Al-Iqnāʿ fī al-qirāʾāt al-sabʿ

الإقناع في القراءات السبع

Publisher

دار الصحابة للتراث

Regions
Spain
•
Empires & Eras
ʿAbbāsids
مقدمات
المقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله الهادي إلى خير الأعمال، لا يهدي إلى خيرها إلا هو، والصلاة والسلام على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، الذي صدق فيما بلغ، وتركنا على المحجة البيضاء الناصعة، والقائل: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله، وسنتي".
وبعد: فمن كتب القراءات التي نهج مصنفوها نهجا خاصا مميزا كتاب "الإقناع" للعلامة الإمام أبي جعفر أحمد بن علي المعروف بابن الباذش ﵀ وقد ذكره الإمام ابن الجزري ﵀ في عدة الكتب التي قرأ بها، وقد نهج مصنف الإقناع نهجا تميز به؛ فقد اختار سبعة أئمة واثنين عن كل إمام تبعا لما في كتاب "التبصرة في القراءات السبع" للإمام أبي محمد مكي بن أبي طالب وكتاب "التيسير" للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، وكلاهما صدور عن الدار، وإن لم يأت بكل ما في "التبصرة" من طرق بل ذكر في الأصول من قرأه ناسبا الخلاف لصاحبه.
وقد تميز الكتاب بالوضوح والسهولة والسلاسة، فالعبارة والمصطلح واضحان، لكن زيادة في الوضوح ذكرنا بعض التعليقات وشرحا لبعض التقييدات سواء في الأصول أو في الفرش؛ حتى يكون الكتاب سهلا عند المبتدئين. فجزى الله مصنفه والقائمين على نشر هذا الكتاب خدمة لكتاب الله خير الجزاء، وصلى الله وسلم على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه، واستنَّ بسنته إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
جمال الدين محمد شرف

1 / 3

ترجمة المصنف:
هو الإمام أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري المكنى بأبي جعفر والمعروف بابن الباذش، ولد في سنة ٤٩١هـ بغرناطة بالأندلس، قال عنه ابن الجزري: خطيب غرناطة، أستاذ كبير وإمام محقق، محدث ثقة متقن.
وقال السيوطي: النحوي، ابن النحوي.
وشيوخ الإمام كثيرون، منهم: والدة الإمام علي بن أحمد بن خلف، وأبو القاسم خلف بن إبراهيم بن خلف بن إبراهيم، وأبو الحسن شريح بن محمد بن شريح، وله تلامذة كثيرون تلقوا العلم عنه.
ومن مصنفاته كتاب "الإقناع في القراءات السبع"، وكتاب "الطرق" وكتاب "التكبير" وغيرها، وتوفي ﵀ سنة ٥٤٠هـ، فجزاه الله خير الجزاء.

1 / 4

مصطلح الكتاب:
١- الحرميان: نافع وابن كثير.
٢- الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي.
أما عن التعقيدات فهي واضحة وكذا الضد لها، وقد وضحنا ما قد يلتبس على المبتدئ في الهامش، ومن أراد المزيد فليطلع على ما سبق إصداره من كتب القراءات نحو "البدور الزاهرة في القراءات العشر"، و"الغاية" لابن مهران، "والنشر" وكذا "تقريبه" لابن الجزري، و"التبصرة" لمكي، و"التيسير" للداني، وغيرها.

