Tārīkh al-adab al-ʿarabī li-shawqī ḍayf
تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف
Publisher
دار المعارف
Edition
الأولى
Publication Year
١٩٦٠ - ١٩٩٥ م
Publisher Location
مصر
Genres
•literary history
Regions
Egypt
ـ[تاريخ الأدب العربي]ـ
المؤلف: أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (المتوفى: ١٤٢٦ هـ)
الناشر: دار المعارف
عدد الأجزاء: ١٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
Unknown page
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
للباحثين المحدثين من عرب ومستشرقين كتب مختلفة فى تاريخ الأدب العربى أدّت كثيرا من الفائدة والنفع منذ ظهورها، غير أن من الحق أنه ليس بين هذه الكتب ما يبسط الحديث فى أدبنا وأدبائنا على مرّ التاريخ من الجاهلية إلى العصر الحديث بسطا مفصلا دقيقا. وأغزر هذه الكتب وأحفلها مادة كتاب «تاريخ الأدب العربى» لبروكلمان، وهو دائرة معارف جامعة، لا تقتصر على الحديث عن شعرائنا وكتّابنا، بل تفيض فى الكلام عن فلاسفتنا وعلمائنا من كل صنف وعلى كلّ لون، مع استقصاء آثارهم المطبوعة والمخطوطة فى مشارق الأرض ومغاربها والإشارة إلى ما كتب عنهم قديما وحديثا. وهذه العناية من وصف التراث العربى جميعه جعلت بروكلمان لا يعنى عناية مفصلة ببحث العصور والظواهر الأدبية ولا ببحث شخصيات الأدباء بحثا تاريخيّا نقديّا تحليليّا، إذ شغلته عن ذلك مواد كتابه المتنوعة الكثيرة.
وإذن فأنا لا أبالغ إذا قلت إن تاريخ أدبنا العربى يفتقر إلى طائفة من الأجزاء المبسوطة تبحث فيها عصوره من الجاهلية إلى عصرنا الحاضر كما تبحث شخصياته الأدبية بحثا مسهبا، بحيث ينكشف كل عصر انكشافا تامّا، بجميع حدوده وبيئاته وآثاره وما عمل فيها من مؤثرات ثقافية وغير ثقافية، وبحيث تنكشف شخصيات الأدباء انكشافا كاملا، بجميع ملامحها وقسماتها النفسية والاجتماعية والفنية.
وقد حاولت أن أنهض بهذا العبء، وأنا أعلم ثقل المئونة فيه، فإن كثيرا من الآثار الأدبية القيمة لا يزال مخطوطا لما ينشر، وكثيرا مما نشر فى حاجة إلى أن يعاد نشره نشرا علميّا. وهناك بيئات أدبية يغمرها غير قليل من الظلام، إما لقلة ما بين أيدينا من تراثها الأدبى، وإما لأن الباحثين لم يكشفوا دروبها ومناجمها كشفا
1 / 5
كافيا. يضاف إلى ذلك أن تحليل آثار الأدباء وتقويمها ليس عملا سهلا، لكثرة ما يداخلها من عناصر الحياة والفن المتشابكة، ولأنها تتألف من معان وأساليب جميلة، وهى لا تخضع خضوعا مطلقا لقواعد العلم وقوانينه، حقّا تخضع للطريقة العلمية، ولكن باستمرار تظل فيها جوانب خاضعة للذوق ونفاذ البصيرة والإحساس المرهف. وذلك كله مما يضاعف الجهد على من يريد تأريخ أدبنا العربى تأريخا مفصلا دقيقا على اختلاف عصوره وتفاوت بيئاته، غير أنه يضاعف فى الوقت نفسه لذّته فيه، إذ يرى أمنيته فى إتقان عمله بعيدة عسيرة، لا يمكنه بلوغها إلا بشق النفس، فيجدّ ويلحّ، ويمضى فى الجدّ والإلحاح، حتى يظفر بما يريد، مؤمنا بأنه لا يقول الكلمة الأخيرة فيما يبحثه، إذ البحث الأدبىّ لا يعرف الكلمة الأخيرة فى مسألة من مسائله.
