Al-Istiqṣā li-akhbār duwal al-maghrib al-aqṣā
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
Editor
جعفر الناصري/ محمد الناصري
Publisher
دار الكتاب
Publisher Location
الدار البيضاء
Genres
•General History
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
ـ[الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى]ـ
المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: ١٣١٥هـ)
المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري
الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء
سنة النشر:
عدد الأجزاء: ٣
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 / 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الْملك المعبود الرؤوف الرَّحِيم الْوَدُود الْمخْرج لِلْخلقِ من ظلمَة الْعَدَم إِلَى نور الْوُجُود الفاتح عَلَيْهِم بمعرفته والتحقق بوحدانيته كل بَاب مسدود الدَّال لَهُم على باهر حكمته وعظيم قدرته بِالْمَعْنَى الْمَعْقُول والحس الْمَشْهُود فَلَا يرتاب فِي أَنه الْوَاحِد الْقَدِير الْعَلِيم الْخَبِير إِلَّا الكفور الكنود خلق الْعباد وَقدر آجالهم وأحصى أنفاسهم وأمالهم وأوقفهم من شَرعه على نهج سوي وحد مَحْدُود فَمن وقف عِنْده وأطاع فقد فَازَ من ثَمَرَة الإيجاد بِالْمَقْصُودِ وَمن حاد عَنهُ واستكبر فقد أورد نَفسه الردى وَبئسَ الْورْد المورود نحمده تَعَالَى على مَا أَسْبغ من النعم الْبيض وكسا من البرود وأزاح من الْعِلَل وَوقى من النوب السود ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة نتبوأ بهَا من الْجنان السدر المخضود
1 / 57
والطلح المنضود والظل الْمَمْدُود ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أكْرم مَبْعُوث وأشرف مَوْلُود صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود واللواء الْمَعْقُود والحوض المورود صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم فِي محافل السّلم بدور وَفِي جحافل الْحَرْب أسود وَلَهُم فِي أَتْبَاعه ونصرته الْيَد الْبَيْضَاء والباع الْمَمْدُود وَالدُّعَاء لأمير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عبد الرَّحْمَن كَوْكَب السُّعُود ومنبع الْكَرم والجود والمنير بطلعته الغراء وإمامته الْبَيْضَاء الأغوار والنجود لَا زَالَت بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام بحول الله فِي صعُود تردي الْكفْر وتنفي الْبَغي وتذود وتصول على الضلال وَتسود آمين وَبعد فَيَقُول مُؤَلفه أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي عَفا الله عَنهُ هَذَا بعون الله كتاب الِاسْتِقْصَاء لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى كتاب جمعته لنَفْسي وَلمن شَاءَ الله من أَبنَاء جنسي ذكرت فِيهِ دوَل هَذَا الْقطر المغربي من لدن الْفَتْح الإسلامي إِلَى وقتنا هَذَا الَّذِي هُوَ آخر الْقرن الثَّالِث عشر سالكا فِيمَا أنقله من ذَلِك سَبِيل الِاخْتِصَار آتِيَا مِنْهُ بِمَا تسمو إِلَيْهِ النُّفُوس من حوادث الْأَعْصَار ملما بِمَا لَا بُد مِنْهُ من وفيات بعض الْأَئِمَّة المقتدى بهم فِي الدّين متبركا أَولا بِذكر رَسُول الله ﷺ وخلفائه الرَّاشِدين متحريا من القَوْل أَصَحهَا وَمن الْعبارَات أفصحها وَالله تَعَالَى المسؤول فِي بُلُوغ المأمول فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ الْمِنَّة والطول وَبِيَدِهِ تَعَالَى الْقُوَّة والحول
1 / 58
مُقَدّمَة فِي فضل علم التَّارِيخ
