Al-Intiṣār fī al-radd ʿalā al-muʿtazila al-qadariyya al-ashrār
الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار
Editor
رسالة دكتوراة من قسم العقيدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية بإشراف الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد ١٤١١ هـ
Publisher
أضواء السلف
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
Publisher Location
الرياض - السعودية
Regions
•Yemen
Empires & Eras
Zaydī Imāms (Yemen Ṣaʿda, Ṣanʿāʾ), 284-1382 / 897-1962
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة معالي مدير الجامعة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن أشرف ما تتجه إليه الهمم العالية هو طلب العلم، والبحث والنظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه؛ لأن ذلك هو الذي يوصل إلى السعادة كما قال الرسول ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وقال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
وأول ما بدئ به رسول الله عنه هو وحي الله إليه بالعلم: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم - علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
وقال تعالى يخاطبه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ..﴾ وقال تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾.
وما قامت الحياة السعيدة في الحياة الدنيا والآخرة إلا بالعلم النافع.
ولذا كان التعليم هو الهدف الأعظم لمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز ﵀، ولأبنائه من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشريفين أول وزير للمعارف بلغت مسيرة التعليم العالي وارتقت الجامعات،
1 / 3
ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فهي صرح شامل، يشرف بأن يكون إحدى المؤسسات العلمية والثقافية، التي تعمل على هدي الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسة التعلمية بتوفير التعليم الجامعي والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي والقيام والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.
ومن هنا، فعمادة البحث العلمي بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلمية ضمن واجباتها التي تمثل جانبا هاما من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر.
ومن ذلك كتاب: «الانتصار في الرد على القدرية المعتزلة الأشرار» بتحقيق الدكتور / سعود بن عبد العزيز الخلف، وهو رسالة جامعية اجتهد فيها المحقق بالتعريف بالمؤلف والكتاب وإخراجه والتعليق على المسائل التي تطرق إليها المصنف حسب الحاجة إلى التوضيح والتأصيل وفق منهج السلف الصالح، فجزى الله الجميع خيرا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
مدير الجامعة الإسلامية د / صالح بن عبد الله العبود
1 / 4
مقدِّمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد:
فإن الله ﷿ قد امتن على هذه الأمة بمنة عظيمة إذ أرسل فيها هذا النبي الكريم وأنزل عليه هذا الكتاب العظيم وتكفل جل وعلا بحفظ كتابه ودينه، فسلم لهذه الأمة مصدر الخير والنور والهداية، كتاب الله ﷿ وسنة نبيه محمّد ﷺ، فتمسك بها أهل القرون الأولى من هذه الأمة تمسك الغريق بحبل النجاة وقارب السلامة، وقد أدركوا أن ذلك المصدر هو حبل الله المتين وطريقه القويم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك، فكانوا منه ينهلون وعليه يعولون وإليه يفزعون كلما حزبهم أمر أو اختلطت عليهم واقعة، فيجدون فيه فصل أمرهم وحكم ما بينهم.
فيثوبون منه إلى الحق وحلاوته والاجتماع وقوته وسلامة الصدر وراحته، وقد أدرك أعداء هذا الدين ما لهذا المصدر من الأثر العظيم وأن هذه الأمة لا تهلك وفيها كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ يحكمان في الصغيرة والكبيرة والدقيقة والجليلة. وقد أيقنوا أن لا سبيل إلى الوصول إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ بالتحريف أو التمزيق، وقد تكفل الله لوحيه بالحفظ والبقاء.
فأعملوا فكرهم واستحثوا عقولهم كيف يحجبون المسلمين عن مصدر عزهم ومعدن فلاحهم؟ فوقعوا على داء الأمم قبلنا ومفرق الجموع إلى شيع وأحزاب مختلفة متناحرة، ألا وهو الجدل والكلام الذي أخبر عنه
1 / 5
النبي ﷺ بقوله تحذيرًا وتنبيها: "ما ضل قوم بعدي هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم قرأ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون﴾ (^١).
وقوله ﵊: "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (^٢).