ومعنى ذلك أن هذا الجزء من تاريخ أدبنا العربى الخاص بالعصر الجاهلى -والذى ستتلوه أجزاء أخرى تتناول بقية عصور هذا التاريخ-لا أزعم أنه يحمل إلى القراء الصورة الأخيرة لهذا العصر، كما لا أزعم أن الأجزاء التالية ستحمل الصورة الأخيرة للعصور المتعاقبة. وإنما أزعم أن هذه الصورة هى التى استطعت رسمها مع ما بذلت من جهد واصطنعت من نهج وتحرّيت من دقّة، وقد يأتى بعدى من يعدّل فى جانب من جوانبها بما يهتدى إليه من حقائق أدبية غابت عنى فى بعض العصور أو بعض البيئات والشخصيات الأدبية. وتلك طبيعة الأبحاث يكمل بعضها بعضا ولا تزال فى نمو مطرد. والله أسأل أن يلهمنى السداد فى القول والفكر والعمل، وهو حسبى، ونعم الوكيل.
القاهرة فى ٢٠ من ديسمبر سنة ١٩٦٠ شوقى ضيف
1 / 6
تمهيد
١ - كلمة أدب
كلمة أدب من الكلمات التى تطور معناها بتطور حياة الأمة العربية وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنية والحضارة. وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذى يتبادر إلى أذهاننا اليوم، وهو الكلام الإنشائى البليغ الذى يقصد به إلى التأثير فى عواطف القراء والسامعين، سواء أكان شعرا أم نثرا.
وإذا رجعنا إلى العصر الجاهلى ننقّب عن الكلمة فيه لم نجدها تجرى على ألسنة الشعراء، إنما نجد لفظة آدب بمعنى الداعى إلى الطعام، فقد جاء على لسان طرفة بن العبد (١):
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر (٢)
ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذى يدعى إليه الناس. واشتقوا من هذا المعنى أدب يأدب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها.
وليس وراء بيت طرفة أبيات أخرى تدل على أن الكلمة انتقلت فى العصر الجاهلى من هذا المعنى الحسى إلى معنى آخر، غير أننا نجدها تستخدم على لسان الرسول ﷺ فى معنى تهذيبى خلقى، ففى الحديث النبوى:
«أدبنى ربى فأحسن تأديبى» (٣) ويستخدمها شاعر مخضرم يسمى سهم بن حنظلة
(١) انظر ديوان طرفة (طبعة آلوارد) القصيدة رقم ٥ بيت ٤٦.
(٢) المشتاة: الشتاء، الدعوة الجفلى: العامة، الآدب: الداعى إلى الطعام، لا ينتقر: لا يختار أناسا دون آخرين.
(٣) انظر النهاية فى غريب الحديث والأثر لابن الأثير (طبع القاهرة ١٣١١ هـ) ج ١ ص ٣.
1 / 7
الغنوى بنفس المعنى إذ يقول (١):
لا يمنع الناس منّى ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
وربما استخدمت الكلمة فى العصر الجاهلى بهذا المعنى الخلقى، غير أنه لم تصلنا نصوص تؤيد هذا الظن. وذهب «نالينو» إلى أنها استخدمت فى الجاهلية بمعنى السنّة وسيرة الآباء مفترضا أنها مقلوب دأب، فقد جمع العرب دأبا على آداب كما جمعوا بئرا على آبار ورأيا على آراء، ثم عادوا فتوهموا أن آدابا جمع أدب، فدارت فى لسانهم كما دارت كلمة دأب بمعنى السنة والسيرة. ودلوا بها على محاسن الأخلاق والشّيم (٢). وهو فرض بعيد، وأقرب منه أن تكون الكلمة انتقلت من معنى حسى وهو الدعوة إلى الطعام إلى معنى ذهنى وهو الدعوة إلى المحامد والمكارم.
شأنها فى ذلك شأن بقية الكلمات المعنوية التى تستخدم أولا فى معنى حسى حقيقى، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنى مجازى.
ولا نمضى فى عصر بنى أمية حتى نجد الكلمة تدور فى المعنى الخلقى التهذيبى.
وتضيف إليه معنى ثانيا جديدا، وهو معنى تعليمى فقد وجدت طائفة من المعلمين تسمى بالمؤدّبين، كانوا يعلمون أولاد الخلفاء ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية، فكانوا يلقّنونهم الشعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم فى الجاهلية والإسلام. وأتاح هذا الاستخدام الجديد لكلمة الأدب أن تصبح مقابلة لكلمة العلم الذى كان يطلق حينئذ على الشريعة الإسلامية وما يتصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوى وتفسير القرآن الكريم.
