Kashf al-khafāʾ wa-muzīl al-albās ʿammā ishtahara min al-aḥādīth ʿalā alsinat al-nās
كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس
Editor
عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي
Publisher
المكتبة العصرية
Edition
الأولى
Publication Year
1420 AH
المجلد الأول
مقدمة المحقق:
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على رسوله ﷺ، وجعل سنته ﷺ مبينة له، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وأمرنا سبحانه باتباع سنته ﷺ وامتثال أمره ونهيه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وأخبر أنه ﷺ باقٍ فينا بسنته وهديه ما لهج المسلمون بحديثه فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣.
وأخبر سبحانه أن الهداية في طاعته فقال حاثًّا على طاعة أمره واتباع سنته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٤.
وبين سبحانه أنه اتباع سنته ﷺ هي السبيل الأوحد لمحبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ ثم أمر سبحانه بطاعة رسوله ﷺ مع طاعته تعالى، وبين أن من تولى عن طاعته وطاعة رسوله فهو من الكافرين فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٦.
وجعل سبحانه طاعة رسوله ﷺ طاعة مستقلة بنفسها، ولم يجعل لأحد من أولي الأمر طاعة مستقلة، بل جعل طاعتهم تبعًا لطاعة الرسول ﷺ، فإن أمروا بأمره وسنته أطيعوا، وإلا فلا طاعة لهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
١ النحل: ٤٤.
٢ الحشر: ٧.
٣ الحجرات: ٧.
٤ النور: ٥٤.
٥ آل عمران: ٣١.
٦ آل عمران: ٣٢.
1 / 3
مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
فانظر كيف كرر الأمر بالطاعة في حق الرسول ﷺ ولم يكرره مع أولي الأمر، ثم انظر كيف جعل مرد النزاع إلى الله ورسوله ﷺ على السواء؛ وذلك لأنه لا تعارض بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إذ كانت مبينة لكتاب الله تعالى، ومفصلة له.
ولم لا، وقد أوتي ﷺ القرآن ومثليه معه من السنة الشريفة كما صح عنه ﷺ، وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في وجوب اتباع حديث النبي ﷺ والعمل به ما دام قد اتصل إسناده إلينا بنقل العدول الضابطين من المسلمين عن النبي الأمين ﷺ.
ولكني أحببت أن أصدر هذا الكتاب الخادم لسنة النبي ﷺ، الذاب عنها ما انتحله المنتحلون، وكذب فيه الكاذبون والوضاعون -أحببت أن أصدره بتلك الآيات الآمرة باتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته؛ نظرًا لتواكب زمن تحقيقي لهذا الكتاب مع اطلاعي على بعض ما يوجهه المغرضون من أعداء هذا الدين من طعون وسهام إلى سنة النبي ﷺ وصد عنها.
ولا غرابة في أن يصدر هذا من أعداء الإسلام الذين لا ينتسبون إليه، ولكن ما فَتَّ في كبدي هو صدور تلك السهام وذلك الصد من أناس ينتسبون في الظاهر إلى هذا الدين، ويتمسحون في كتابه وينتسبون إليه فيزعمون أنهم قرآنيون، لا يتبعون غير كتاب الله تعالى، مستغنين به عن سنة رسوله ﷺ؛ لأنهم قد استعصى عليهم تمييز صحيحها من سقيمها بزعمهم.
ولعمر الله، إنهم لكذابون أفاكون!
فما هم بقرآنيين ولا يعرفون القرآن ولا يقرءونه، ولو قرءوه وعرفوه وطالعوا تلك الآيات التي صدرت بها هذه المقدمة، لعرفوا أن القرآن يأمرهم بوجوب اتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته، وأنهم لا يفقهون القرآن ولا يعرفون تفصيل مجمله، ولا بيان مشكله، ولا إيضاح خفيه إلا من السنة المطهرة التي حفظها الله تعالى بجهود هؤلاء الأئمة الذين بذلوا حياتهم للذب عن سنة النبي ﷺ ونفي الدخيل عنها، وبيان ما يصح نسبته إليه ﷺ مما كذبه عليه الكذابون الأفاكون.
١ النساء: ٥٩.
1 / 4
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو واحد من هذه الكتب التي تصدت لهذه المهمة العظيمة، وهي الذب عن سنة النبي ﷺ وتطهيرها من الدخيل عليها.
