Al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān
الجامع لاحكام القرآن
Editor
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
Publisher
دار الكتب المصرية
Edition
الثانية
Publication Year
١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م
Publisher Location
القاهرة
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
قُلْتُ: قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ هَذَا عُمُومٌ فِي جَمِيعِ بَنِي آدَمَ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ كَانَ أَوْفَرَ النَّاسِ حِلْمًا وَعَقْلًا. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَوْ أَنَّ أَحْلَامَ بَنِي آدَمَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَيْضًا حَسَنٌ، فَظَنَّا أَنَّ الْمُرَادَ الْعَيْنُ وَكَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَخَذَ ذَهَبًا وَحَرِيرًا فَقَالَ: (هَذَانَ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي). وَقَالَ فِي خَبَرٍ آخَرَ: (هَذَانَ مُهْلِكَانِ أُمَّتِي). وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْسَ لَا الْعَيْنَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- يُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَوَّاءُ بِإِغْوَاءِ إِبْلِيسَ إِيَّاهَا- عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ- وَإِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ كَانَ مَعَهَا لِأَنَّهَا وَسْوَاسُ الْمِخَدَّةِ، وَهِيَ أَوَّلُ فِتْنَةٍ دَخَلَتْ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ: مَا مُنِعْتُمَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ إِلَّا أَنَّهَا شَجَرَةُ الْخُلْدِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يُحِبَّانِ الْخُلْدَ، فَأَتَاهُمَا مِنْ حَيْثُ أَحَبَّا-" حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ"- فَلَمَّا قَالَتْ حَوَّاءُ لِآدَمَ أَنْكَرَ عَلَيْهَا وَذَكَرَ الْعَهْدَ، فَأَلَحَّ عَلَى حَوَّاءَ وَأَلَحَّتْ حَوَّاءُ عَلَى آدَمَ، إِلَى أَنْ قَالَتْ: أَنَا آكُلُ قَبْلَكَ حتى إن أصابني شي سَلِمْتَ أَنْتَ، فَأَكَلَتْ فَلَمْ يَضُرَّهَا، فَأَتَتْ آدَمَ فَقَالَتْ: كُلْ فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فأكل فبدت لهما سوآتهما وَحَصَلَا فِي حُكْمِ الذَّنْبِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ" فَجَمَعَهُمَا فِي النَّهْيِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلْ بِهَا الْعُقُوبَةُ حَتَّى وُجِدَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَخَفِيَتْ عَلَى آدَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ: إِنْ دَخَلْتُمَا الدَّارَ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ أَوْ حُرَّتَانِ، إِنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِ إِحْدَاهُمَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَطْلُقَانِ وَلَا تَعْتِقَانِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الدُّخُولِ، حَمْلًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَأَخْذًا بِمُقْتَضَى مُطْلَقِ اللَّفْظِ. وَقَالَهُ سَحْنُونُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً أُخْرَى: تَطْلُقَانِ جَمِيعًا وَتَعْتِقَانِ جَمِيعًا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْ إِحْدَاهُمَا، لِأَنَّ بَعْضَ الْحِنْثِ حِنْثٌ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ أَحَدِهِمَا بَلْ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْهُمَا. وَقَالَ أَشْهَبُ: تَعْتِقُ وَتَطْلُقُ الَّتِي دَخَلَتْ وَحْدَهَا، لِأَنَّ دُخُولَ
1 / 307