وإذا انتقلنا إلى العصر العباسى وجدنا المعنيين التهذيبى والتعليمى يتقابلان فى استخدام الكلمة، فقد سمى ابن المقفع رسالتين له تتضمنان ضروبا من الحكم والنصائح الخلقية والسياسية باسم «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير». وبنفس هذا المعنى سمى أبو تمام المتوفى سنة ٢٣٢ هـ/٨٤٦ م الباب الثالث من ديوان
(١) انظر الأصمعيات (طبع دار المعارف) رقم ١٢ بيت ٣٠.
(٢) تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بنى أمية لكارلونالينو (طبع دار المعارف) ص ١٤ وما بعدها.
1 / 8
الحماسة الذى جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم باب الأدب. وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على كتاب الأدب الذى عقده البخارى المتوفى سنة ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م فى مؤلفه المشهور فى الحديث والمعروف باسم الجامع الصحيح، كما ينطبق على كتاب الأدب الذى صنفه ابن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م. وفى هذه الأزمنة أى فى القرنين الثانى والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون كانت الكلمة تطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم. وأخذوا يؤلفون بهذا المعنى كتبا سموها كتب أدب مثل «البيان والتبيين للجاحظ» المتوفى سنة ٢٥٥ هـ وهو يجمع ألوانا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدية وبلاغية كثيرة. ومثله كتاب «الكامل فى اللغة والأدب للمبرد» المتوفى سنة ٢٨٥ هـ وقد وجّه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع الجاحظ، وقدم فيه صورا من الرسائل النثرية التى ارتقت صناعتها فى تلك العصور، جاء فى مقدمته: «هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبا من الآداب ما بين كلام منثور وشعر مرصوف ومثل سائر وموعظة بالغة واختيار من خطبة شريفة ورسالة بليغة». ومما ألّف فى الأدب بهذا المعنى كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ والعقد الفريد لابن عبد ربه المتوفى سنة ٣٢٨ هـ وزهر الآداب للحصرى المتوفى سنة ٤٥٣ هـ.
ولم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمى الخاص بصناعتى النظم والنثر وما يتصل بهما من الملج والنوادر، فقد اتسعت أحيانا لتشمل كل المعارف غير الدينية التى ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعى والثقافى؛ فقد جاء على لسان الحسن ابن سهل المتوفى سنة ٢٣٦ هـ: «الآداب عشرة، فثلاثة شهرجانية (١)، وثلاثة أنو شروانية (٢)، وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن، فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التى أربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس بينهم فى المجالس» (٣). وبهذا المعنى الواسع نجدها عند إخوان الصفا فى القرن الرابع للهجرة، فقد دلوا بها فى رسائلهم إلى جانب
(١) الشهرجانية: نسبة إلى الشهارجة أو الشهاريج وهم أشراف الفرس.
(٢) الأنوشروانية: نسبة إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس من سنة ٥٣١ - ٥٧٩ م.
(٣) انظر زهر الآداب للحصرى (طبع مصر) ج ١ ص ١٤٠.
1 / 9
علوم اللغة والبيان والتاريخ والأخبار على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارات (١). ولا نصل إلى ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ حتى نجدها تطلق على جميع المعارف دينية وغير دينية، فهى تشمل جميع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال: «الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف» (٢).
ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الكلمة تدل-فيما تدل عليه-على السنن التى ينبغى أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألّفت بهذا المعنى كتب كثيرة مثل أدب الكاتب لابن قتيبة وأدب النديم لكشاجم المتوفى حوالى سنة ٣٥٠ هـ. وتوالت كتب مختلفة فى أدب القاضى وأدب الوزير وأخرى فى أدب الحديث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غير ذلك. على أن أكثر ما كانت تدل عليه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.
وأخذت الكلمة منذ أواسط القرن الماضى تدل على معنيين: معنى عام يقابل معنى كلمة Litterature الفرنسية التى يطلقها الفرنسيون على كل ما يكتب فى اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء أكان علما أم فلسفة أم أدبا خالصا، فكل ما ينتجه العقل والشعور يسمى أدبا. ومعنى خاص هو الأدب الخالص الذى لا يراد به إلى مجرد التعبير عن معنى من المعانى، بل يراد به أيضا أن يكون جميلا بحيث يؤثر فى عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف فى صناعتى الشعر وفنون النثر الأدبية مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات والمقامات.
(١) راجع الرسالة السابعة من القسم الرياضى فى رسائل إخوان الصفا.
(٢) مقدمة ابن خلدون (طبعة المطبعة البهية) ص ٤٠٨.
