Al-ibdiʿāʿ fī maḍār al-ibtdiāʿ
الإبداع في مضار الابتداع
Publisher
دار الاعتصام
Edition
الخامسة
Publication Year
١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م
Genres
•Islamic thought
Regions
Egypt
يجره هذا التهاون إلى الوقوع في اليمين الغموس وهى الحلف على شيء هو كاذب فيه مع علمه أنه فيه كاذب.
كذلك تجره المسارعة إلى اليمين وتوالى ذلك منه إلى الوقوع في حرج شديد في بعض الأشياء التي حلف عليها، فلا تزال نفسه تحدثه في الحنث به ويهون عليه الشيطان أمره ويزين له في المنفعة التى يجنيها من المحلوف عليه حتى يقع في الحنث مرة فيسهل عليه الوقوع فيه مرة ثانية، وكلما تكررت الجريمة خف أثرها في النفس واجترأت على المعاودة (يشهد بذلك العيان) فيجره هذا إلى الاستخفاف بالمحلوف به وهذا خطر عظيم قد يؤدى إلى الكفر والعياذ بالله وهو لا يشعر. انظر إلى ما يجرى على ألسنة الكثيرين في محاوراتهم تجد أحدهم يحلف لمخاطبه بالله على شيء فيشعر أن نفس المخاطب لم تقنع بحلفه فيتبعه بالحلف بشرف مخاطبه مثلًا، أليس هذا نتيجة تهاون معتاد باليمين الأولى ومجاراة للمخاطب في عدم الثقة بها حتى أتبعها بما لا شك فيه في زعمهما؟ وهل تعلم ما هو أدل من هذا على تطرق الاستهانة بالله العظيم إلى نفوسهما؟ وأى ضلال أبعد من هذا الضلال الذى جعلا فيه الثقة بشرف أحدهما أو رأس أبيه أعظم من الثقة باليمين بالله تعالى؟ وهل أوقعهما في هذه الهاوية سوى كثرة اليمين على ألسنتهما حتى صارت عادة لا يؤبه لها؟ ولقد وصف الله تعالى بعض أعدائه وأعداء رسوله العطم بعشر صفات من صفات السوء ردعًا له عن غيه وزجرًا لأمثاله فجعل أول تلك الصفات الذميمة كثرة الحلف، فقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (^١) وحسبها ذمًّا أن جعلت طليعة تلك الصفات المخزيات، ولعلك بعد هذا تفهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (^٢). فعلى المسلم الشريف أن يصون دينه وكرامته بصيانة يمينه، وبالله تعالى التوفيق.
ومن العادات الفاشية: الحلف بالمخلوق كالنبى ﷺ والآباء والحياة والرأس والكعبة والأمانة وتربة فلان، فقد صح النهى عن ذلك، فعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت" متفق عليه، وفى رواية الصحيح: "فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا
(^١) [سورة القلم: الآيتان: ١٠ - ١٣].
(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٢٤].
1 / 407