274

Al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

الجامع لاحكام القرآن

Editor

أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش

Publisher

دار الكتب المصرية

Edition

الثانية

Publication Year

١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م

Publisher Location

القاهرة

رَبِّهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا ﵇ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، فَأَرْجَفَ بِهِ أَهْلُ النِّفَاقِ وَقَالُوا: إِنَّمَا خَلَّفَهُ بُغْضًا وَقِلًى لَهُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ: (كَذَبُوا بَلْ خَلَّفْتُكَ كَمَا خَلَّفَ مُوسَى هَارُونَ). وَقَالَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى). وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِخْلَافَ عَلَى زَعْمِهِمْ فَقَدْ شَارَكَ عَلِيًّا فِي هَذِهِ الْفَضِيلَةِ غَيْرُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ فِي كُلِّ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِهِ، عَلَى أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ. وَرُوِيَ فِي مُقَابَلَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَنْفَذَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قِيلَ لَهُ: أَلَا تُنْفِذُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَا غِنَى بِي عَنْهُمَا إِنَّ مَنْزِلَتَهُمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ). وَقَالَ: (هُمَا وَزِيرَايَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ). وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى). وَهَذَا الْخَبَرُ وَرَدَ ابْتِدَاءً، وَخَبَرُ عَلِيٍّ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِمَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّابِعَةُ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْإِمَامُ إِمَامًا وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ طُرُقٍ، أَحَدِهَا: النَّصُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَقَالَ بِهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبَكْرٌ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَأَصْحَابُهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْإِشَارَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ. فَإِذَا نَصَّ الْمُسْتَخْلِفُ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الثَّانِي، وَيَكُونُ التَّخْيِيرُ إِلَيْهِمْ فِي تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ [فِي تَعْيِينِ «١» عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁]. الطَّرِيقِ الثَّالِثِ: إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ إِمَامُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ وَلَا اسْتَخْلَفَ فَأَقَامَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ حَضْرَةُ الْإِمَامِ وَمَوْضِعُهُ إِمَامًا لِأَنْفُسِهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضَوْهُ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خَلْفَهُمْ وَأَمَامَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآفَاقِ يَلْزَمُهُمُ الدُّخُولُ فِي طَاعَةِ ذَلِكَ الْإِمَامِ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ وَالْفَسَادِ، لأنها دعوة

(١). الزيادة في تفسير العلامي نقلا عن القرطبي.

1 / 268