Ḥāshiyat ibn ḥajar al-haytamī ʿalā al-īḍāḥ fī manāsik al-ḥajj
حاشية ابن حجر الهيتمي على الإيضاح في مناسك الحج
Publisher
المكتبة السلفية ودار الحديث
Publisher Location
بيروت
حَاشِيَة العَلامَة ابن حجر الهيتمي
على شرح الإيضاح في مناسك الحج
للإمام النووي
توزيع المكتبة السلفية
1
حَاشِيَة العَلَّامَة ابن حجر الهيتمي
على شرح الإيضاح في مَناسِك الحج
للإمَامِ النَّوَوِي
دار الحديث
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان
ص ب ١١/٦٠٨٩
2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذى الجلال والإكرام والفضل والطول والمنن العظام الذى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عظم شعائر بيته الحرام بما أوجبه على الكافة من إحياء معالمه بالزيارة إليها في كل عام وجعله محل تنزلات رحماته الجسام ومنبع الخلوص لمن أمه من الجرائم والآثام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنتظم بها في سلك أوليائه الأئمة الأعلام وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي شرف الله به بيته وبلده الحرام صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه بدور الهدى في دجنات الظلام ما همعت غيوث إمداده على من اقتفى آثاره في تلك المشاعر العظام (أما بعد) فهذا ما اشتلت إليه حاجة المتفهمين لإيضاح الشيخ الإمام والصديق الحمام محي السنة والدين وعلم منار الأئمة المحققين سيد وقته وحكيمه ومحرر المذهب وعليمه كيف وقد أجمع الأئمة بعده على أنه البالغ في العرفان والاجتهاد الغاية القصوى والحقيق بتعفير الوجوه على مواطئ أقدامه فضلا عن تقديم آرائه في القضاء والفتوى حتى قال السبكي مع جلالته:
وفي دار الحديث لطيف معنى إلى بسط لها أصبو وآوى
من تسويد تعليق لطيف يتمم مفاده ويبين مراده ويحقق أكثر مسائله ويحرر بعض دلائله ويزيف ما أورد عليها مما لا يستحسن ويجيب عنه كالإمام الرافعى رضى الله عنهما وجزاهما عن أهل المذهب خبراً حيث أمكن فقصدت إلى ذلك تاركاً الإسهاب الممل والإيجاز المخل ومقتصراً على أحسن ما يشار إليه ومفاد ما يحتاج للتنبيه عليه وقد أزيد نزراً يسيراً لنحو وهم وقع في تقريره أو خلل دخل في تحريره سائلا من نظر فيه بعين الإنصاف والتحقيق أن ينبه على خلله وأوهامه وخطله فإنه سود في زمن قليل ويحتاج لتحرير وتكميل مع الاشتغال عنه لسوء ما اقترفت من الذنوب وقبيح ما جمعت من العيوب وأنا أسأل الله العظيم أن يوقظ له الفضلاء لينبهوا على ما فيه من ظلمات الأوهام وأن ينفعني وإياهم به في دار السلام إنه جواد كريم رؤوف رحيم (قوله رضى الله تعالى عنه وأرضاه وجعل جنات الشهود متقلبه ومثواه الحمد لله) الحمد هو الوصف بالجميل أو الثناء كما قاله المحققون وزاد غيرهم في الحد الثاني زيادات لا حاجة إليها إلى التنصيص على أجزاء الماهية أو نحوه كما قرر في محله والجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى على ما اشتهر و قول بعضهم إنها خبرية لفظاً ومعنى رددته في
3
هَدانَاَ للْإِسلَامِ وَأَسْبَغَ عَلَيْنَا جَزِيلَ نِعَمِهِ وَأَلْطَافِه الْجسْامِ وَكَرَمَ الْآدَمِينَ وَفَضَّلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنَامِ
شرح الإرشاد (قوله ذي الجلال الخ) الجلال العظمة المستلزمة للاتصاف بكل صفة من صفات الكمال ومنها التنزه عن كل سمة من سمات النقص، والإكرام التفضل على عباده، والفضل الإنعام وتفسيره بالنعمة حيث قيل هو ما أنعم الله به على عباده تفسير باعتبار أثره، والطول السعة في تفضله وإنعامه وغيرهما، والمنن جمع منة وهي النعمة الثقيلة فقوله العظام صفة كاشفة ويصح أن تكون مؤسسة (قوله هدانا) أي دلنا أو أوصلنا إذ الهداية تستعمل في كل منهما (قوله وأسبغ علينا جزيل نعمه) هو من إضافة الصفة للموصوف أي نعمه الجزيلة العظيمة