355

Al-ḥaḍāra al-islāmiyya ususuha wa-wasāʾiluha wa-ṣuwar min taṭbīqāt al-muslimīn laha wa-lamaḥāt min taʾthīriha fī sāʾir al-umam

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى المستكملة لعناصر خطة الكتاب ١٤١٨هـ

Publication Year

١٩٩٨م

Publisher Location

دمشق

Regions
Syria
وبعد الاعتراف لله ﷿ بربوبيته، عرض الله على الإنسان الواعي لكل عناصر ما عرض عليه وشروطه ونتائجه، والمالك لحرية إرادته في القبول أو الرفض: أتريد أن تحمل الإمانة أو لا تريد؟، وهذا العرض نفسه عرضه الله ﷿ على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملن الأمانة، لكن الإنسان استعد لحملها، طمعًا بما في حملها من تشريف له وتكريم، وأملًا بالخلود السعيد في جنات النعيم.
وتتلخص هذه الأمانة بأن يعبر رحلة امتحانه وهو يملك الإرادة الحرة، وقدرات الإدراك والفهم، ونوازع الخير والشر، والأهواء والشهوات، على أن تُسخر له بخلق الله الأشياء والقوى في ذات نفسه وجسده، وفي الكون الذي حوله، ليمتحن في ظروف حياة أولى، هي حياة دنيا، وتكون مادة امتحانه الإيمان والإسلام والعبادة.
فمن كفر فأشرك بالله شيئًا، أو جحده وأنكر ربوبيته أو إلهيته، كان مصيره إلى الخلود في عذاب النار، ومن آمن وكسب في إيمانه خيرًا ما، كان مصيره إلى الخلود في جنات النعيم، وعليه إذا عصى أوامر الله ونواهيه -مع إيمانه به- أن يتحمل عقاب ما اكتسب من المعاصي والآثام التي هي من دون الشرك بالله.
دل على هذا العرض وقبول الإنسان أن يحمل الأمانة، قول الله ﷿ في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول":
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
ولقد كان الإنسان ظلومًا جهولًا بعد حمله الأمانة، ودخوله رحلة الامتحان، ولم يكن ظلومًا جهولًا بسبب حمله الأمانة، فالأمانة تشريف عظيم من الله للإنسان، طمحت نفس الإنسان إليه حرصًا منه بحسب خصائص نفسه التي وهبها الله ﷿ له على أن يحتل المنزلة الرفيعة، التي تؤهلها له الإرادة

1 / 392