Intiqāḍ al-iʿtirāḍ fī al-radd ʿalā al-ʿaynī fī sharḥ al-bukhārī

انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري

Editor

حمدي بن عبد المجيد السلفي - صبحي بن جاسم السامرائي

Publisher

مكتبة الرشد

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

انْتِقَاض الاعتِرَاض
في
الرَّدِّ على العَيْنيِّ في شَرحِ البُخَارِيِّ
تأليف
شيخ الإسلام الإمام العلّامة
الحافظ قاضي القضاة
أبي الفضل أحمَد بَن عَلي بَن حَجَر العَسّقَلَاني
٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ
حققه وعلق عليه
حمدي بن عبد المجيد السَّلفي
وصبحي بن جاسم السامرائي
الجزء الأوّل
مكتبة الرشد
الرياض

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونسغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله؛
أمّا بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمَّد ﷺ وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وبعد:
فقد ألف الحافظ ابن حجر كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ الذي لم يؤلف مثله إذ لم يترك شيئًا يتعلّق بالجامع الصّحيح إِلَّا وأتى به سواء من حيث المتون والأسانيد والشواهد وفقه الحديث، وكان كل أقرانه ممّن ألف عالة عليه ومن بحره اغترفوا ومنهم، العلَّامة محمود العيني ﵀، فإنّه في كتابه عمدة القاري عالة في كثير من شرحه عليه. ألف العيني كتابه عمدة القاري في شرح صحيح البخاريّ وجعله كأنّه رد على الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وكان يتعقب كلما رأى مجالًا، فنجده كثيرًا ما يبتر عبارة الحافظ أو ينقلها محرفة أو مشوهة ليكون هناك مجال للاعتراض عليه، وقلما يفوته عنوان من عناوينه أو شرح لحديثه إِلَّا وتجد له اعتراضًا أو أكثر، وياحبذا لو كانت اعتراضاته ذات فائدة أو فيها زيادة علم. فانبرى له الحافظ في كتابه انتقاض الاعتراض، وأجاب فيه على تلك الاعتراضات الّتي ساقها العيني في شرحه عمدة القاري، وأجاب عنها إجابة جيدة، ولكنه اقتصر ﵀ على الاعتراضات المهمة منها، إذ لو أجاب عنها كلها لبلغ حجم الكتاب

1 / 3

أكبر من عمدة القاري، وقد لاحظنا أنّ الحافظ تصرف أحيانًا في عبارة الفتح، وأوضح أحيانًا ما أورده. في الفتح بالزيادة والبيان، وقد يذكر الحافظ عبارة الفتح وعبارة العمدة. ولا يعلق على ذلك بل يكل ذلك إلى القارىء الفهم ليكون هو الحكم العدل.
منهجنا في التحقيق
١ - وجدنا بعض الأخطاء الاملائية وغير الاملائية كثيرًا ما وقعت في المخطوط فأصلحناها، ورجعنا في ذلك إلى الفتح والعمدة وأكملنا النواقص إن وجدت، وقد أخذت منا جهدًا كبيرًا، ولم نشر بالهامش إلى تلك الأخطاء والتي لا فائدة من ذكرها.
٢ - أشرنا إلى مكان ما ينقله الحافظ من فتح الباري إلى مكان وجوده في الصفحة والجزء، وكذلك بالنسبة لعمدة القارئ، ولم نجعل من أنفسنا حكمًا عليهما إذ لم نرجح قول أحدهما على الآخر بل أحلنا ذلك إلى القارىء.
٣ - ربما نقلنا عبارة من كتاب مبتكرات اللاليء والدرر للبوصيري المتوفى سنة ١٣٥٤ وسيأتي وصفه.
كتاب مبتكرات اللاليء والدرر في المحاكمة به العيني وابن حجر تأليف الشّيخ عبد الرّحمن البوصيري. وهذا الكتاب طبع بالمطبعة الحكومية لولاية طرابلس الغرب سنة ١٩٥٩م وهو كتاب نافع وكثير الفوائد ردَّ فيه على العيني، رتبه على شكل محاكمات بلغت ثلاثة وأربعين وثلثمائة محكمة.
وهذه ترجمة يسيرة للحافظ ابن حجر.
إمام الحفاظ وحافظ الأئمة شيخ الإسلام أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، وابن حجر لقب لأحد أجداده. ولقب بأمير المؤمنين في الحديث، والحافظ. لم يقاربه أحد من أقرانه بسعة علمه، اجتمع له من