اعْلَم أَن علم التَّارِيخ من أجل الْعُلُوم قدرا وأرفعها منزلَة وذكرا وأنفعها عَائِدَة وذخرا وَكَفاهُ شرفا أَن الله تَعَالَى شحن كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة والقرون الخالية بِمَا أفحم بِهِ أكَابِر أهل الْكتاب وأتى من ذَلِك بِمَا لم يكن لَهُم فِي ظن وَلَا حِسَاب ثمَّ لم يكتف تَعَالَى بذلك حَتَّى امتن بِهِ على نبيه الْكَرِيم وَجعله من جملَة مَا أسداه إِلَيْهِ من الْخَيْر العميم فَقَالَ جلّ وَعلا ﴿تِلْكَ الْقرى نقص عَلَيْك من أنبائها﴾ وَقَالَ ﴿وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك﴾ وَقَالَ ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب﴾ وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ كثيرا مَا يحدث أَصْحَابه بأخبار الْأُمَم الَّذين قبلهم ويحكي من ذَلِك مَا يشْرَح بِهِ صُدُورهمْ وَيُقَوِّي إيماناهم ويؤكد فَضلهمْ وَكتاب بَدْء الْخلق من صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ كَفِيل بِهَذَا الشَّأْن وَآت من الْقدر المهم مِنْهُ مَا يبرد غلَّة العطشان قَالَ بَعضهم احْتج الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن على أهل الْكِتَابَيْنِ بالتاريخ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون﴾ وَحكى بدر الدّين الْقَرَافِيّ ﵀ إِن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ كَانَ يَقُول مَا مَعْنَاهُ دأبت فِي قِرَاءَة علم التَّارِيخ كَذَا وَكَذَا سنة وَمَا قرأته إِلَّا لأستعين بِهِ على الْفِقْه
1 / 59
قلت معنى كَلَام الشَّافِعِي هَذَا أَن علم التَّارِيخ لما كَانَ مطلعا على أَحْوَال الْأُمَم والأجيال ومفصحا عَن عوائد الْمُلُوك والأقيال ومبينا من أعراف النَّاس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم مَا فِيهِ عِبْرَة لمن اعْتبر وَحِكْمَة بَالِغَة لمن تدبر وافتكر كَانَ معينا على الْفِقْه وَلَا بُد وَذَلِكَ أَن جلّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَبْنِيّ على الْعرف وَمَا كَانَ مَبْنِيا على الْعرف لَا بُد أَن يطرد باطراده وينعكس بانعكاسه وَلِهَذَا ترى فتاوي الْفُقَهَاء تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والأقطار بل والأشخاص وَالْأَحْوَال وَهَذَا السَّبَب بِعَيْنِه هُوَ السِّرّ فِي اخْتِلَاف شرائع الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وتباينها حَتَّى جَاءَ مُوسَى بشرع وَعِيسَى بآخر وَمُحَمّد بسوى ذَلِك صلى الله على جَمِيعهم وَسلم تمّ فَائِدَة التَّارِيخ لَيست محصورة فِيمَا ذَكرْنَاهُ بل لَهُ فَوَائِد أخر جليلة لَو قيل بِعَدَمِ حصرها مَا بعد قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ ﵀ من فَوَائِد التَّارِيخ وَاقعَة رَئِيس الرؤساء الْمَشْهُورَة مَعَ الْيَهُود بِبَغْدَاد وحاصلها أَنهم أظهرُوا رسما قَدِيما يتَضَمَّن أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِإِسْقَاط الْجِزْيَة عَن يهود خَيْبَر وَفِيه شَهَادَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَرفع الرَّسْم إِلَى رَئِيس الرؤساء وعظمت حيرة النَّاس فِي شَأْنه ثمَّ عرض على الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَتَأَمّله وَقَالَ هَذَا مزور فَقيل لَهُ بِمَ عَرفته قَالَ فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة وَهُوَ إِنَّمَا أسلم عَام الْفَتْح سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وخيبر فتحت سنة سبع وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَهُوَ مَاتَ يَوْم بني قُرَيْظَة وَذَلِكَ قبل فتح خَيْبَر فسر النَّاس بذلك وزالت حيرتهم اه قَالَ الْعَلامَة القادري فِي الأزهار الندية وَفِي حُدُود صدر هَذِه الْمِائَة أَعنِي الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة ظهر نَحْو هَذَا الْكتاب المزور بِمَعْنَاهُ وَالرَّفْع على خطوطه بتاريخ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة
1 / 60
بِالْمُوَحَّدَةِ ثمَّ ظهر أَيْضا بتاريخ سِتّ وَثَمَانمِائَة ثمَّ تعدد ظُهُوره مرَارًا آخرهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف مُسَمّى فِيهِ جمَاعَة مِمَّن شهرتهم بِالدّينِ وَالْعلم قاطعه بالتقول عَلَيْهِم فِي ذَلِك انْظُر بَقِيَّة كَلَامه