المشبهة في انغمارنا فيها حتى صارت لنا كالظرف بالثوب السابع على لابسه فتشبيه النعم بالثوب استعارة بالكناية وإثبات الإسباغ لها استعارة ترشيحية إذ هي أن يقرن المشبه بما يلائم المشبه به وقد ترشح أيضاً الاستعارة التحقيقية بما يلائم المشبه به كما في قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم فإنه شبه فيه الاستبدال بالاشتراء ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة ونظيره قولك جاوزت بحراً زاخراً تتلاطم أمواجه وآثر رضى الله عنه ما ذكر لأن الترشيح أبلغ من الإطلاق وهو أن لا يذكر ما يلائمهما والتجريد وهو أن يذكر ما يلايم المشبه ومن جمع التجريد معه لاشتماله على تحقيق المبالغة في التشبيه لأن في الاستعارة مبالغة في التشبيه فترشيحها وتزينها بما يلامه تحقيق وتقوية لذلك وقد يجتمع الترشيح مع التجريد كما في قوله:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم
(قوله وألطافه) جمع لطف وهو ما يقع به صلاح العبد آخرة، والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد أو إرادة تسهيل سبيل الخير أو الوقوع فيه بلا استعداد وعلى كل فهما متحدان في الماصدق مختلفان في المفهوم هذا في اصطلاح محتفى العلوم العقلية وأما في اللغة فهما متحدان في المفهوم والماصدق (قوله الجسام) جمع جسيم أي عظيم وفيه من التشبيه والاستعارة ما لا يخفى على من تدبر نحو ما مر (قوله من الأنام) هو الخلق أو الجن والإنس أو جميع ما على وجه الأرض أقوال أشهرها الأول وعليه فكلامه شاملا للملائكة لكن التحقيق الذي عليه أكثر أهل السنة أن في تفضيل الآدميين عليهم تفصيلا وهو أن خواصنا وهم الأنبياء لا غير أفضل من خواصهم وعوامهم، وأن خواصهم كجبريل أفضل من عوامنا كأبي بكر رضى الله عنه وكرم وجهه. وأن عوامنا أفضل من عوامهم فعلم أن المراد بالعوام منا الصلحاء ومقتضى قول ابن يونس من أصحابنا وقال الأكثرون منا إن المؤمن الطائع أفضل منهم وأن المراد بهم المطيعون ويمكن أن يجمع بينهما
4
وَدَعَاهُمْ بِرَأْفَتِيهِ وَرَحْمَتِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وأَكْرَمَهُمْ بِمَا شَرَعَ لَهُمْ مِن حَجِّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، وَيَسَّرَ ذَلكَ عَلَى تَكرُّرِ الدُّهورِ: الأعْوَامِ، وفَرَضَ حَجّه عَلَى مَن اسْتطاع إليْه سَبِيلاً
بأن يقال المراد القائمون بحقوق الله تعالى وحقوق عباده فهؤلاء كما يسمون صلحاء يسمون مطيعين وليس المراد مجرد العدول فيما يظهر ويحتمل خلافه وعلم أيضاً أن ما نقله البيهقى عن جمع من أن الأولياء منا أفضل من الأولياء منهم وكذا ما ذكر عن ابن يونس محمول على ما قررته وإلا فهو ضعيف وأنه لافرق فيما ذكر بين ملائكة الملأ الأعلى والأسفل وإن سلمنا أن الأولين أفضل. هذا ونساء الدنيا أفضل من الحور العين لحديث أم سلمة فى الطبرانى والأوسط والكبير قلت يارسول الله أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال فضل نساء الدنيا كفضل الظهارة على البطانة قلت يا رسول اللّه ولم ذلك قال لصلاتهن وصيامهن وعبادة الله عز وجل وفى رواية قال بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين بفضل الظهارة على البطانة قلت يارسول الله وبم ذلك قال بصلاتهن وصيامهن لله عز وجل ، وحديث أبى هريرة عند البيهقى وأبي يعلى وفيه فيدخل الجنة رجل منهم يمسى على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ اللّه تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ اللّه تعالى بعبادتهما فى الدنيا وهذا يدل على أن النساء أكثر أهل الجنة ويجمع بينه وبين ماورد من أنهن أكثر أهل النار بأنهن أكثر أهلها ابتداء وأكثر أهل الجنة انتهاء (قوله برحمته ورأفته) الرحمة أعم من الرأفة وهما متحدان وعلى كل فالمراد بهما فى حقه تعالى