Ithāf al-jamāʿa bimā jāʾa fī al-fitan waʾl-malāḥim wa-ashrāṭ al-sāʿa

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

Publisher

دار الصميعي للنشر والتوزيع

Edition

الثانية

Publication Year

١٤١٤ هـ

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

الكتاب: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة
المؤلف: حمود بن عبد الله التويجري (المتوفى: ١٤١٣هـ)
مصدر الكتاب: موقع رسالة الإسلام http://www.resaltalislam.org
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Unknown page

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي امتن على عباده المؤمنين ببعثة الرسول الصادق الأمين، فأخرجهم به من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم واليقين، وأخبرهم على لسانه بما كان وما يكون إلى يوم الدين، وأخبرهم عن الدار الآخرة بأكمل إيضاح وأعظم تبيين، فمن آمن به وبما جاء به؛ فهو من المفلحين، ومن كان في ريب مما صح عنه؛ فهو من الخاسرين.
أحمده سبحانه حمد أوليائه المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ترك أمته على المنهج الواضح المستبين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان أن أجمع الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في الفتن والملاحم وأشراط الساعة وغير ذلك من الأمور التي أخبر النبي ﷺ أنها ستكون بعده إلى قيام الساعة، فأجبتهم إلى سؤالهم؛ رجاء عموم النفع بذلك.
والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وزلفى لديه في جنات النعيم.

1 / 5

فصل
وكل ما صح عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه؛ فالإيمان به واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بأنه رسول الله.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كلما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل: حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل ". انتهى.
وروى الطبراني عن عمر رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قد رفع لي الدنيا؛ فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه» .
فصل
وكل شيء أخبر النبي ﷺ أنه سيكون بعده، فوقع الأمر فيه طبق ما أخبر به ﷺ؛ فهو من معجزاته وأعلام نبوته.

1 / 6

وظهور المعجزات بعد زمان النبوة - ولا سيما في هذه الأزمان البعيدة من زمنه ﷺ مما يزيد المؤمنين إيمانا به، وتصديقا بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب الآتية مما لم يقع بعد.
فصل
وليس التواتر في الإخبار عن المغيبات شرطا لوجوب الإيمان بها؛ كما قد زعم ذلك بعض أهل البدع ومن تبعهم من المتفقهة المقلدين وغيرهم من جهلة العصريين وزنادقهم، بل كل ما صح سنده إلى النبي ﷺ؛ فالإيمان به واجب، سواء كان متواترا أو آحادا، وهذا قول أهل السنة والجماعة.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
فأمر ﵎ بالتثبت في خبر الفاسق؛ لأنه محتمل للصدق والكذب؛ فلا يسارع إلى تصديقه؛ خشية أن يكون كاذبا، ولا يسارع إلى تكذيبه؛ خشية أن يكون صادقا، وبالتثبت تنجلي حقيقة خبره.
ومفهوم الآية الكريمة دال على قبول خبر الواحد العدل من عير توقف فيه.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
وهذه الآية الكريمة دالة على قبول خبر الواحد العدل؛ لأن الطائفة تقع على الواحد فصاعدا.
قال ابن الأثير في "النهاية": الطائفة: الجماعة من الناس، وتقع على

1 / 7

الواحد.
وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب".
ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ... الآية.
قال البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "ويسمى الرجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية ". انتهى.
ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: "الطائفة: الرجل فما فوقه". وقال مجاهد وعكرمة: "الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف ". وقال إبراهيم النخعي: "أقله رجل واحد فما فوقه". وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "الطائفة تصدق على واحد". ذكره ابن كثير عنه.
ويدل على ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .
قال القرطبي في "تفسيره": "فيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان؛ إلا وقد وجب قبول قوله، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ . فحكم بوقوع البيان بخبرهم ". انتهى.
ولهذه الآية نظائر من القرآن تدل على ما دلت عليه من وجوب العمل بقول

1 / 8

الواحد.
ويدل على ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ .
قال القرطبي في "تفسيره": "أمر الله ﷾ أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي ﵊ ويسمعن من أقواله، حتى يبلغن ذلك إلى الناس؛ فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين". انتهى.
ويدل على ذلك أيضا قول النبي ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي، والترمذي؛ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
والأمر بالتبليغ يعم الواحد فما فوقه، وهذا يدل على وجوب العمل بأخبار الآحاد.
ويدل على ذلك أيضا قوله: ﷺ: «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه" بنحوه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ".
وهذا يدل على قبول خبر الواحد.
وقد روي نحوه عن زيد بن ثابت وأنس وجبير بن مطعم والنعمان بن بشير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.
وقد كان رسول الله ﷺ يبعث رسله آحادا، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم

1 / 9

يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبل أخبارهم لأنها أخبار آحاد.
وقد قبل النبي ﷺ خبر تميم الداري عن الدجال، وروى ذلك عنه على المنبر؛ كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " وغيره.
وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعملون بأخبار الآحاد من الثقات.
ولما حولت القبلة إلى الكعبة؛ خرج رجل ممن صلى مع النبي ﷺ؛ فمر على أهل قباء وهم يصلون، فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة؛ فاستقبلوها» . وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروا إلى الكعبة.
متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.
ولهما أيضا عن البراء بن عازب ﵄ نحوه، وكذا عن أنس ﵁ عند أحمد ومسلم وأبي داود.
فهؤلاء أهل قباء قبلوا خبر الواحد العدل وعملوا به وأقرهم النبي ﷺ على ذلك.
قال الخطابي في الكلام على حديث أنس ﵁: " فيه دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد ".
وقال أبو البركات ابن تيمية: "هو حجة في قبول أخبار الآحاد".
وكذا قال غيرهما من المحققين.
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن أنس ﵁؛ قال: "إني لأسقي أصحاب رسول الله ﷺ وهم عند أبي طلحة؛ مر رجل فقال: إن الخمر قد حرمت. فما قالوا: متى؟ أو: حتى ننظر. قالوا: يا أنس! أهرقها...."

1 / 10

الحديث.
وهو مخرج في "الصحيحين" من طرق عن أنس ﵁، وفي بعض طرقه عندهما: قال أنس ﵁: "إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول الله ﷺ في بيتنا؛ إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس! أرق هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل".
فهؤلاء قبلوا خبر الواحد العدل، وعملوا به، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك.
قال النووي رحمه الله تعالى في الكلام على هذا الحديث: "فيه العمل بخبر الواحد، وأن هذا كان معروفا عندهم". انتهى.
وقال الدارقطني في (باب النوادر) من آخر "سننه": "حدثنا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله: حدثنا الحسن بن غليب الأزدي: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي: حدثنا سليمان بن حبان: حدثنا حميد الطويل عن أنس ﵁؛ قال: كان أبو طلحة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء عند أبي طلحة يشربون من شراب تمر أو بسر - أو قال: رطب - وأنا أسقيهم من الشراب حتى كاد يأخذ منهم، فمر رجل من المسلمين، فقال: ألا هل علمتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: يا أنس! اكف ما في إنائك. وما قالوا: حتى نتبين! قال: فكفأته".
قال الدارقطني: "قال أبو عبد الله - وهو عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله -: هذا يدل على أن خبر الواحد يوجب العمل". انتهى.
فقد دل كتاب الله تعالى على قبول خبر الواحد العدل، ودلت على ذلك السنة المطهرة فعلا منه ﷺ وتقريرا عليه.
وقد قبل الصحابة ﵃ أخبار الآحاد من الثقات، وعملوا بها

1 / 11

في حياة النبي ﷺ، وكذلك كانوا يفعلون بعد مماته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، فكان كالإجماع منهم على قبولها.
وكذلك كان التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى زماننا لا يتوقفون في قبول أخبار الآحاد إذا كان رواتها من أهل الضبط والعدالة، وإنما خالف في ذلك بعض أهل البدع كما ذكرنا، ولا عبرة بخلافهم.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب "الصواعق المرسلة": أنه ذهب جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل. قال: "والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه ". انتهى.
فصل
وبعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في نفس الأمر، وكفى بالواقع شاهدا بثبوتها وخروجها من مشكاة النبوة، وأنا أذكر منها ما تيسر، وأنبه على ما يحتاج إلى التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.
باب
الإخبار بما كان وما يكون إلى قيام الساعة
قد تقدم في الفصل الأول حديث عمر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قد رفع لي الدنيا؛ فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه» .
رواه الطبراني.

1 / 12

وعن حذيفة ﵁؛ قال: «لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه» .
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة؛ إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه» .
وقد رواه أبو داود في "سننه" بنحو رواية مسلم.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه: قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون بين يدي الساعة؛ إلا ذكره في مقامه ذلك؛ حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» . قال حذيفة: "فإني لأرى أشياء قد كنت نسيتها فأعرفها كما يعرف الرجل وجه الرجل قد كان غائبا عنه؛ يراه فيعرفه".
«وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "أخبرني النبي ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته؛ إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وقد رواه أبو داود الطيالسي، ولفظه: «قال: قام فينا رسول الله ﷺ، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» .
وعن أبي زيد - وهو عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال:

1 / 13

Ithāf al-jamāʿa bimā jāʾa fī al-fitan waʾl-malāḥim wa-ashrāṭ al-sāʿa | Usul