قلت وَقد وقفت فِي بعض التقاييد المظنون بهَا الصِّحَّة على كَلَام للأديب أبي عبد الله اليفرني الْمَعْرُوف بالصغير فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ جرى بِمَجْلِس شَيخنَا قَاضِي الْجَمَاعَة فلَان الْفُلَانِيّ ذكر علم التَّارِيخ فَقَالَ إِن علم التَّارِيخ يضر جَهله وَتَنْفَع مَعْرفَته لَا كَمَا قيل إِنَّه علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر قَالَ وَانْظُر مَا وَقع فِي هَذَا الْوَقْت فِي حُدُود عشر وَمِائَة ألف من أَن نَفرا من يهود فاس الْجَدِيد امْتَنعُوا من أَدَاء الْجِزْيَة وأخرجوا ظهيرا قَدِيما مضمنه أَن النَّبِي ﷺ عقد لمُوسَى بن حييّ بن أَخطب أخي صَفِيَّة ﵂ وَلأَهل بَيت صَفِيَّة الْأمان لَا يطَأ أَرضهم جَيش وَلَا عَلَيْهِم نزل وَلَهُم ربط العمائم فعلى من أحب الله وَرَسُوله أَن يؤمنهم وَكتب عَليّ بن أبي طَالب وَشهد عَتيق بن أبي قُحَافَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وتاريخ شَهَادَتهم فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع من الْهِجْرَة قَالَ شَيخنَا فَظهر لي ولعلماء الْعَصْر أَن ذَلِك زور وافتراء لَا شكّ فِيهِ وَلَا امتراء لِأَن التَّارِيخ بِالْهِجْرَةِ إِنَّمَا حدث زمن عمر سنة سبع عشرَة لأسباب
1 / 61
اقْتَضَت ذَلِك كَمَا فِي ابْن حجر وَلِأَن أهل التَّارِيخ لم يذكرُوا لصفية أَخا اسْمه مُوسَى وَإِنَّمَا الْمَرْوِيّ فِي الْأَحَادِيث أَنه ﵊ قتل أَبَا صَفِيَّة وَزوجهَا وَلِأَن الظهير الَّذِي استظهروا بِهِ نُسْخَة من الأَصْل الَّذِي فِيهِ خطوط الصَّحَابَة وَقد أَرخُوا الاستنساخ من الأَصْل بِسنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة فقد تَأَخّر خطّ الصَّحَابَة بزعمهم إِلَى الْمِائَة الثَّامِنَة وَكَيف يتَوَصَّل فِي الْمِائَة الثَّامِنَة إِلَى أَن ذَلِك خطّ الصَّحَابَة هَذَا خُلَاصَة مَا كتبه أهل فاس فِي إبِْطَال الظهير وَلما رفع ذَلِك إِلَى السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ عاقب الْيَهُود عقَابا شَدِيدا اه
وَبِالْجُمْلَةِ ففضيلة علم التَّارِيخ شهيرة وَفَائِدَته جليلة خطيرة ومادحه مَحْمُود غير ملوم والْحَدِيث بفضله حَدِيث بِمَعْلُوم وَللَّه در ابْن الْخَطِيب إِذْ يَقُول
(وَبعد فالتاريخ والإخبار ... فِيهِ لنَفس الْعَاقِل اعْتِبَار)
(وَفِيه للمستبصر استبصار ... كَيفَ أَتَى الْقَوْم وَكَيف صَارُوا)
(يجْرِي على الْحَاضِر حكم الْغَائِب ... فَيثبت الْحق بِسَهْم صائب)
(وَينظر الدُّنْيَا بِعَين النبل ... وَيتْرك الْجَهْل لأهل الْجَهْل)
وَقَالَ الآخر
(لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَا عَاقل ... من لَا يعي التَّارِيخ فِي صَدره)
(وَمن روى أَخْبَار من قد مضى ... أضَاف أعمارا إِلَى عمره)
1 / 62
ذكر رَسُول الله ﷺ وخلفائه الْأَرْبَعَة ﵃
أما رَسُول الله ﷺ فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهيميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ ابْن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ ابْن لامك بن متوشلخ بن حنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم ﵉ فَأَما مَا بَين رَسُول ﷺ وَبَين عدنان فمتفق عَلَيْهِ عِنْد عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأما مَا بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل فمختلف فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا مَا بَين سَبْعَة آبَاء إِلَى نَحْو الْأَرْبَعين وَالْمُخْتَار مَا ذَكرْنَاهُ تبعا لأبي الْفِدَاء وَأما مَا بَين إِسْمَاعِيل وآدَم ﵉ فمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْكتاب وَهِي أَسمَاء أَعْجَمِيَّة يكثر تغييرها لصعوبة النُّطْق بحروفها وَالله أعلم
قَالَ ابْن خلدون ولد رَسُول الله ﷺ عَام الْفِيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول لأربعين سنة من ملك كسْرَى أنو شرْوَان وَقيل لثمان وَأَرْبَعين ولثمانمائة واثنتين وَثَمَانِينَ سنة لذِي القرنين وَمَات أَبوهُ عبد الله وَأمه حَامِل بِهِ وكفله جده عبد الْمطلب واسترضع لَهُ امْرَأَة من بني