1 / 5

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
وبه أستعين، والحمد لله رب العالمين
قال الأستاذ الأجل أبو جعفر أحمد بن علي المقرئ ﵁:
الحمد لله الذي لم يجمع العلم لإنسان، ولا قصره على مكان، ولا حصره بزمان، بل بثه تعالى في العباد والبلاد، ونقله عن الآباء إلى الأولاد، وجعله ينابيع تطرد، ومصابيح تتقد، في التهائم والنجاد، ففي كل قاصية منه هدى ونور، ولواء منشور، وملأ مشهود محصور.
وصلى الله على من شق الإيمان من إيمانه، ويسر القرآن بلسانه، واختاره لأدائه وبيانه، صلاة زاكية ترضيه، وتوفي حقه وتقضيه، وعلى أصحابه الذين تلقوه من فيه رطبا غضا١، ورقوه إلينا صريحا محضا، وعلى تابعيهم الذين اتبع في هداه بعضهم بعضا.
وبعد:
فإن العلم يتفاوت ويتفاضل، والعلماء تتبارى٢ وتتناضل، وإن كان لكل مرتبة وقدر، فلحملة القرآن سنام٣ وغارب وصدر، يعرف لهم ذلك أهل الإيمان، ولا ينكره مقر بالرحمن؛ لأنهم لكلام الله تعالى منتدبون، وبنجوم الوحي مقتدون، ولأمانته مؤدون، وبما عند الله مكتفون، ولأثر رسوله -صلواته وسلامه عليه- مقتفون، يفضل فضلا فيجرعون، ويرفع رجلا فيضعون، ويشير فينثالون، وينطق

١ أي: طريا، والفيه: هو الفم.
٢ أي: تتسابق.
٣ السنام: أعلى الشيء.

1 / 7

فلا يألون، فكأنهم إليه ﷺ مجتمعون، ولما يتلوه منه مستمعون، فلأبصارهم خشوع وغض، ولهم على النواجذ عض، ودمعهم بما عرفوا من الحق مرفض، وإن اختلفوا في الأفهام، وتباينوا في الخواطر والأوهام، وكلا وعد الله الحسنى، وبوأه الله المحل الأسنى، وما ظنك بشيء للماهر به حظ من حظين، ولمن يشتد عليه تمام أجرين، لكن ليس من أينعت له أيكة العلم فهو يهدب، كمن اقتصر على رواية إليها ينتدب، ذلك تمتع بالجنى، وتصرف بين اللفظ والمعنى، ودنا فتدلى، وكشف له عن أسراره فاجتلى، وهذا خازن أمين أدى، وظرف باطنه عرف نضح بما فيه وأندى، فحسبك منه ما بدا، وأن تجد على النار هدى، أما إن دعوة النبي ﷺ قد سبقت بنضرته، وحدتك إلى حضرته.
وإني تأملت كتابي الشيخين الإمامين: أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، وأبي عمرو عثمان بن سعيد القرشي ﵄ "التبصرة" و"التيسير"١، فألفيت معناهما للاسمية موافقا، وباطنهما للعنوان مصاحبا مرافقا؛ لأنهما قرباهما للمبتدئ الصغير، وقصدا قصد التبصير والتيسير، وطولا مدى الكلام القصير، ولا درك عليهما، بل لهما الدرك والسبق الذي لا يدانى ولا يدرك، لكن في كتابيهما مجال للتهذيب، ومكان للترتيب، فكم هناك من منفرد حِيل بينه وبين أخيه، ونازح عن أمه وأبيه، ومنفصل عن فصيلته التي تؤويه.
ولما طالت بهما الغصة، ولاحت لي فيهما الفرصة، ورجوت أن أفوز باهتبالها، وأحرز ما يبقى من صيتهما وجمالها، واستخرت الله تعالى في ضم الشكل إلى شكله، وجمع ما تشتت من شمله، ورد النازح إلى أهله، في كتاب يسري في الآفاق نجما، ويكون كأحدهما حجما، وإن عجمه الباهر الماهر أربى وأقنع، أو سامه الشادي القاصر أعطى ومنع، بيد أنه لا يعتاص عليه منه إلا ما لا حظ له الآن فيه، وما دونه يحسبه ويكفيه، إلى أن يمتد محياه، وتشتد لحياه، فإني في مواضع صلحت فيها الزيادة، وتمت بها الإفادة، رفعت العنق إلى النص، وملت عن الأعم

١ صدرا عن الدار، بتحقيق وتعليق.