فألقى هؤلاء الأعداء هذا الداء بين المسلمين، فتلقفه من لم يكن له في الإسلام سابقة ولا قدم في العلم راسخة، ونشره بين المسلمين فعُطِل به كتاب الله عزوجل وردت سنة رسول الله ﷺ وظهر بسببه القيل والقال، وكثر التنقيب والتدقيق والسؤال، وقفا الناس به ما لا علم لهم به ولا سبيل لهم إليه إلا بالوحي الإلهي والنور الرباني، فجادلوا في الحق وتخرصوا بالباطل وجعلوا كتاب الله وراءهم ظهريا، وهم في ذلك كله يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وأنهم لدين الله نصروا، ولعدوه كسروا، وهم في الحقيقة لم يكسروا إلا دينهم ولم يغلوا إلا قناة جماعتهم، ففاء المسلمون من هذا البلاء بالتحزب والتشيع والفرقة التي أوصلتهم إلى التباغض والتكفير والتلاعن كما فعل الذين من قبلهم.
هذا كله حدث وكتاب الله يتلى بين ظهرانيهم، وسنة نبيه محمد ﷺ بأيديهم إلا أنهما معطلان عن أن يحكما في عقيدة أو شريعة، وقد أصاب الأعداء بذلك من المسلمين مقتلا أفرز ما هو ظاهر من حال المسلمين لا يخفى على ذي عينين، ولولا أن الله قد تكفل من رحمته ولطفه وكرمه أن لا تستباح بيضة المسلمين وأن لا يطمس الحق والنور فيهم ببقاء طائفة على الحق ظاهرة وله محكمة لحاق بالأمة الإسلامية ما حاق بالأمم قبلها من اندثار الحق واندراس آثاره، وعموم الضلالة
(^١) أخرجه ت. كتاب التفسير ب، تفسير سورة الزخرف ٥/ ٣٧٨، جه. في المقدمة ١/ ١٩، حم ٥/ ٢٥٢ - ٢٥٦، عن أبي أمامة ﵁ وقال الترمذي حديث صحيح.
(^٢) أخرجه خ. كتاب الاعتصام ب. الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ٩/ ٧٧، م. كتاب الحج ب فرض الحج مرة في العمر ٢/ ٩٧٥ من حديث أبي هريرة ﵁.
1 / 6
وتنكب طريق الهداية حتى لا يستطيع أحد منهم أن يتوصل إلى النور الإلهي والهدي الرباني بما عندهم من كتاب، لتحريف الكتب الإلهية وانقراض أهل الحق فيهم، وإجماعهم على الضلالة والغواية.
فلولا هذا اللطف منه جل وعلا لضللنا جميعا كما ضلوا، وقد كان ضُلاَّل أهل الكتاب ومجرموهم أول من أدخل هذا الشر على المسلمين، فبدعة التشيع أول من دعى إليها عبد الله بن سبأ اليهودي، (^١) وبدعة القدر تعزى إلى رجل نصراني في البصرة يقال له سوسن (^٢)، وبدعة نفي الصفات أخذت عن بيان بن سمعان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم وزوج ابنته وأخذها لبيد بن أعصم الساحر عن يهودي من اليمن (^٣)، ثم إن هذه البدع والانحرافات بدأت تجد من مرضى القلوب والاعتقاد أذنًا صاغية، حتى وجدت أتباعًا وأنصارا كمنوا على بدعتهم وقت ظهور السنة وسيادتها على المجتمع الإسلامي في زمن أواخر الصحابة وأوائل عهد بني أمية إلى أواسط العهد العباسي الأول حيث ترجمت كتب اليونان وتلقفها هؤلاء المرضى فدعموا شبههم بالكلام والجدل، حتى فتنوا كثيرا من المسلمين عن الحق بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يأت عليها منه برهان، وإنما هي شبه لَبَّسَتْ على مرضى القلوب وضعاف الإيمان.