1 / 4

الشيوخ الأكابر ما لم يجتمع لغيره كالزين العراقي، والعز بن جماعة، والبلقيني، ونور الدِّين الهيثمي، والمجد الفيروزبادي، وسراج الدِّين بن الملقن، والبوصيري والتنوخي .. وتخرج به أئمة كبار كالسخاوي والبقاعي.
تصدى ﵀ لنشر حديث رسول الله ﷺ إقراءًا وقراءة وتصنيفًا وإفتاءًا وإملاءًا على تلاميذه، وألف في مختلف فنون العلم وبرع وانفرد بالحديث وعلومه وزادت تآليفه على ١٥٠ تأليفًا ومعظمها في الحديث وعلومه وفنونه وفيها من فنون الأدب والفقه وغير ذلك. وِاستفاد من تصانيفه أقرانه وشيوخه ففي الرجال تهذيب التهذيب الذي زاد فيه على الحافظ المزي في تهذيب الكمال ﵀ فوائد كثيرة، وتقريب التهذيب الذي ابتكر فيه وقسم الرواة إلى طبقات ومراتب ولم يسبقه إلى مثله أحد. وفي التخريج كهداية الرواة في تخريج أحاديث المصباح والمشكاة، وتخريج مختصر ابن الحاجب. وأذكار النووي وغيرها وفي المصطلح كالنكت على مقدمة ابن الصلاح ونخبة الفكر ونزهة النظر، وفي كثير من علوم الحديث له فيه تأليف.
ظهر في وقتنا الحاضر جماعة جهال نسبوا أنفسهم إلى العلم وهذه الجماعة لا تعرف قدر نفسها أخذت تتهجم على الحافظ ابن ججر الذي نذر نفسه لإعلاء سنة رسول الله والحفاظ عليها وتدريسها ونشرها وتنقصه وهم. أبعد النَّاس عن العلم بل هم من أدعيائه هذا الإمام الذي ملأت تصانيفه المكتبات يرمونه بالجهل وعدم المعرفة، فبئس الجهال هؤلاء، ولا ينبغي لطلاب العلم ومحبي سنة رسول الله ﷺ الالتفات إلى ذلك والاهتمام بما يكتبه هؤلاء، بل ينبغي الحذر منهم ولَعلَّ هؤلاء ينفذون مخططًا لهدم السُّنَّة وعلومها.
رحل الحافظ ابن حجر إلى كثير من البلدان الإسلامية للسماع والقراءة وقرأ واطلع على كثير ممن لم يطلع عليه غيره من أقرانه وكتابه المعجم المفهرس (مخطوط) يدلُّ على سعة اطلاعه وكثرة الكتب التي قرأها سيما فِي الحديث

1 / 5

وعلومه. رحم الله الحافظ ابن حجر وجعلنا من محبيه. توفي ﵀ في القاهرة في ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ ودفن بالقرافة. وأفرد تلميذه السخاوي كتابًا في ترجمته سماه الجواهر والدرر في ترجمه شيخ الإسلام ابن حجر.
العلّامة محمود العيني
أبو محمد محمود بدر الدِّين العيني نسبته إلى عينتاب. تتلمذ على الحافظ العراقي والحافظ سراج الدِّين البلقيني والحاقظ نور الدِّين الهيثمي وغيرهم وصنف الكثير. ومن مؤلفاته. عمدة القارئ في شرح صحيح البخاريّ (طبع) ونخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار (خط)، وعقد الجمان في تاريخ أبناء الزّمان (خط)، وشرح سنن أبي داود (خط)، والعناية في شرح الهداية في الفقه الحنبلي وغيرها. توفي ﵀ سنة ٨٥٢ هـ -.
النسخ المعتمدة في التحقيق:
اعتمدنا على ثلاث نسخ:
الأولى:- مخطوطة مكتبة الآثار العامة في بغداد كتبها عبد الرّحمن بن عبد العظيم سنة ١٠٨٨هـ وجعلناها أصلًا، وعدد أوراقها ٢٥٠ ورقة وهي نسخة جيدة ورقمها في دار صدام للمخطوطات ٢٩٦٢٠
الثّانية: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم
الثّالثة: نسخة جستربتي.
صبحي بن جاسم السامرائي
حمدي عبد المجيد السلفي
بغداد في ١٠ رجب ١٤٠٧هـ

