما يشتهيه، والانطباع على الغضب على من يدافعه، وتأدى ذلك إلى القتال - فليس إلا وجوبا للحفظ، ولو كان يدعهم يتقاتلون ويتدافعون لم يلزم محال، مع إمكان خلقهم مطبوعين على التآلف، بل مبرئين (١) من الشهوة والغضب، وكل من خلق الشهوة والغضب فيهم وحفظ نظامهم تفضل منه تعالى.

(والمنعم على عباده بالتكليف المؤدي إلى أحسن الجزاء) والكلام فيه - كما تقدم (٢) - على أن الانعام قد يكون واجبا، وفي وصف التكليف بالتأدية إلى أحسن الجزاء دلالة على غايته، والعلة في صدوره عنه تعالى وفي كونه نعمة.

(ورافع درجات العلماء) كما قال: <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن-الكريم/39/9" target="_blank" title="الزمر: 9">﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾</a> (٣)، وقال: <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي /القرآن-الكريم/58/11" target="_blank" title="المجادلة: 11">﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾</a> (4) (ومفضل مدادهم على دماء الشهداء) فقد ورد أنه يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (5) (وجاعل أقدامهم واطئة على أجنحة ملائكة السماء) فقد ورد في الأخبار: (أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم يطأها رضى به) (6).

وأما كون الملائكة، ملائكة الأرض أو السماء فغير مفهوم من الأخبار، ويمكن أن يقال: ملائكة السماء لا ملائكة الأرض (7)، لتمكنهم من العروج إليها.

ولعله، رأى من الأخبار ما ينص على ملائكة السماء.

(أحمده على كشف البأساء) وهي الجهل والضلال والفساد ، بإرسال

Page 108

الرسل، ونصب الأوصياء والتكليف (ودفع الضراء) وهي أنواع العذاب والخزي في الدارين بذلك، مع التوفيق للاهتداء.

قيل: ويمكن أن يريد بالأولى الجهل البسيط، وبالثانية المركب (1).

(وأشكره في حالتي الشدة والرخاء) فإن الشدة نفسها (2) نعمة عظيمة على المؤمن، يكفر ذنوبه، ويعظم له الأجر إذا صبر، مع أنه تعالى حينها لم يسلبه نعمة رأسا، بل له عليه من النعم ما لا يحصى، ولا ينبغي للعبد إذا سلبه الله نعمة أن يكفر بغيرها.

(وصلى الله على سيد الأنبياء محمد المصطفى) صرح باسمه مع ظهوره تبركا واستلذذا (3) (وعترته الأصفياء) وهم الأئمة الاثنا عشر، [أو مع فاطمة] (4) صلوات الله عليهم كما وردت به الأخبار (5)، وقد ذكرت في معاني الأخبار (6)، وغيره لتسميتهم بالعترة وجوه لا يهمنا التعرض لها (7) هنا (صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء) هذه عبارة تذكر للمبالغة في كثرة الشئ وإن لم يكن من الأجسام، أي رحمهم وبارك عليهم رحمة وبركة بالغة في الكثرة منتهاها، أو يقال: الرحمة عليهم تتضمن رحمة سائر الخلق من الثقلين والملائكة وغيرهم، لأنهم رحمة للعالمين، فهذا معنى أنها تملأ الأقطار.

(أما بعد، فهذا كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام) فإن الأحكام الشرعية كلها ترجع إلى حلال الفعل أو الترك، أو حرام الفعل أو الترك (لخصت فيه لب الفتاوى) فتاوى الأصحاب أو فتاواي، أي بينتها بيانا واضحا مع حذف الزوائد (خاصة) أي لم أتعرض للأدلة أو لغير الفتاوى (8) من

Page 109

الأقوال، أي لم أصرح بذلك - وإن أشار أو أومأ إليها - إلا نادرا.

ولا ينافيه اشتماله على الترددات، لإضافية (1) الحصر، مع أن التردد ربما أفاد الإفتاء بكل من الاحتمالين على التخيير [أو الاحتياط بأحدهما] (2). (وبينت فيه قواعد أحكام الخاصة) أي الإمامية، فإنهم خواص الناس بالله ورسوله صلى الله عليه وآله والأئمة: ولقلتهم وكثرة غيرهم أضعافا لا تحصى، وكذلك أهل الحق منذ خلق الله الناس قليل ما هم (إجابة لالتماس أحب) عامة (الناس إلي، وأعزهم علي) فلا يلزم ترجيحه على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام فيرد أن في الخبر : لا يكمل إيمان المؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه وولده (3) (وهو الولد العزيز) أبو طالب، فخر الدين (محمد الذي أرجو من الله تعالى طول عمره بعدي، وأن يوسدني في لحدي).

