Al-Kāfī fī fiqh ahl al-madīna
الكافي في فقه أهل المدينة
Editor
محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني
Publisher
مكتبة الرياض الحديثة
Edition
الأولى
Publication Year
1398 AH
Publisher Location
الرياض
المجلد الأول
مقدمة
...
الكافي في فقه أهل المدينة
المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال " الشيخ " الفقيه الحافظ أبو عمر [يوسف] بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري ﵁.
الحمد لله ولي كل نعمة وكاشف كل غمة الذي كتب على نفسه الرحمة [وجعل الوسط هذه الأمة] منّ علينا بالإيمان وصيرنا من أهله وهدانا للإسلام وعلمنا شرائعه وفضلنا
1 / 135
بالقرآن [وتعبدنا] بأحكامه وجعلنا من أمة محمد نبيه ورسوله وخاتم أنبيائه وألهمنا اتباع سنته فله الحمد كثيرا كما هو أهله وأحمده شاكرا لما سلف من آلائه وملتمسا للمزيد من نعمائه وأستعينه على رعاية ما استودعنا من حقوق وأرغب إليه في العون على توفيقه " وصلى الله علي سيدنا محمد رسوله ".
أما بعد فإن بعض إخواننا من أهل الطلب و[العناية] والرغبة في الزيادة من التعلم سألني أن أجمع له كتابا مختصرا في الفقه يجمع المسائل التي هي أصول وأمهات لما يبنى عليها من الفروع والبينات في فوائد الأحكام ومعرفة الحلال والحرام يكون جامعا مهذبا وكافيا مقربا ومختصرا مبوبا يستذكر به عند الاشتغال " وما يدرك الإنسان من الملال "، [ويكفي] عن المؤلفات الطوال ويقوم مقام المذاكرة عند عدم المدارسة فرأيت أن أجيبه إلى ذلك لما رجوت فيه من [عون] العالم المقتصر ونفع الطالب المسترشد التماسا لثواب الله ﷿
1 / 136
في تقريبه على من أراده واعتمدت فيه على [علم] أهل المدينة وسلكت فيه [مسلك] مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس ﵀.
1 / 137
لما صح له من جمع مذاهب أسلافه من أهل بلده مع حسن الاختيار وضبط الآثار فأتيت فيه بما لا يسع جهله لمن أحب أن يسم بالعلم نفسه و[اقتطعه] من كتب المالكيين ومذهب المدنيين واقتصرت على الأصح علما والأوثق نقلا فعولت منها على سبعة [قوانين] . دون ما سواها وهي الموطأ، والمدونة وكتاب ابن عبد الحكم والمبسوط لإسماعيل [القاضي] والحاوي لأبي الفرج، ومختصر أبي مصعب، وموطأ ابن وهب.
" وفيه من كتاب ابن الموازي ومختصر الوقار ومن العتبة والواضحة بقية صالحة ".
1 / 138
كتاب الطهارة
باب ما يوجب الوضوء من الأحداث وما لا يوجبه منها على ما يميز إلى الصلاة
...
باب ما يوجب الوضوء من الأحداث وما لا يوجبه منها على ما يميز إلى الصلاة
الذي يوجب الوضوء عند أهل المدينة مالك وأصحابه أربعة أنواع:
" أحدها ما خرج " من أحد المخرجين من ريح أو غائط أو بول أو مذي أو ودي " ما خلا " المني فإنه يوجب الغسل والحجة في ذلك قول الله ﷿: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ وذلك كناية عن كل ما يخرج من الفرجين مما كان معتادا أو معروفا دون ما خرج منهما نادرا غبا مثل الدم والدود، والحصاة التي لا أذى عليها، وما كان مثل ذلك، لأن الإشارة بذلك عند مالك إلى ما عهد دائما مترددا دون مالم يعهد.
1 / 145
والنوع الثاني: ما غلب على العقل من الإغماء والنوم الثقيل والسكر والصرع فإن كان النوم خفيفا لا يخامر العقل ولا يغمره فإن استثقل نوما فقد وجب عليه الوضوء ولا يكاد الجالس ولا المحتبي " يستثقلان ".
والحجة [في ذلك] أن النوم يوجب الوضوء قول رسول الله ﷺ: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه" فدل على أن الوضوء على من انتبه من نومه وقال زيد بن أسلم في قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾، قال: يريد قمتم من المضاجع يعني النوم، وقال صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله ﷺ "أن لا ننزع خفافنا من غائط ولا بول ولا ننزعهما إلا من جنابة" فسوى بين البول والغائط والنوم في هذا الحديث
1 / 146
والنوم كالحدث ولكنه لا يقوى قوة الحدث لأن الحدث قليله وكثيره وصغيره وكبيره سواء في نقض الطهارة وقليل النوم متجاوز عنه لا حكم له والدليل على الفرق بينهما قوله ﷺ: "وكاء السه العينان فإذا نامت العينان استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ".