1 / 10
٢ - تاريخ الأدب
واضح الآن أن تاريخ الأدب لأمة من الأمم إما أن يلتزم فيه المؤرخ المعنى العام لكلمة أدب، فيؤرخ للحياة العقلية والشعورية فى الأمة تاريخا عامّا، وإما أن يلتزم المعنى الخاص، فيؤرخ للشعراء والكتّاب تاريخا خاصّا بالأدب ونشأته وتطوره وأهم أعلامه، ولعل أهم من أرخوا لأدبنا بالمعنى الأول بروكلمان فى كتابه «تاريخ الأدب العربى»، ونسج على منواله جرجى زيدان فى كتابه المسمى بتاريخ آداب اللغة العربية. ونراهما يعرضان لتاريخ الحياة الأدبية والعقلية عند العرب فى نشأتها وتطورها مع الترجمة للفلاسفة والعلماء من كل صنف والشعراء والكتاب من كل نوع. ومن غير شك يتقدم بروكلمان جرجى زيدان فى هذا الصدد بسبب المادة الغنية التى يحتويها كتابه، فقد أحصى إحصاء دقيقا أدباء العرب وعلماءهم وفلاسفتهم مع ذكر آثارهم المطبوعة والمخطوطة وما كتب عنهم قديما وحديثا، مبينا مناهجهم ومكانتهم فى الفن أو العلم الذى حذقوه، مع نبذة عن كل فن وعلم ومدى ما حدث له من تطور ورقى.
ومؤرخ الأدب العربى إما أن ينهج هذا النهج الواسع. وإما أن ينهج النهج الثانى الذى أشرنا إليه، فيقف بتاريخه عند الشعراء والكتاب مفصّلا الحديث فى شخصياتهم الأدبية وما أثر فيها من مؤثرات اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية، ومتوسعا فى بيان الاتجاهات والمذاهب الأدبية التى شاعت فى كل عصر. ومن المحقق أن المؤرخ للأدب العربى بمعناه الخاص يأخذ الفرصة كاملة كى يؤرخ لهذا الفرع المونق من فروع الأدب بالمعنى العام، وهو الفرع الذى يراعى فيه الجمال الفنى والتأثير فى ذوق القارئ والسامع وإثارة ما يمكن أن يثار فى نفسيهما من مشاعر وعواطف متباينة. فهو يؤرخ للأدب الخالص تاريخا مفصلا لا يكتفى فيه بالنبذ الموجزة عن الاتجاهات والفنون الأدبية ولا بالتراجم المجملة عن الشعراء والكتاب، على نحو ما يصنع بروكلمان فى تاريخه العام، بل يكتب فى ذلك الفصول الواسعة مطبّقا المناهج الحديثة فى دراسة الأدب الخالص ومن أنتجوه من الأدباء.
1 / 11
وكان من آثار سيطرة العلوم الطبيعية والتجريبية فى القرن الماضى على العقول الغربية أن نادى بعض مؤرخى الأدب هناك بوجوب تطبيق مناهجها وقواعدها على الدراسات الأدبية، وحاول نفر منهم أن يضع للأدب قوانين كقوانين الطبيعة، وتقدم سانت بيف (Sainte-Beuve) يدعو إلى العناية بشخصيات الأدباء وتعقّب حياتهم المادية والمعنوية ومؤثراتها، حتى نتبين ما ينفرد به الأديب وما يشترك فيه مع سواه من الأدباء، فإذا تبينا الطرفين أمكن أن نضع الأدباء فى فصائل وأسر على نحو ما يصنع علماء النبات إذ يرتبونه فى أنواع وفصائل نباتية مختلفة. وبالمثل يضع مؤرخو الأدب أصحابه فى طبقات وفصائل على أساس ما يقوم بين الأديب وفصيلته من تشابه، وهو تشابه تستخلص منه قوانين الأدب العلمية وما يمتاز به أصحاب كل فصيلة من خصائص وصفات. وتلاه تين (Taine) يقرر أن هناك قوانين ثلاثة يخضع لها الأدب فى كل أمة وهى الجنس والزمان والمكان، وكأنه أراد أن يحوّل تاريخ الأدب إلى ضرب من التاريخ الطبيعى، فأدباء كل أمة يخضعون لهذه القوانين الثلاثة خضوعا جبريّا ملزما، فلكل جنس خواصه، ولكل زمان أحداثه وظروفه الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولكل مكان ميزاته الإقليمية والجغرافية، وتلك هى مؤثرات الأدب، بل قوانينه التى تطبع الأدباء بطوابعها الدقيقة. ولا حظ مؤرخو الأدب ونقاده أنه تجاهل شخصيات الأدباء وفرديتهم ومواهبهم وأصالتهم، ولو أن قوانينه صحيحة لكان كل أديب صورة مطابقة للأدباء الآخرين، ولما تميز أديب من سواه. والواقع يثبت عكس ذلك فلكل أديب شخصيته التى تجعل منه أديبا بعينه، له مقوماته.