1 / 8

إلى الأخص، وفي مواضع أجحف فيها الحذف، وتقلص ثوب المعنى فلم يضف، مددت بقدر الحاجة من أنفاسها، وأضفيت إلى حد الكفاية من لباسها، وفي مواضع طال بها المدى، وترك الكلام سدى، فجرت العبارة بغير عنان، وبرئت من الخبر إلى العيان، ألممت كلا ولا، واكتفيت من القلادة بما أحاط بالطلا، وأدمجت باع العبارة في فترة الإشارة، وأثبتّ من الحدقة إنسانها، ومن القناة سنانها، ومن القلب ثمرته المحجوبة، ونكتته المطلوبة، إلى ما يتبع ذلك من تقسيم قسيم، وتفصيل أصيل، وتمييز وجيز، وتنبيه نبيه.
وحُقَّ على من أُوتي بسطة في اللسان، وبُوِّئ ذروة الإحسان، وأخذ عن النقاب الماهر، والشهاب الزاهر، أستاذ الأستاذين١، وجهبذ الجهابذة الناقدين أبي الحسن علي بن أحمد ﵁ بقية الأعلام، وذخيرة الأيام، فأتقن ما أخذ، وثقب ذهنه فنفذ، أن ينشر ما طواه، ويبث ما علمه ورواه، ويعطي الميثاق المأخوذ على العلماء حقه، ويبذل للناس تبريزه وحذقه، ويقرب عليهم البعيد، ويبدئ في مصالحهم ويعيد، وكم بت بهذه الأغراض معنى، وتصديت إليها متيحا معنا، وجمعت لها نفسي فنا فنا، ثم أسأت بالإحسان ظنا، فأخللت بما اعتقدت، وحللت ما عقدت، وبهرجت ما نقدت، وقاربت وسددت، وحاسبت نفسي وشددت، ثم استمر الرأي على تهذيبه وتخليصه، ومضت العزيمة في تنقيته وتمحيصه، وطالعت أبي -أيده الله- في مشكله وعويصه، فلما سره وأرضاه، وأقره وارتضاه، وتقلده وانتضاه، كشفت عنه قناعا مغدفا، وأطلعته نورا يجلو سدفا، ودرا فارق من الكتمان صدفا، استنادا إلى عارضته الشديدة المكينة، ومواده العتيدة المعينة؛ لأنه يغرف من بحور، ويسعى بين يديه أوضح برهان وأسطع نور، فدونك منه فائدة تشد الرحال فيما دونه، ويلقاها الرجال ولا يعدونها يتيمة فاردة، وغنيمة باردة، لم تنادك من وراء حجاب، ولا أوجف عليها بخيل ولا ركاب، وإذا

١ ويجمع أيضا على التكسير "الأساتذة".

1 / 9

واجهك منه رونق مجلو، وصافحتك أسانيد طمح بها علو، وأتيح لك على بعد الأعصار قرب ودنو، فقد ساعدتك الأقدار وخدمتك الأعمار، وحبس عليك الليل والنهار، حتى نلت أسباب السماء، وبلغك من لم تبلغه من العلماء، فكيف شكرك لمن سلكك في نظامهم، ورفعك إلى مقامهم، وخلطك بأعلامهم، وخلع عليك وقار أحلامهم.
نفعنا الله وإياك بما يسر إليه، وأعان عليه، وجعله ذخرا زاكيا لديه، فذلك بيديه، لا رب سواه، ولا حسنى إلا حسناه، وبالله التوفيق.

1 / 10

باب: أسماء القراء ورواتهم ١ وأسانيدهم وإسنادنا إليهم
أولهم نافع:
وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، مولى جعونة بن شعوب الشجعي، وبنو شجع من بني عامر بن ليث، وجعونة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل: حليف العباس بن عبد المطلب، وقيل: حليف بني هاشم، إمام أهل المدينة، والذي صاروا إلى قراءته، ورجعوا إلى اختياره، قال ابن أبي أويس: قال لي مالك: قرأت على نافع، وقال الأصمعي: قال لي نافع: أصلي من أصبهان.
ويكنى أبا رويم، وقيل: أبا الحسن، وقيل: أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا نعيم.
وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، وكان محتسبا، فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، توفي بالمدينة سنة تسع وستين ومائة، في خلافة الهادي، قاله إسحاق المسيبي وغيره، وقيل: سنة تسع وخمسين ومائة في خلافة المهدي، وقيل غير ذلك، والأصح ما بدأت به.
راوياه:
١- ورش:
وهو عثمان بن سعيد بن عدي بن غزوان بن داود بن سابق المصري٢، مولى آل الزبير بن العوام، يكنى أبا سعيد، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا القاسم، وورش لقب له، قالوا: لشدة بياضه.
وأخبرنا أبي ﵁ أن في "الغريب المصنف" عن الفراء: ورشت

١ انظر "تاريخ القراء ورواتهم" صدر عن الدار.
٢ وجاء أيضا في "طبقات" الذهبي: عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان بن جواح.

