537
وَقَدِّرْ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ قَهْرِ نَفْسِهِ فِي تِلْكَ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا أَنَّكَ عَاجِزٌ عَمَّا أَنْتَ مُبْتَلًى بِهِ وَلَا تَسْتَثْقِلْهُ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مذمومة فأي الرجال المهذب وكل ما لا تصادفه من نفسك في حق الله فلا تنتظره من أخيك في حق نفسك فليس حقك عليه بأكثر من حق الله عليك
والأمر الثاني أنك تَعْلَمَ أَنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ اعْتَزَلْتَ عَنِ الْخَلْقِ كَافَّةً وَلَنْ تَجِدَ مَنْ تُصَاحِبُهُ أَصْلًا فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الناس إلا وله محاسن ومساو فإذا غلبت المحاسن المساوي فَهُوَ الْغَايَةُ وَالْمُنْتَهَى فَالْمُؤْمِنُ الْكَرِيمُ أَبَدًا يُحْضِرُ فِي نَفْسِهِ مَحَاسِنَ أَخِيهِ لِيَنْبَعِثَ مِنْ قَلْبِهِ التَّوْقِيرُ وَالْوُدُّ وَالِاحْتِرَامُ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ اللَّئِيمُ فَإِنَّهُ أبدا يلاحظ المساوي وَالْعُيُوبَ
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْمُؤْمِنُ يَطْلُبُ الْمَعَاذِيرَ وَالْمُنَافِقُ يَطْلُبُ الْعَثَرَاتِ
وَقَالَ الفضيل الْفُتُوَّةُ الْعَفْوُ عَنْ زَلَّاتِ الْإِخْوَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السُّوءِ الَّذِي إِنْ رَأَى خَيْرًا سَتَرَهُ وَإِنْ رَأَى شَرًّا أَظْهَرَهُ (١)
وما من شخص إلا ويمكن تحسين حاله بخصال فيه ويمكن تقبيحه أيضًا
روي أن رجلًا أثنى على رجل عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلما كان من الغد ذمه فقال ﵇ أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه فقال والله لقد صدقت عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم إنه أرضاني بالأمس فقلت أحسن ما علمت فيه وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما علمت فيه فقال ﵇ إن من البيان لسحرًا (٢)
وكأنه كره ذلك فشبهه بالسحر ولذلك قال في خبر آخر البذاء والبيان شعبتان من النفاق (٣)
وفي الحديث الآخر إن الله يكره لكم البيان كل البيان وكذلك قال الشافعي ﵀ ما أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه ولا أحد يعصي الله ولا يطيعه
فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل وإذا جعل مثل هذا عدلًا في حق الله فبأن تراه عدلًا في حق نفسك ومقتضى أخوتك أولى
وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساويه يَجِبُ عَلَيْكَ السُّكُوتُ بِقَلْبِكَ وَذَلِكَ بِتَرْكِ إِسَاءَةِ الظَّنِّ فَسُوءُ الظَّنِّ غِيبَةٌ بِالْقَلْبِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا وَحَدُّهُ أَنْ لَا تَحْمِلَ فِعْلَهُ على وجه فاسد ما أمكن أن تحمله على وجه حسن
فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فلا يمكنك أن لا تعلمه وعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرسًا وهو الذي يستند إلى علامة فإن ذلك يحرك الظن تحريكًا ضروريًا لا يقدر على دفعه والى ما منشؤه سوء اعتقادك فيه حتى يصدر منه فعل له وجهان فيحملك سوء الاعتقاد فيه على أن تنزله على الوجه الأدرإ من غير علامة تخصه به وذلك جناية عليه بالباطن وذلك حرام في حق كل مؤمن
إذ قَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ قد حرم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء (٤)
وقال ﷺ إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (٥)
وسوء الظن

(١) حديث اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السُّوءِ الَّذِي إِنْ رَأَى خَيْرًا سَتَرَهُ وَإِنْ رَأَى شَرًّا أَظْهَرَهُ أخرجه البخاري في التاريخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وللنسائي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بسند صحيح تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقام
(٢) حديث أن رجلًا أثنى على رجل عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلما كان من الغد ذمه الحديث ﴿وفيه﴾ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مَنْ البيان لسحرا أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك من حديث أبي بكرة إلا انه ذكر المدح والذم في مجلس واحد لا يومين ورواه الحاكم من حديث ابن عباس أطول منه بسند ضعيف أيضا
(٣) حديث البذاء والبيان شعبتان من النفاق أخرجه الترمذي وقال حسن غريب والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي أمامة بسند ضعيف
(٤) حديث إن الله حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء أخرجه الحاكم في التاريخ من حديث ابن عباس دون قوله وعرضه ورجاله ثقات إلا أن أبا على النيسابوري قال ليس هذا عندي من كلام النبي ﷺ إنما هو عندي من كلام ابن عباس ولابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر ولمسلم من حديث أبي هريرة كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وعرضه
(٥) حديث إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة

2 / 177