وكان عسكر الإيمان وجند الرحمن ينافحون عن الحق وله يناصرون، يسرون بذلك ويعلنون لتستبين السبيل وتتضح المحجة لمن أراد الله سلامته وهدايته، فأقاموا الدروس والحلقات، ونادوا على المنابر بالآيات البينات فبينوا ووضحوا طريقة الرسول وشريعة الإسلام، وكتبوا وألفوا وردوا على أهل الباطل في كل ميدان، فأقاموا الحجة على الناس ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وكان لهم على كل بدعة جولة بالحق يدمغون بها الباطل فإذا هو زاهق، وكان رابع الخلفاء الراشدين
(^١) انظر: الملل والنحل ١/ ١٧٤، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٥٦.
(^٢) انظر: اللالكائي ٤/ ٧٥، الآجري في الشريعة ص ٣٤٢، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٥٦.
(^٣) انظر: البداية والنهاية ٩/ ٤٩٣ في ترجمة الجعد بن درهم عام مقتله ١٢٤؟.
1 / 7
أبو السبطين علي ﵁ أول من واجه هذه الانحرافات بعد بروزها واضحة في المجتمع الإسلامي، فجالد الخارجين بسنانه وبيانه، فأظهره الله عليهم في الحالين، ثم من بعده الصحابة الذين أدركوا هذه الفتن كجابر وابن عباس وابن عمر وغيرهم ﵃، ثم كبار التابعين، ثم تابعيهم إلى الأئمة الأربعة، ثم كبار تلاميذهم، ثم بدأت الفتنة تأتي على أتباع الأئمة ممن لم يستنر بنور الكتاب والسنة ولم يعتمد عليهما الاعتماد الواجب من أمثالهم، حتى أصبح كثير منهم له إمام في الفقه وإمام من المتكلمين في العقائد، فعم البلاء وانتشر الداء، وثبتت الفئة التي على كتاب الله اعتمدت ولسنة نبيه ﷺ نصرت وهي التي تكفل الله ببقائها، فمضت في طريقها توضح السبيل وتنير الطريق في كل مكان وزمان، وهذا من عظيم منن الله عزوجل وفضله على هذه الأمة إذ لا تجتمع على ضلالة، ولا يندرس فيها الحق وتذهب آثاره بحيث يخفى على جميع الأمة.
وكان ممن نصر الحق وأبانه ونصح لله ودينه الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني، إمام الشافعية في بلاد اليمن فأقام الحجة وأظهر المحجة ودعى إلى نبذ البدعة والكلام والالتزام بالكتاب وسنة سيد الأنام في العقائد وفي الأحكام، فنفع الله به خلقًا كثيرًا، اعتصموا بكتاب الله بدعوته، واهتدوا إلى الالتزام بسنة النبي ﷺ في العقائد والأحكام ببيانه ومنهجه، وقد كتب في هذا ثلاثة كتب هي: (مختصرة في مسألة الكلام) رد فيه على الأشعرية والمعتزلة و(رسالة في المعتقد على مذهب أهل الحديث) وكتابه الكبير (الانتصار) الذي نصر به الحق ودحض به الباطل وأقام به الحجة على كل مبتدع، وقد وفقني الله عزوجل إلى الاطلاع عليه فاجتهدت في تحقيق نصه والتعليق عليه لعلي أكون بذلك مشاركا لمؤلفه في الدعوة إلى الكتاب والسنة على نهج السلف لعل الله عزوجل يذكر به غافلا أو يعلم به جاهلا أو يهدي به من فضله وكرمه مبتدعًا. وقد قسمت عملي في الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسة للمؤلف والكتاب.
القسم الثاني: تحقيق النص والتعليق عليه.
1 / 8
المبحث الأول: حياته الشخصية
أولا: اسمه:
يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى ابن عمران العمراني.
هكذا سماه الجعدي في طبقاته - ص (١٧٤) وهو أقرب من كتب عنه لأنه تلميذ ابنه طاهر بن يحيى بن أبي الخير.
وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٨) فقال: "يحيى بن أبي الخير سالم بن أسعد بن يحيى العمراني بن عمران".
والسبكي في طبقاته (٧/ ٣٣٦) قال: "يحيى بن أبي الخير بن سالم بن سعيد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني".
وابن قاضي شهبة في طبقاته (١/ ٣٧٢) قال: "يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن يحيى".