والمراد به إما ظاهره ويكون مستثنى من دخول ذي الرحم القبر كما قيل، وبه خبر العنبري عن الصادق عليه السلام: (لا يدفن الأب ابنه، ولا بأس أن يدفن الابن أباه) (4)، وخبر عبد الله بن راشد عنه 7: إن الرجل ينزل في قبر والده، ولا ينزل في قبر ولده (5). أو المراد البقاء بعده، فيكون تأكيدا لما قبله، أو الترحم (6) عليه والدعاء له، فيكون ما بعده تفسيرا وتأكيدا له.

(وأن يترحم علي بعد مماتي، كما كنت أخلص له الدعاء في خلواتي) إن كانت (من) بيانية، كان المعنى ترحما (7) مخلصا كما كنت أخلصه له من الدعاء، [أو مخلصا فيه كما كنت أخلص فيه من الدعاء] (عليها السلام)، وإلا فللتبعيض،

Page 110

و (ما) في (كما) كافة، أو يترحم علي كما كنت (1) أخص به وأخلص له بعض الدعاء.

(رزقه الله سعادة الدارين، وتكميل الرئاستين) في الدارين، أو في العلم والعمل (فإنه بر بي في جميع الأحوال، مطيع لي في الأقوال والأفعال) أي إنما كنت أخلص له الدعاء لأنه كذا، أو (2) إنما دعوت له الآن بسعادة الدارين وكمال الرئاستين لأنه كذا.

قال فخر الاسلام: لما اشتغلت على والدي - قدس الله روحه - في المعقول والمنقول، وقرأت كثيرا من كتب أصحابنا، التمست منه أن يعمل كتابا في الفقه، جامعا لأسراره وحقائقه، يبتني (3) مسائله على علمي الأصولين والبرهان، وأن يشير عند كل قاعدة إلى ما يلزمها من الحكم، وإن كان قد ذكر قبل ذلك معتقده وفتواه، وما لزم (4) من نص على قاعدة أخرى وفحواها، لتنبيه المجتهد على أصول الأحكام، وقواعد مبادئ الحلال والحرام، فقد يظن كثير من الجهال المقلدين تناقض الأحكام فيه، ولم يعلموا أنهم لم يفهموا من كلامه حرفا واحدا، كما قيل:

ويل للشعر (5) الجيد من رواة السوء (6)، انتهى.

وقد يستبعد اشتغاله قبل تصنيف هذا الكتاب في المعقول والمنقول، والتماس تصنيف كتاب صفته كذا وكذا، لأنه ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وقد عد المصنف الكتاب في مصنفاته في الخلاصة، وذكر تاريخ عده لها، وأنه سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وفي بعض النسخ سنة اثنتين وتسعين، فكان له من العمر عند إتمام الكتاب إحدى عشرة، أو عشر، أو أقل، فضلا عما قبله، ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

Page 111

وقد فرغت من تحصيل العلوم معقولها ومنقولها ولم أكمل ثلاث عشرة سنة، وشرعت في التصنيف ولم أكمل إحدى عشرة (1)، وصنفت منية الحريص على فهم شرح التلخيص ولم أكمل تسع (2) عشرة سنة، وقد كنت عملت قبله من كتبي ما ينيف على عشرة من متون وشروح وحواش، كالتلخيص (3) في البلاغة وتوابعها، والزبدة في أصول الدين، والخود البريعة (4) في أصول الشريعة وشروحها، والكاشف، وحواشي شرح عقائد النسفية. وكنت ألقي من الدروس وأنا ابن عشر (5) سنين شرحي التلخيص للتفتازاني، مختصره ومطوله، هذا مع احتمال إلحاق اسم الكتاب بما في الخلاصة بعد سنين من تأليفها، (والله المستعان، وعليه التكلان وقد رتبت هذا الكتاب) مشتملا أو مبتنيا (على عدة كتب) هي أحد وعشرون.

Page 112