وقد بذل فيه مؤلفه جهدًا عظيمًا في بيان حال ما اشتهر على ألسنة الناس مما ينسب إلى النبي ﷺ، فكثير من هذه الأحاديث قد لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ لكونه من وضع الوضاعين أو كذب الكذابين، ولكن الله تعالى يقيض لهؤلاء الكذابين من يكشف باطلهم وينبه عليه، حتى تظل سنة النبي ﷺ محفوظة مطهرة بغير تبديل ولا تحريف؛ وذلك لأنه بضياع سنة النبي ﷺ يضيع فهم القرآن، فكان من تمام حفظ الله تعالى لكتابه أن حفظ سنة نبيه ﷺ التي جعلها الله تعالى مبينة لكتابه، ومفصلة له، وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢ فسنة رسول الله ﷺ هي المبينة لكتاب الله تعالى، وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه، فمن تمام حفظه حفظ سنته التي هي مبينة لكتابه.
وقد كان هذا الحفظ بتسخير هؤلاء الأئمة الأعلام الذين عنوا بحفظ حديث النبي ﷺ وجمع طرقه ورواياته ومعرفة أسانيده وحفظها وتلقيه ممن سمعوه عن الثقات عن النبي ﷺ.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا سِفْرٌ جامع، جمع بين طرفيه قرابة ثلاثة آلاف ومائتي حديث، بَيَّن فيه مؤلفه ما يصح منها إلى النبي ﷺ وما لا يصح نسبته إليه، وقد جمع تلك الأحاديث من الكتب التي سبقته في هذا الباب، وقد اعتمد بالأخص على أوثق ما كُتب في هذا الباب وهو كتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ السخاوي.
وقد ذكر ذلك المصنف في مقدمته، وذكر مصادره الأخرى التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه.
١ سورة الحجر: الآية: ٩.
٢ سورة النحل: الآية: ٤٤.
1 / 5
عملنا في تحقيق الكتاب:
١- تم ضبط متن الكتاب على عدد من النسخ المطبوعة مع مراجعة نسخة دار الكتب المصرية فيما أشكل، وقد اهتدينا بفضل الله تعالى إلى تصحيح كثير من الأخطاء الفاحشة -لا سيما في حديث النبى- وقد وقع في تلك الأخطاء جميع طبعات الكتاب المتداولة؛ وذلك لكون هذه الطبعات ناقلة عن بعضها البعض بغير تصحيح ولا تنقيح.
٢- تم بيان درجة أغلب أحاديث الكتاب من صحيح الجامع وضعيفه وغيرهما من كتب فضيلة الشيخ الألباني حفظه الله، وقد اكتفينا بذكر رقم الحديث في الصحيح أو الضعيف على سبيل الاختصار دون ذكر اسم المصدر؛ وذلك لتنبيهنا عليه في أول الكتاب فأهملنا ذكره بعد تجنبًا للتكرار والإطالة؛ وما كان في غير صحيح الجامع وضعيفه بيناه، وما ظهر من كلام المصنف صحته بأن رواه الشيخان مثلًا، أو نص على ضعفه تركنا الكلام عليه اختصارًا.
٣- تم تخريج الآيات القرآنية التي اشتمل عليها الكتاب.
٤- قمت بالتعليق على بعض ما وقع فيه المصنف من المزالق، سواء ما يتعلق بالعقيدة أو الحديث أو غير ذلك.
٥- أثبتُّ فهرسًا للكتاب في آخره على حروف المعجم بفصول الكتاب هذا، والله أسأل أن يجزل لنا المثوبة على هذا العمل، وأن يجعله ذخرًا لنا يوم لقائه، وأن يجزل المثوبة كذلك لكل من ساعد في إخراجه، لا سيما الأخ الفاضل محمد بن عبد الوهاب، ولله المرجع والمآب.
وكتب
عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي
المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
الجيزة في الرابع عشر من المحرم ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩/ ٤/ ٣٠م.