1 / 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
اللَّهُمَّ إنِّي أحمدك في ما ألهمت من المحامد، وأشكرك على فضلك البادي والعائد، وأستنصرك على كلّ معاند ومكائد، وأعوذ بك من شر كلّ باغ وحاسد، وأصلّي وأسلم على نبيك محمَّد وعلى آله وصحبه الصادعين بالحق في جميع المشاهد.
أمّا بعد فإني شرعت في شرح صحيح البخاريّ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة بعد أن كنت خرجت ما فيه من الأحاديث المعلقة في كتاب سميته: "تغليق التعليق" وكمل في سنة أربع وثمان مائة في سفر ضخم، ووقف عليه أكابر شيوخي، وشهدوا بأني لم أسبق إليه.
ثمّ عملت مقدمة الشرح فكملت في سنة ثلاث عشرة المذكورة، ومن هناك ابتدأت في الشرح، فكتبت منه قطعة أطلت فيها التبيين، ثمّ خشيتُ أنّ يعوق عن تكملتة على تلك الصِّفَة عائق، فابتدأت في شرح متوسط، سميته "فتح الباري بشرح البخاريّ" فلما كان بعد خمس سنين أو نحوها وقد بيض منه مقدار الربع على طريقة مثلي وقد اجتمع عندي من طلبة العلم المهرة جماعة وافقوني على تحرير هذا الشرح بأن أكتب الكراس ثمّ يحصله كل منهم نسخًا، ثمّ يقرؤه أحدهم ويعارض معه رفقته مع البحث في ذلك والتحرير، فصار السَّفر لا يكمل منه إِلَّا وقد قوبل وحرر من ذلك النظر في ذلك الزمن اليسير لهذه المصلحة، إلى أن يسر الله تعالى إكماله في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين.
وفي أثناء العمل كثرت الرغبات في تحصيله ممّن اطلع على طريقتي فيه

1 / 7

حتّى خطبه جماعة من ملوك الأطراف بسؤال علمائهم لهم في ذلك فاستنسخت لصاحب الغرب الأدنى نسخة ممّا كمل منه، وذلك بعناية الإمام المتقن زين الدِّين عبد الرّحمن البرشْكي بكسر الموحّدة والراء المهملة وسكون المعجمة، وكان ملك الغرب يومئذ عبد العزيز الحوصي المعروف بابن فارس، وكان الذي كمل من الكتاب المذكور حينئذ قدر ثلثيه، واستنسخت لصاحب المشرق نسخة بعد ذلك بعناية العلّامة الحافظ شيخ القراء شمس الدِّين الجزري، والملك يومئذ شاه رخ، وجهزت له من قبل الملك الأشرف، ولم يكن الكتاب كمل ثمّ في سلطته الملك الظّاهر جهز له نسخة كاملة، وكان سبب رغبتهم فيه اشتهار المقدِّمة فصار من يعرف فصولها يتشوق إلى الأصل.
وفي سنة اثنتين وعشرين أحضر إليَّ طالب علم كراسة بخط محتسب القاهرة الذي تولى بعد ذلك قضاء الحنفية في الدولة الأشرفية، فرأيت فيه ما نصه:
الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدِّين، وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين، بالعلماء المستنبطين الراسخين، والفضلاء المحققين الشامخين، فاستمر في هذا المهيع يذكر من تصدى لجمع السنن النبوية، إلى أن ذكر البخاريّ وذكر فضل كتابه الصّحيح، وأنّه فإن غيره، ولذلك أقبل عليه كبار العلماء وعملوا عليه شروحًا إلى أن قال:
لكن لم يقع لي شرح يشفي العليل، ويروي الغليل، لأنّ منهم من طول فأمل، ومنهم من قصر فأخل، على أنّه لم يقصد واحد منهم على كثرتهم لشرحه لما هو المقصود، ثمّ ذكر أنّ الذي دعاه إلى شرح هذا الكتاب أمور:
أحدها: أن يعلم أنّ في الخبايا زوايا (١).

(١) في عمدة القاري الزوايا خبايا، وهو الصواب.