1 / 63
سعد بن بكر اسْمهَا حليمة بنت أبي ذُؤَيْب السعدية فَكَانَ عِنْدهَا نَحْو أَربع سِنِين وشق صَدره ﷺ وَهُوَ عِنْدهَا فِي السّنة الرَّابِعَة من مولده فخافت عَلَيْهِ وردته إِلَى أمه ثمَّ مَاتَت أمه عقب ذَلِك وَاسْتمرّ فِي كَفَالَة جده عبد الْمطلب إِلَى أَن توفّي أَيْضا لمضي ثَمَان سِنِين من مولده ﷺ فأوصى بِهِ عبد الْمطلب إِلَى ابْنه أبي طَالب فَكَفَلَهُ أَبُو طَالب أحس كَفَالَة وَقَامَ بِشَأْنِهِ أتم قيام وَنَشَأ ﷺ نشأة طيبَة يحفظه ربه ويكلؤه لما يُرِيد بِهِ من كرامته ويهيء لَهُ من نبوته ورسالته وَتزَوج خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَشهد بِنَاء الْكَعْبَة وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة وَوضع الْحجر الْأسود بِيَدِهِ الشَّرِيفَة فِي مَوْضِعه بعد أَن تراضت قبائل قُرَيْش عَلَيْهِ ثمَّ آتَاهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة على رَأس أَرْبَعِينَ سنة من عمره ﷺ
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَلمُسلم الصادقة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء يَتَحَنَّث فِيهِ والتحنث التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد قبل أَن يرجع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْي وَفِي رِوَايَة حَتَّى فجئه الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ فَقَالَ (مَا أَنا بقارىء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقاريء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ ﴿اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ﴾ (اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم) فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ترجف بوادره حَتَّى دخل على خَدِيجَة فال (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع ثمَّ قَالَ لِخَدِيجَة (أَي خَدِيجَة مَالِي) وأخبرها الْخَبَر وَقَالَ (لقد خشيت على نَفسِي) قَالَت لَهُ خَدِيجَة كلا أبشر
1 / 64
فو الله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امراءا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فِي كتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة أَي ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي أنزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أَو مخرجي هم) قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم يلبث ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي ﷺ فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول الله حَقًا فيسكن لذَلِك جأشه وتقر عينه فَيرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك فيتبدى لَهُ جِبْرِيل فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ نزل عَلَيْهِ بعد فَتْرَة الْوَحْي سُورَة المدثر قَالَ الْعلمَاء كَانَ رَسُول الله ﷺ بعد نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ نَبيا فَقَط ثَلَاث سِنِين لم يُؤمر فِيهَا بإنذار ثمَّ أَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ برسالة من ربه ﷿ فَكَانَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِ فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾
روى مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِسَنَدِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة على رَسُول الله ﷺ قَالَ (يَا عَليّ إِن الله أَمرنِي أَن أنذر عشيرتي الْأَقْرَبين فضقت بذلك ذرعا وَعرفت أَنِّي مَتى أباديهم بِهَذَا الْأَمر أرى مِنْهُم مَا أكره فَصمت عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن لَا تفعل مَا تُؤمر يعذبك رَبك فَاصْنَعْ لنا طَعَاما وَاجعَل لنا عَلَيْهِ رجل شَاة واملأ لنا عسا من لبن ثمَّ اجْمَعْ لي بني عبد الْمطلب حَتَّى أبلغهم مَا أمرت بِهِ) فَفعلت
1 / 65