1 / 6
حياة المصنف مختصرة من سلك الدرر للمرادي:
هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني الشهير بالجراحي "نسبة إلى أبي عبيدة بن الجراح أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة ﵃" الشافعي، العجلوني المولد، الدمشقي المنشأ والوفاة، الشيخ العالم الهمام الحجة الرحلة العمدة الوَرِع العلامة. كان عالما بارعا صالحا مفيدا محدثا مبجلا قدوة سندا خاشعا، له يد في العلوم لا سيما الحديث والعربية وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسع في هذه السطور وصفه، له القدم الراسخ في العلوم واليد الطولى في دقائق المنطوق والمفهوم.
ولد بعجلون في سنة سبع وثمانين بعد الألف تقريبًا، وسماه والده أولًا باسم محمد مدة من الزمان لا تزيد على سنة، ثم غير اسمه إلى مصطفى نحو ستة أشهر، ثم غير اسمه بإسماعيل واستقر الأمر بهذا الاسم.
ثم لما بلغ سن التمييز شرع في قراءة القرآن العظيم حتى حفظه عن ظهر قلبه في مدة يسيرة، ثم قدم إلى دمشق وعمره نحو ثلاث عشرة سنة تقريبًا لطلب العلم، وذلك في منتصف شوال سنة ألف ومائة، واشتغل على جماعة أجلاء بالفقه والحديث والتفسير والعربية وغير ذلك إلى أن تميز عن أقرانه بالطلب.
ومن أسباب توجهه لطلب العلم أنه لما كان في بلاده وكان صغيرًا يقرأ في المكتب رأى في عالم الرؤيا أن رجلًا ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية الجودة والبياض، وقد غمرته لكونها سابغة على يديه ورجليه. فأخبر والده بالمنام فحصل له بذلك السرور التام، وقال له: إن شاء الله يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر، ودعا له بذلك.
قلت: ومشايخه كثيرون والكتب التي قرأها لا تعد لكثرتها، ما بين كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول وقراءات وفرائض وحساب وعربية بأنواعها ومنطق، وغير ذلك.
وقد ألف ثبتًا سماه حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل الرجال.
وترجم مشايخه به؛ فمن مشايخه الشيخ أبو المواهب مفتي الحنابلة بدمشق، والشيخ محمد الكاملي الدمشقي، والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق، والأستاذ الشيخ
1 / 7
عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ يونس المصري نزيل دمشق، والشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي، ومفتيها الشيخ إسماعيل الحائك، والشيخ نور الدين الدسوقي الدمشقي، والشيخ عثمان القطان الدمشقي، والشيخ عثمان الشمعة الدمشقي، والشيخ عبد القادر التغلبي الحنبلي، والشيخ عبد الجليل أبو المواهب المذكور، والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق، ومن غير الدمشقيين الشيخ محمد الخليلي المقدسي، والشيخ محمد شمس الدين الحنفي الرملي، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم المكي البصري، والشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة، والشيخ محمد الشهير بعقيلة المكي، والشيخ محمد الوليدي، والشيخ محمد الضرير الإسكندراني المكي، والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم المكي، والشيخ أبو طاهر الكوراني المدني، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني، والشيخ ابن عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني، والشيخ أحمد النجلي المكي، والشيخ سليمان بن أحمد الرومي واعظ أيا صوفية.
وارتحل إلى الروم في سنة تسع عشرة ومائة وألف، فلما كان بها أنحل تدريس قبة النسر بالجامع الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه صاحب الترجمة وجاء به إلى دمشق، وكان والي دمشق إذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضًا به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي وألزم القاضي بعرض على موجب عرضه وأنه يعطي ما صرفه شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق للقاضي، وكان مراد الغزي أولًا التدريس، فحين وصول العروض إلى دار الخلافة قسطنطينية للدولة العلية ما وجهوا التدريس لشيخه الكاملي ووجهوه للمترجم واستقام بهذا التدريس إلى أن مات.
ومدة إقامته من ابتداء سنة عشرين إلى أن مات إحدى وأربعون سنة، وهو على طريقة واحدة مبجلًا بين العال والدون، ودرس بالجامع الأموي وفي مسجد بني السفرجلاني ولزمه جماعة كثيرون لا يحصون عددًا.
وألف المؤلفات الباهرة المفيدة منها:
١- كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس.
٢- الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري.
٣- إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين.
٤- تحفة أهل الإيمان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
1 / 8
٥- نصيحة الإخوان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
٦- عرف الزرنب١ بترجمة سيدي مدرك والسيدة زينب.
