Al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān
الجامع لاحكام القرآن
Editor
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
Publisher
دار الكتب المصرية
Edition
الثانية
Publication Year
١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م
Publisher Location
القاهرة
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِالدَّعَاوِي إِلَى أَحْوَالِ الْأَكَابِرِ، كَأَنْ تُضِيءُ عَلَيْهِ أَحْوَالُ الْإِرَادَةِ لَوْ صَحَّحَهَا بِمُلَازَمَةِ آدَابِهَا، فَلَمَّا مَزَجَهَا بِالدَّعَاوِي أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الْأَنْوَارَ وَبَقِيَ فِي ظُلُمَاتِ دَعَاوِيهِ لَا يُبْصِرُ طَرِيقَ الْخُرُوجِ مِنْهَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ الْيَهُودُ، لَمَّا نُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَدْرٍ طَمِعُوا وَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ مُوسَى لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، فَلَمَّا نُكِبَ بِأُحُدٍ ارْتَدُّوا وَشَكُّوا، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالْآيَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَعْنَى يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) ... " لَوْ" حَرْفُ تَمَنٍّ وَفِيهِ مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَجَوَابُهُ اللَّامُ. وَالْمَعْنَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ فَذَهَبَ مِنْهُمْ عِزُّ الْإِسْلَامِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِمْ وَقَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَخُصَّ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمَا فِي الْآيَةِ أَوَّلًا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان. وقرى" بِأَسْمَاعِهِمْ" عَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا «١». قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عُمُومٌ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيمَا يَجُوزُ وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَدِيرِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدِيرٌ قَادِرٌ مُقْتَدِرٌ. وَالْقَدِيرُ أَبْلَغُ فِي الْوَصْفِ مِنَ الْقَادِرِ، قَالَهُ الزَّجَّاجِيُّ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: وَالْقَدِيرُ وَالْقَادِرُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَالُ: قَدَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وَقُدْرَانًا، أَيْ قُدْرَةً. وَالِاقْتِدَارُ عَلَى الشَّيْءِ: الْقُدْرَةُ عليه. فالله ﷿ قَادِرٌ مُقْتَدِرٌ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ، لَهُ قُدْرَةٌ بِهَا فَعَلَ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَاخْتِيَارِهِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً يَكْتَسِبُ بِهَا مَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَبِدٍّ بِقُدْرَتِهِ. وَإِنَّمَا خَصَّ هُنَا تَعَالَى صِفَتَهُ الَّتِي هِيَ الْقُدْرَةُ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فِعْلٍ مُضَمَّنُهُ الْوَعِيدُ وَالْإِخَافَةُ، فَكَانَ ذِكْرُ الْقُدْرَةِ مُنَاسِبًا لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ عِشْرُونَ آيَةً عَلَى عَدَدِ الْكُوفِيِّينَ، أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَلِيهَا آيَتَانِ فِي ذِكْرِ الْكَافِرِينَ، وَبَقِيَّتُهَا فِي الْمُنَافِقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ فِيهَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَهُ مجاهد أيضا.
(١). راجع المسألة الثامنة ص ١٩٠ من هذا الجزء.
1 / 224