1 / 11

الطعام ورشا، إذا تناولت منه شيئا يسيرا، فلعله كان يكثر تصريف هذه الكلمة فعرف بها.
ولد بمصر سنة عشر ومائة، وقرأ على نافع سنة خمس وخمسين.
وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة في أيام المأمون، وله سبع وثمانون سنة.
٢- قالون:
وهو أبو موسى عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمرو بن عبد الله المدني، وجده عبد الله سُبي من الروم في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وبِيع في المدينة، فاشتراه بعض الأنصار فأعتقه، فهو مولى للأنصار، ذكر هذا الأهوازي١، وعن غيره أنه مولى الزهريين.
ويقال: إنه كان ربيب نافع، وإنه هو الذي لقبه به لجودة قراءته؛ لأن "قالون" بلسان الروم "جيد".
ذكر عمر بن شبة عن مالك بن أنس أن عبد الله بن عمر كانت له جارية رومية، وكانت تقول له: أنت قالون، أي: رجل صالح.
وقال ابن أبي حاتم: كان قالون أصم، وقال غيره: كان يعلِّم العربية.
قال الأهوازي: ولد سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وقرأ على نافع سنة خمسين ومائة، ومات سنة خمس ومائتين في أيام المأمون، وله خمس وثمانون سنة.
الإسناد:
أما رواية ورش: فقرأت بها القرآن من أوله إلى آخره على أبي ﵁ ختمات أربعا، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأخبرني أنه قرأ بها القرآن كله على أبي القاسم نِعْم الخلف بن محمد بن يحيى الأنصاري المقرئ أربع ختمات، سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وأخبره أنه قرأ بها على أبي القاسم وليد بن عباس بن

١ الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد، صاحب كتاب "الوجيز".

1 / 12

عبد الله الأصبحي المقرئ، يعرف بابن العربي، وقرأ ابن العربي على أبي الربيع سليمان بن هشام بن وليد بن كليب المقرئ.
وقرأ أبو الربيع على أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون الحلبي، وعلى أبي عدي عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحاق بن الفرج المقرئ.
وقرأت بها القرآن كله على شيخنا أبي القاسم خلف بن إبراهيم بن خلف بن سعيد إمام المسجد الجامع بقرطبة، والمقرئ الخطيب به، نضر الله وجهه، وأخبرني أنه قرأ بها على أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد الخزرجي المقرئ، يعرف بالأستاذ، سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
وأخبرني أبي ﵁ أنه قرأ القرآن أربع ختمات على المقرئ الخطيب أبي علي الحسين بن عبيد الله بن سعيد بن الحسن الحضرمي سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وأخبره أنه قرأ على أبي القاسم١ الأستاذ، وقرأ أبو القاسم على أبي الطيب بن غلبون.
وقرأت بها القرآن كله على أبي محمد عبد الله بن أحمد الهمذاني.
وأخبرني أنه قرأ على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد المعافري المقرئ الفقيه الزاهد، يعرف بابن الفراء، وأراني أبو محمد خط أبي عبد الله المقرئ له، بقراءته القرآن بجميع السبع عليه، وتاريخ الخط سنة أربع وستين وأربعمائة.
وأخبره أبو عبد الله أنه قرأ بها على أبي محمد مكي بن أبي طالب٢، وأخبره أنه قرأ بها على أبي الطيب، وعلى أبي عدي.
وقرأت بها القرآن كله ختمة واحدة على أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح إمام المسجد الجامع بإشبيلية، والمقرئ الخطيب به، أدام الله توفيقه.

١ أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد الخزرجي صاحب كتاب "القاصد" في القراءات.
٢ صاحب كتاب "التبصرة" في القراءات، صدر عن الدار.

1 / 13