1 / 8

وثانيها: قطع حجة من يدعي الانفراد في هذا الباب.
وثالثها: إظهار ما منحه الله من العلوم، ثمّ أخذ في ذم أهل زمانه جميعًا، أمّا علماؤهم فلما عندهم من الحسد، وأمّا رؤساؤهم فلما عندهم من الشح والتهاون بالعلماء.
ثمّ وصف ما عزم عليه من شرح هذا الكتاب بأن يظهر صعابه، ويبين معضلاته، ويوضح مشكلاته، بحيث أنّ الناظر فيه إن أراد المنقول ظفر بآماله، وإن أراد المعقول فاز بكماله .. إلى أن قال:
فجاء هذا الكتاب بحمد الله فوق ما في الخواطر، فائقًا على سائر الشروح بكثرة الفوائد والنوادر.
ثمّ ذكر سنده إلى البخاري.
ثمّ ذكر مقدمة لطيفة انتزعها من القطعة الّتي كتبها شيخ الإسلام النووي، ولو كان نسخها من نسخة صحيحة ونسبها إليه لاستفاد السلامة ممّا وقع في خطه من التصحيف لكثير من الأسماء والسمات، والتحريف لبعض الكلمات (٢)، وقد تتبعت ما وقع به من ذلك في تلك الكراسة الّتي ابتدأ بها خاصّة، فزاد على ثمانين غلطة، فأفردت كذلك في جزء سميتهُ "الاستنثار على الطاغي المعثار".
فكتبت عليها علماءُ ذلك العصر كقاضى القضاة جلال الدِّين البلقيني، ورفيقاه قاضى القضاة علاء الدِّين المغلي، وقاضى القضاة شمس الدِّين بن الديري.
ومن المشايخ شرف الدِّين بن التباني، وشمس الدِّين بن الديري، وشمس الدِّين البرماوي، كتبوا كلهم بتصويب ما تعقبته عليه، ومن جملة ما أنكره عليه البلقيني:

(٢) عمدة القاري (١/ ٢ - ١١).

1 / 9

قوله ما ذكره في وصف كتابه، قال: وقوله: أفصح لَحْنٌ، فإن الرباعي إنّما استعمل في اللازم مثل أفصح البشر.
ومن جملة ما أنكره عليه ابن المغلي قوله: إنَّ علم الحديث استوى فيه النَّاس ممّن لا يفرق بين الأنواع والأجناس، فإنّه ما قارب فيه صوابًا ولا سعد خطابًا.
وقوله: ممّن لا يفرق إن أراد أنّ العالم والعامي استوى فيه فهو قول إفك موقع في الهلاك، وإن أراد أنّ أصحاب الحديث لا يفرقون بينهما بحسب الإصطلاح الحادث، فتلك "شكاة ظاهر عنك عارها" لأنّ لهم أسوة بخيار السلف.
وأنكر عليه أيضًا أنّ ظاهر الخبر أنّه لشرحه وأوصافه لما اشتمل عليه، يقتضي أنّ أكمله أو أكثره ولم يكن كتبت منه سوى شيءٍ يسير.
ثمّ لما مضى من هذه القصة عدة سنوات عاد المذكور لما كان شرع فيه من الشرح بزعمه بعد أن كثرت النسخ بما كمل من شرح كاتبه فاستعار من بعض الطلبة ما حصله منه أوَّلًا فأولًا، وقرأت بخطه أنّه شرع في شرحه في شهر رجب سنة عشرين وثمان مائة، فكتب منه مجلدين في سنة، ثمّ ترك إلى أن أكمل المجلد الثالث في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين، فلم يعد إلى الكتابة فيه حتّى شارف فتح الباري الفراغ فصار يستعير من بعض من كتب. لنفسه من الطلبة فينقله إلى شرحه من غير أن ينسبه إلى مخترعه.
وقد رأيت أن أسوق في ذلك أمثلة كثيرة يتعجب منها كل من وقف عليها، ثمّ أعود إلى إيراد ما أردت منه الجواب من اعتراضاته على فتح الباري.
وقد رمزت إلى الفتح بحرف (ح) مأخوذة من الفتح، ومن أحمد وإلى شرحه بحرف (ع) مأخوذه من العيني ومن المعترض.

1 / 10

وسميت هذا التعليق: "انتقاض الاعتراض" وبالله الكريم عوني، وأسأله عن الخطأ والخلل صوني، فمن أراد ما أغار على فتح الباري أول شَيْءٍ فيه وهي التّرجمة من:

1 / 11