٧- الفوائد المحررة بشرح مسوغات الابتداء بالنكرة.
٨- الأجوبة المحققة عن الأسئلة المفرقة.
٩- الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأئمة المجتهدين الأربعة.
١٠- أربعون حديثًا كل حديث من كتاب.
١١- عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين.
وهذه الكتب كاملة وأقلها نحو الكراستين وأكثرها نحو العشرين، ومنها التي لم تكمل وهي كثيرة أيضًا؛ منها أسنى الوسائل بشرح الشمائل، ومنها استرشاد المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح الأربعين النووية لابن حجر المكي، ومنها عقد اللآلي بشرح منفرجة الغزالي، ومنها إسعاف الطالبين بتفسير كتاب الله المبين، ومنها فتح المولى الجليل على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ومنها وهو أجلها شرحه على البخاري المسمى بالفيض الجاري بشرح صحيح البخاري، وقد كتب من مسوداته مائتين واثنتين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم من المغازي، ولو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر.
وكان صاحب الترجمة حليما، سليم الصدر، سالما من الغش والمقت، صابرا على الفاقة والفقر، ملازما للعبادات والتهجد، والاشتغال بالدروس العامة والخاصة، كافًّا لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة، ولم يزل مستقيمًا على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن مات.
قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه، ولما حج الوالد في سنة سبع وخمسين ومائة وألف كان هو أيضًا حاجًّا في تلك السنة فأُقرئ كتاب صحيح البخاري في الروضة المطهرة وأعاد له الدرس الوالد، وقد أجاز الوالد نثرًا ونظمًا فالنظم قوله:
١ الزرنب: طيب أو شجر طيب الرائحة، كما في القاموس.
1 / 9
أجزت نجل العارف المرادي ... أعني عليًّا فاز بالمراد
وهو الشريف اللوذعي الكامل ... الأريب والمفضال ذو الأيادي
أجزته بكل ما أخذته ... عن الشيوخ الفضل الأطواد
أجزته بكل ما صنفته ... كالفيض والكشف مع الإرشاد
أجزته بكل ما في ثبتنا ... الجامع النوعين بالسداد
أجزته إجازة بشرطها ... عند أولي التحديث والنقاد
أجزته في الروضة الفيحاء ... بطيبة المختار طه الهادي
صلى عليه ربنا وسلما ... وآله وصحبه الأمجاد
ما غردت قمرية فأطربت ... وأمطرت سحب وسال واد
وكان ينظم الشعر، وشعره شعر علماء؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم به كما قال ابن بسام: إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام، وجعل الشهاب أن أحسن بعض أشعارهم من قبيل دعوة البخيل أو حملة الجبان. وقال الأمين في نفحته: قلت: علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى يعنى، والشعر وإن سموه ترويح الخاطر لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني "هذه تسلية العلماء، وحديث: "إن من الشعر حكمة" محفوظ عند الجميع" وشتان بين من تعاطاه في الشهر مرة، وبين من أنفق في تعاطيه عمره.
وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه: خاتمة أئمة الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث اقتدح زناده فيه فأضاء وشاع حتى ملأ الفضاء آخذًا بطرفي العلم والعمل متسنمًا ذروة عن غيره بعيدة الأمل، يقطع آناء الليل تضرعًا وعبادة، ويوسع أطراف النهار قراءة وإفادة، لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره مرام، ولا عن نشر طيبها نقض ولا إبرام.
ولصاحب الترجمة أشعار غير التي ذكرناها، وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذين لهم القدم العالية في العلوم والرسوخ.
وكانت وفاته بدمشق في محرم الحرام، افتتاح سنة اثنتين وستين ومائة وألف، ودفن بتربة الشيخ أرسلان -رحمه الله تعالى١.
١ في الأصل: "رضى الله عنه" والأولى قصر الترضية على أصحاب النبي ﷺ.
1 / 10
مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حفظ السنة المصطفوية بأهل الحديث، والصلاة والسلام على نبينا محمد المرسل بأصدق الكلام والحديث، وعلى آله وأصحابه الذين أعزوا دينه الصحيح بسيرهم في نصرته السير الحثيث، وعلى التابعين لهم بإحسان وسائر المؤمنين في القديم والحديث.
أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى مولاه الفتاح، إسماعيل العجلوني بن محمد جَرَّاح: إن الأحاديث المشتهرة على الألسنة قد كثرت فيها التصانيف، وقلما يخلو تصنيف منها عن فائدة لا توجد في غيره من التآليف، فأردت أن ألخص مما وقفت عليه منها مجموعًا تقر به أعين المنصفين؛ ليكون مرجعًا لي ولمن يرغب في تحصيل المهمات من المستفيدين، ولما أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مما يلحق المؤمن من حسناته بعد موته علمًا نشره" ١ وهو شامل للتصنيف والتعليم، وهو في التصنيف أظهر؛ لأنه أطول استمرارًا وأكثر انتشارًا.
وأنص -إن شاء الله تعالى- في هذا المجموع على بيان الحديث من غيره، وتمييز المقبول منه السالم من ضَيْرِه٢، إذ من النصيحة في الدين كما قال الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع، وليس له أصل في الشرع، قال: وقد صنف الإمام تاج الدين الفزاري كتابًا في فقه العوام، وإنكار أمور اشتهرت بين الأنام لا أصل لها أجاد فيها الانتقاد، وصان الشريعة أن يدخل فيها ما يخل بالاعتقاد، قال: وقد رأيت ما هو أهم من ذلك، وهو تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام وكثير من الفقهاء الذين لا معرفة لهم
١ حسن: أخرجه ابن ماجه "٢٤٢"، وابن خزيمة "٢٤٩٠"، وانظر صحيح ابن ماجه "ح١٩٨" وتمامه: "وولدًا صالِحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته".
٢ الضير: المضرة، والمقصود تمييز الحديث السالم الصحيح من الضعيف الذى يضر به.
1 / 11
بالحديث، وهي إما أن يكون لها أصل يتعذر الوقوف عليه لغرابة موضعه، أو لذكره في غير مظنته، وربما نفاه بعضهم لعدم اطلاعه عليه، والنافي له كمن نفى أصلًا من الدين، وضل عن طريقه المبين، وإما لا أصل لها البتة، فالناقل لها يدخل تحت ما رواه البخاري في ثلاثياته من قوله ﷺ: "من نقل عني ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار" ١ انتهى.
ثم نقل فيها بسنده إلى أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "هلاك أمتي في ثلاث: في القدرية، والعصبية، والرواية من غير تثبت"٢ لكنه منكر.
وبسنده أيضا إلى ابن المبارك أنه قيل له في هذه الأحاديث الموضوعة فقال: يعيش لها الجهابذة.
وبسنده إلى الإمام أحمد أنه قال: "إن للناس في أرباضهم٣ وعلى باب دورهم أحاديث يتحدثون بها عن النبي ﷺ لم نسمع نحن بشيء منها".
ولذلك وجبت العناية بما وصل العلم إليه ووقع الاطلاع عليه، قال الربيع بن خيثم: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر.
وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب، وينفر منه قلبه في الغالب، وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "إن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عن دينه"٤ انتهى.
وإن من أعظم ما صنف في هذا الغرض وأجمع ما ميز فيه السالم من العلة والمرض، الكتاب المسمى بالمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، المنسوب للإمام الحافظ الشهير أبي الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، لكنه مشتمل على طول بسوق الأسانيد التي ليس لها كبير فائدة إلا للعالم الحاوي. ومن
١ أخرجه البخارى في "العلم"، ٢٤٣/ ١، "ح١٠٩"، ولفظه: "من يقل علي...." ولعل المذكور هنا تصحيف عن لفظه في الصحيح.
٢ أورده العلامه الشوكاني في "الفوائد المجموعة"، ٦٢٠/ ٢، وقال: "رواه العقيلي عن ابن عباس مرفوعًا وهو موضوع، والمتهم به ابن سمعان"، وانظر كلام الشيخ الألباني عليه في "ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة" لابن أبي عاصم "ح٣٢٦".
٣ أرباض: جمع ربض، هو ما يكون حول الدار خارجًا عنها، وفي الحديث: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة"، وهو بفتح الباء: ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن والقلاع. النهاية ١٨٥/ ٢.
٤ موضوع: وانظر الضعيف الجامع "ح١٩٤٩"، وراجع الكلام عليه في "الضعيفة"، "ح٨٦٩".
1 / 12