Al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān
الجامع لاحكام القرآن
Editor
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
Publisher
دار الكتب المصرية
Edition
الثانية
Publication Year
١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م
Publisher Location
القاهرة
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
فَقَدْ رُوِيَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَنَّ إِبْلِيسَ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْجِنَّ فِي الْأَرْضِ مَعَ جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَكَانَ اسْمُهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ عَزَازِيلُ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِثُ، وَكَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ وَكَانَ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُهَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرَأَى لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرَفًا وَعَظَمَةً، فَذَلِكَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْكُفْرِ فَعَصَى اللَّهَ فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا. فَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَةُ الرَّجُلِ فِي كِبْرٍ فَلَا تَرْجُهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطِيئَتُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَارْجُهُ، وَكَانَتْ خَطِيئَةُ آدَمَ ﵇ مَعْصِيَةً، وَخَطِيئَةُ إِبْلِيسَ كِبْرًا. وَالْمَلَائِكَةُ قَدْ تُسَمَّى جِنًّا لِاسْتِتَارِهَا، وَفِي التَّنْزِيلِ:" وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا «١» " [الصافات: ١٥٨]، وَقَالَ الشَّاعِرُ «٢» فِي ذِكْرِ سُلَيْمَانَ ﵇:
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ
وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ نُسِبَ إِلَيْهَا فَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ اسْمِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِبْلِيسُ وَزْنُهُ إِفْعِيلٌ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْلَاسِ وَهُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَنْصَرِفْ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا نَظِيرَ له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ فَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبى) مَعْنَاهُ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ [فَسَجَدَ «٣»] اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ- وفي رواية: يَا وَيْلِي- أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. يُقَالُ: أَبَى يَأْبَى إِبَاءً، وَهُوَ حَرْفٌ نَادِرٌ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ لَيْسَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَلِفَ مُضَارِعَةٌ لِحُرُوفِ الْحَلْقِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ يَقُولُ: الْقَوْلُ
(١). راجع ج ١٥ ص ١٣٤.
(٢). هو أعشى قيس، كما في تفسير الطبري وأبي حيان. [.....]
(٣). الزيادة من صحيح مسلم.
1 / 295