فدلنا بقوله ﵇ على أن النوم إذا استحكم ونامت [العينان] لم يؤمن الحدث في الأغلب والأغلب أصل في أمور الدين والدنيا والنادر لا يراعى ومن لم يستثقل نوما وإنما اعتراه النعاس سنة فقد أمن منه الحدث وأقل أحوال النائم المستثقل أن يدخله الشك في الوضوء فلا يجوز له أن يستفتح الصلاة بغير وضوء مستيقن وهذا على مذهب مالك وجمهور أصحابه ولذلك دليل آخر وهو قول أنس بن مالك "وكان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه في صلاة
1 / 147
العشاء فينامون حتى تخفق رؤوسهم ولا يتوضئون " فهذا يدلك على أن النوم ليس كالحدث " ومن ارتد ثم راجع الإسلام لزمه الوضوء، وقد قيل: أن الوضوء ههنا استحباب إن لم يكن منه حدث ".
والنوع الثالث: " الملامسة، وهي ما دون الجماع من دواعي الجماع فمن قبل امرأة لشهوة كانت من ذوات محارمه أو غيرهن وجب عليه الوضوء التذ أم لم يلتذ فإن كانت من ذوات محارمه فقبلها رحمة وبرا كالأم "والابنة والأخت فلا وضوء عليه إلا أن يقصد إلى ما لا ينبغي فيلتذ ويشتهي ومن قصد إلى لمس امرأة فلمسها بيده انتقض وضوؤه إذا التذ بلمسها من فوق الثوب الرقيق الخفيف أو من تحته وسواء مس منها عند مالك شعرها أو سائر جسدها إذا التذ بلمس ذلك منها وليس لمس المرأة للرجل وهو لا يريد ذلك بموجب عليه شيئا إلا أن يلتذ بذلك ويريده وهذا كله قول مالك وأكثر أصحابه ومن أهل المدينة من قال: ليس بملامس من لمس من فوق الثوب لأنه إنما لمس الثوب.
والقائلون بهذا يقولون بإيجاب الوضوء على كل قاصد إلى ملامسة النساء التذ أو لم يلتذ إذا كان عامدا لذلك فباشر بيده،
1 / 148
وفي الموطأ لابن مسعود وابن عمر وهو مذهب عمر إيجاب الوضوء من الملامسة والقبلة دون اشتراط لذة وهذا كله علم أهل المدينة وأما أهل العراق فإن الملامسة عندهم الجماع وذكر ابن وهب عن عائشة وسعيد بن المسيب وابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وابن هرمز وزيد بن أسلم ومالك والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة إيجاب الوضوء من القبلة ولم يذكر عن واحد منهم اعتبار اللذة.
والنوع الرابع: مس الرجل لذكره بباطن الكف قاصدا لذلك فإن فعل ذلك فاعل وجب عليه الوضوء "وكذلك إن مسه قاصدا من بالغ غيره" ولا شيء على من مس فرج البهيمة ولا فرج الصبي والصبية واختلف عن مالك فيمن مس [فرجه] ناسيا أو بظاهر كفه وهو مع ذلك يستحب منه الوضوء، ومن أصحابه من يجعل مسه من باب الملامسة ويعتبر في ذلك اللذة ويوجب الوضوء منه وإعادة الصلاة في الوقت وبعده كالملامس المتقدم ذكره وكان مالك لا يوجب إعادة الصلاة منه إلا في الوقت. وروي عن ابن عمر أنه أعاد الصلاة منه بعد خروج الوقت وقال به جماعة من المدنيين من أصحاب مالك وغيرهم، واختلف عن مالك في مس المرأة فرجها فروي عنه أنها في ذلك كالرجل على ما ذكرنا من اختلاف أحوال الرجل في
1 / 149
ذلك وعليها الوضوء وهو الأشهر وروي عنه أنه خفف ذلك ولم يوجب منه وضوء إلا أن تلطف وفسر الألطاف بالالتذاذ وقال إسماعيل بن أبي أويس سألت مالك بن أنس عن المرأة إذا مست فرجها أعليها الوضوء قال [مالك]: إذا ألطفت وجب عليها الوضوء، فقلت له: ما ألطفت؟ قال: تدخل يدها بين الشفرين [ويوجب الوضوء عند مالك الشك في الحدث وهو من باب الاستثقال بالنوم هذا إذا لم يكن الشك في ذلك كثيرا ويستنكحه وأكثر أهل المدينة وغيرهم لا يوجبون الوضوء بالشك ولا] يرون الشك عملا وقد كان بعض شيوخ العراقيين من المالكيين يقولون أن الوضوء عند مالك على من أيقن بالوضوء وشك في الحدث استحبابا ولمالك في الموطأ من وجد في ثوبه احتلاما ولم يدر متى نزل ذلك به أنه لا يعيد الصلاة إلا من أحدث نومة نامها وهذا طرح منه لأعمال الشك على ما روي عن عمر ﵁ وما سلس من البول والمذي أو الودي وجرى على غير العادة فلا وضوء في شيء منه [ويستحب]
1 / 150