384

Ibn Ḥazm wa-mawqifuhu min al-ilāhiyyāt ʿarḍ wa-naqd

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

Publisher

مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٦ هـ

Publisher Location

جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية

الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١).
ووجه الاستدلال على الجواز، أن الله تعالى تمدح بقوله "لا تدركه الأبصار" ولو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن المعدوم لا تصح رؤيته والعلوم والقدرة والإِرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لها في ذلك، لأن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيتة فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء بخلاف ما إذا كانت رؤيته جائزة ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه فإن هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة (^٢).
ونقول أيضا في وجه الاستدلال: إن الله تعالى نفى إدراك الأبصار له وهو أن تحيط به فهذا النفي ورد على مقيد وهي الرؤية المحيطة، فإذا المنفى هو قيد الإِحاطة، وهذا يشهد بأن الرؤية جائزة، لأنها لو كانت ممتنعة لكان المنفى هو أصل الرؤية لا الرؤية المحيطة. نظير ذلك أنه إذا كان هناك شخصان أحدهما لم يأت إليك والثاني أتى غير راكب فإنك تقول في الثاني لم يأت راكبًا تريد نفي الركوب لا نفي الإِتيان، ولا تقول في الأول لم يأت راكبًا بل تقول لم يأت، وهذا معنى قولهم في القواعد العامة، إذا ورد النفي على مقيد بقيد كان

(^١) سورة الأنعام: آية (١٠٣).
(^٢) انظر التفسير الكبير للرازي (١٣: ١٢٥)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص (٢٢٨ - ٢٣٠).

1 / 390