فنخلص من هذا إلى أن المؤلفين اتفقوا على اسمه، واختلفوا في اسم أبيه وجده الأول والثاني وهو اختلاف قريب، ما عدا تسمية جده الثاني يحيى عند النووي وابن قاضي شهبة، وأقربهم إلى الصواب تلميذ تلاميذه ابن سمرة، الجعدي لقرب عهده منه ولأن من كتب عن العمراني اعتمد على ابن سمرة، وقد تكون تلك الاختلافات تصحيفا أو تحريفا من النساخ والله أعلم.
ثانيا: نسبته:
العمراني: وهي نسبة إلى عمران بن ربيعة بن عبس بن زهرة بن غالب ابن عبد الله بن عك بن عدنان، هكذا ذكره ابن سمرة الجعدي.
ونسبه الحموي في معجم البلدان (٣/ ٢٩٦) بقوله (السيري ثم العمراني) وهي نسبة إلى البلدة التي ولد فيها.
1 / 11
ثالثا: كنيته:
أبو الحسين وكناه النووي وابن قاضي شهبة بأبي الخير.
رابعا: مولده:
ولد الشيخ يحيى ﵀ في مصنعة سير (^١) في اليمن سنة تسع وثمانين وأربعمائة من الهجرة.
خامسا: موطن نشأته:
ولد العمراني ﵀ في اليمن وعاش فيها ومات فيها ولم يخرج منها إلا إلى مكة والمدينة حاجا وزائرا، وكانت اليمن في الفترة التي عاش فيها الشيخ العمراني تموج بالفتن والحروب والمذاهب المنحرفة، فقد كان فيها الشيعة الزيدية في صعده (^٢) وما حولها إلى نجران، والإسماعيلية الباطنية ويمثلهم الصلحيون (^٣) وكانوا تغلبوا على عموم اليمن ثم انحسر ملكهم إلى جبله (^٤) وحصن أشيح (^٥) وبعض الحصون الأخرى.
ومنهم الزريعيون في عدن وأبين (^٦) وتعز وكانوا تابعين للصليحيين ثم استقلوا بالحكم. ومنهم الياميون أبناء علي بن حاتم اليامي وكانوا في صنعاء وأعمالها. والدولة السنية التي كانت موجودة هي دولة بني نجاح الأحباش في زبيد
(^١) بلدة من أعمال إب جنوب صنعاء. انظر: معجم البلدان اليمنية ص ٢١٩.
(^٢) مدينة تاريخية في الشمال من صنعاء بمسافة (٢٤٣ كم). انظر: معجم المدن اليمنية ص ٢٤٨.
(^٣) الصيلحيون نسبة إلى علي بن محمد الصليحي الإسماعيلي الباطني الذي استولى على اليمن عام (٤٥٥ هـ) وانتهت دولتهم بموت الملكة أروى بنت أحمد بن محمد الصليحي سنة (٥٣٢ هـ) انظر: اللطائف السنيه ص ٣٠ - ٤٥.
(^٤) جبله بكسر الجيم وسكون الباء مدينة بالجنوب الغربي من مدينة إب ابتناها عبد الله بن علي الصليحي سنة (٣٥٨ هـ) انظر: معجم المدن اليمنية ص ٨٠.
(^٥) حصن شهير في بني سويد يعرف الآن بحصن ظفار كان قاعدة لمملكة سبأ بن أحمد الصليحي. انظر: المرجع السابق ص ٢٥.
(^٦) أبين بفتح الهمزة مخلاف (منطقة) مشهور على ساحل البحر الهندي شرقي عدن. المرجع السابق ص ٨.
1 / 12
وتهامة وهي امتداد لدولة بني زياد، وقد قضى على هذه الدولة بنو مهدي الذين انتحلوا مذهب الخوارج وفتكوا بالناس وأهلكوا الحرث والنسل واستمرت دولتهم خمسة عشر عاما، وكان بين تلك الإمارات وأولئك الحكام حروب دائمة متصلة تنشر الدمار والخراب في كل مكان، وفي كثير من الأحيان كانت الدولة تنقسم على نفسها ويبرز فيها طامعون إلى أن قضى على جميع هؤلاء الدولة الأيوبية سنة (٥٦٩ هـ) (^١).