وبجانب هذين المنهجين فى دراسة تاريخ الأدب وجد منهج ثالث عند برونتيير (Brunetiere) الذى فتن بمذهب داروين المعروف فى التطور ونشوء الكائنات العضوية وارتقائها، وكان (سبنسر) سبقه إلى نقله من العضويات إلى المعنويات، وطبقه على الأخلاق والاجتماع، فحاول هو أن يطبقه على الأدب وفنونه المختلفة، واختار لهذا التطبيق ثلاثة فنون، هى: المسرح والنقد الأدبى والشعر الغنائى، فتتبع كلا فى نشأته ونموه وتطوره وما عمل فيه من مؤثرات، وذهب إلى أن الفنون الأدبية مثل الكائنات الحية تخضع للتطور، وقد يتولد بعضها من بعض
1 / 12
على نحو ما تولد الشعر الغنائى الرومانسى فى القرن التاسع عشر من الوعظ الدينى الذى شاع بفرنسا فى القرن السابع عشر، فهذا الشعر لم يتطور عن شعر مماثل له، سبقه، وإنما تطور أو تولّد عن فن آخر على نحو ما يتطور أو يتولد كائن عضوى من كائن آخر.
وهذه الموجة الحادة التى اندفع خلالها هؤلاء المؤرخون فى القرن التاسع عشر يريدون أن يلحقوا تاريخ الأدب بالعلوم الطبيعية ويطبقوا عليه قواعدها لم تلبث أن هدأت فى أوائل هذا القرن العشرين بتأثير نمو العلوم الإنسانية، فإن هذه العلوم أثبتت أن عالم الإنسان يخضع لقوانين أعمق من القوانين الطبيعية وأن تاريخ الأدب ينبغى أن لا يلحق بالعلوم الطبيعية وإنما يلحق بالدراسات الإنسانية مثل التاريخ والقانون والسياسة وعلمى الاجتماع والنفس. وسرعان ما أخذ مؤرخو الأدب ونقاده يطبقون على الأدب نظريات اللاشعور الفردى وعقد الجنس ومكتوباته واللاشعور الجماعى ورواسب الحياة الإنسانية البدائية التى تتجلى فى الأساطير وما يتصل بها والعلاقات الاجتماعية والإنتاجية.
وسنحاول أن نؤرخ فى أجزاء هذا الكتاب للأدب العربى بمعناه الخاص مفيدين من هذه المناهج المختلفة فى دراسة الأدب وأعلامه وآثار فنقف عند الجنس والوسط الزمانى والمكانى الذى نشأ فيه الأدب، ولكن دون أن نبطل فكرة الشخصية الأدبية والمواهب الذاتية التى فسح لها سانت بيف فى دراساته. وكذلك لن نبطل نظرية تطور النوع الأدبى، فما من شك فى أن الأنواع الأدبية تتطور من عصر إلى عصر، وقد يتولد بعضها من بعض فيظهر نوع أدبى جديد لا سابقة له فى الظاهر، ولكن إذا تعمقنا فى الدرس وجدناه قد نشأ من نوع آخر مغاير له، على نحو ما يلاحظ ذلك من يدرس فن المقامة فى العصر العباسى، فإنها فى رأينا تولدت من فن الأرجوزة وما ابتغى به أصحابه فى العصر الأموى عند رؤبة ونظرائه من تعليم الناشئة والموالى ألفاظ اللغة العربية الغربية وتراكيبها العويصة. فاقتران هذه الغاية بالأرجوزة يلفتنا إلى نفس الغاية فى المقامة عند بديع الزمان والحريرى وما بين الفنين من صلات وروابط. ولا بد أن نستضئ فى أثناء ذلك بدراسات النفسيين والاجتماعيين وما تلقى من أضواء على الأدباء وآثارهم. وبجانب ذلك لا بد أن نقف
1 / 13