سادسا: أولاده:
لم يذكر للشيخ من الأولاد سوى ابنه طاهر وبنتين، تزوج الفقيه عمرو بن عبد الله بن سليمان إحداهما فتوفيت في نفاسها فتزوج الأخرى.
سابعا: وفاته:
توفي العمراني ﵀ في ذي السفال (^٢) مبطونا شهيدا قبيل الفجر من ليلة الأحد لست وعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة من الهجرة وله تسع وستون سنة، وكان نزعه ليلتين ويوما بينهما.
ولم يترك صلاة في مرضه، يسأل عن وقت كل صلاة بالإيماء لأنه اعتقل لسانه، وكان كثير التهليل يعرف منه بالإشارة بالمسبحة (^٣).
(^١) انظر في تاريخ هذه الدول: تاريخ اليمن المسمى بهجة الزمن في تاريخ اليمن ص ٤٩ - ٧٥ بقية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد ص ٣٩ - ٦٧، اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية ص ٣٠ - ٥٤.
(^٢) مدينة جنوب إب بمسافة ٤٣ كم بالسفح الجنوبي من جبل التعكر معجم المدني والقبائل اليمنية ص ٢٠٧.
(^٣) انظر ترجمته في: طبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجعدي ص ١٧٦ - ١٨٢. وقد استفاد منه كل من ترجم للعمراني لقرب عهد ابن سمرة منه وتتلمذه على تلاميذه. وانظر:
معجم البلدان لياقوت الحموي ٣/ ١٩٦. وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٧٨. وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٨. وطبقات الشافعية للأسنوي ١/ ٢١٢. وغربال الزمان في وفيات الأعيان ليحيى بن أبي بكر العامري اليماني ص ٤٣٦ - ٤٣٨، والأعلام للزركلي ٨/ ١٤٦.
1 / 13
المبحث الثاني: حياته العلمية وآثاره
أولًا: طلبه للعلم ورحلاته فيه:
الشيخ العمراني ﵀ أوقف حياته للعلم تعلما وتعليما وتأليفا، لهذا نجده ﵀ قوي العزيمة في تحصيل العلم جاد الرغبة، فيه تنقل بين بلدان اليمن طلبا للعلم.
وله تخصص بالفقه الشافعي مع المشاركة في علوم اللغة والعقيدة، وكان خاله أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران أول من أخذ عنه من الشيوخ، فقد أخذ عنه كتاب (كافي الفرائض في المواريث) للصردفي.
وارتحل ﵀ إلى ذي الحفر (^١) وقرأ كتاب (التنبيه) للشيرازي، وأخذ عن الشيخ الفقيه عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني (المهذب) وحفظه عنه و(اللمع) كلاهما لأبي إسحاق، و(الملخص) و(إرشاد ابن عبدويه)، و(كافي الفرائض) للصردفي أيضا.
ثم ارتحل إلى أحاظه (^٢) فقرأ على الشيخ زيد بن الحسن الفايشي فأعاد عنده (المهذب)، وأخذ عنه تعليق الشيخ أبي إسحاق في أصول الفقه، و(غريب الحديث) لأبي عبيد في اللغة، و(مختصر العين) للخوافي، و(نظام الغريب) للربعي وكتاب (التبصرة في أصول الدين) تصنيف أبي الفتوح على مذهب السلف، وأخذ عن خبيره (^٣) عمر بن إسماعيل الجماعي الخولاني كتابي (الكافي) للصفار في النحو و(الجمل) للزجاجي.
(^١) ذى الحفر: حصن في عزلة نعيمة على مقربة من مدينة جلبة. انظر: معجم المدن اليمنية ص ١٢٥.
(^٢) أحاظه: ويقال لها وحاظه تقع شمال إب وهي اليوم مزارع وأطلال. انظر: المرجع السابق ص ٤٦٠.
(^٣) قال محقق كتاب طبقات فقهاء اليمن: "الخبير في اللهجة اليمانية الرفيق والصديق".
1 / 14