غايتهما وهو التفضل والإحسان أى فهما من صفات الأفعال أو إرادة ذلك فيكونان من صفات الذات وكذا يقال فيماضاهاهما مما يستحيل معناه على اللّه تعالى (قوله دار السلام) هى الجنة سميت بذلك لأن تحيتهم فيها سلام من بعضهم على بعض أو من الملائكة عليهم أو لأن أشرف تحية تنالهم سلام قولا من رب رحيم أو لأن من دخلها سلم من الآفات أو السلام من أسمائه تعالى فهو فى الأول بأقسامه اسم من التسليم بمعنى التحية وفى الثانى مصدر سلم وفى الثالث يحتملهما لكنه استعمل بمعنى السليم من النقائص أو بمعنى المسلم فى الأولى والعقبى (قوله بما شرع لهم) أى بين وفى نسخ شرعه ( قوله الدهور) هو كالأدهر جمع دهر وهو الأمد الممدود وفى الخبر المتفق عليه النهى عن سبه وأنه اللّه ومعناه أن ما أصابك من الدهر فالله هو الفاعل له فسبه سب لله كذا قيل وقضيته حرمة سب الدهر وقياس قولهم يكره سب الريح مع أن سبها سب لله الكراهة فقط وكون سب أحدهما سبباً له تعالى إنما معناه أنه يخشى منه أنه يئول لذلك لا أن مدلول له وإلا کان کفراً فضلا عن كونه حراماً. على أن سبب النهى ما كانت العرب تعتاده من ذمه لما يرونه من أنه الفاعل للنوائب فقال تعالى وأنا الدهر أى الذى أفعل ذلك لا الدهر فى زعمكم وبهذا يرد على من زعم نصب الدهر ظرفاً لما بعده فى
5
من الناس حتى الأغبياء والطفل
الخبر من أقلب الليل والنهار لأنه يلزم على الرفع أنه من أسمائه تعالى ورجحه وده ما تقرر من أن إطلاقه عليه تعالى مجاز لا حقيقة (قوله من الناس) فيه تصريح بأن الحج كان واجباً على من قبلنا فقول ابن خليل شيخ المحب الطبرى الصحيح أنه لم يجب إلا على هذه الأمة نظر فيه العز بن جماعة ورده غيره بما جاء فى نداء إبراهيم عليه السلام لما أمر أن يؤذن فى الناس بالحج من أنه قال إن اللّه كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم فهذه صيغة أمر والأصل فيها الوجوب وأيضاً فقوله تعالى ولله على الناس حج البيت الآية دليل ظاهر فى ذلك واستدل له القاضى بما فيه نظر ظاهر والناس يشمل الإنس والجن بناء على أنه من نوس كما فى القاموس وصرح به قبله صاحب عباب اللغة وعليه ففرض الحج يشمل الجن أيضاً ونقله بعض الحنابلة عن قضية كلام أصحابهم وصرح به السبكى فى فتاويه فقال لا نقول إنهم مكلفون بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم فى أصل الإيمان فقط بل فى كل شىء لأنه إذا ثبت أنه مرسل إليهم كما هو مرسل إلى الإنس والدعوة عامة والشريعة عامة لزمهم جميع التكاليف التى توجد أسبابها فيهم إلا أن يقوم دليل على تخصيص ببعضها فنقول إنه تجب عليهم الصلاة والزكاة إن ملكوا نصاباً بشرطه والحج وصوم رمضان وغيرهما من الواجبات ويحرم عليهم كل حرام فى الشريعة بخلاف الملائكة لا نلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة لهم فى حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم بل يحتمل ذلك ويحتمل الرسالة فى شخص خاص انتهى ثم الحج لغة القصد وقيل كثرته إلى من يعظم ويجوز فتح أوله وكسره وهما مصدران وقيل الأول مصدر والثانى اسم وفى شرح مسلم أنه بالفتح هو المصدر وبالفتح والكسر هو الاسم منه وفى كونه بالفتح اسم مصدر نظر. وشرعاً على ما فى المجموع قصد البيت للأفعال الآتية وقال ابن الرفعة هو نفس تلك الأفعال أى لأنها أجزاؤه فلا وجود له بدونها حتى يقال إنه قصد البيت لأجلها وهو ظاهر وقد يؤول الأول بأن اللام فيه بمعنى مع أو يقال قصد البيت لأجلها يستلزم قصدها وعلى كل فليس المراد بالقصد المذكور نية الدخول فى النسك المعبر عنه بالإحرام بل ما هو أعم من ذلك وهو العزم كما هو ظاهر. والعمرة بضم أوليه وبضم أو فتح فسكون لغة الزيارة وقيل القصد إلى مكان عامر. وشرعاً زيارة البيت للأفعال الآتية على ما تقرر فى الحج (قوله حتى الأغبياء والطغام) الأول جمع غبى بمعجمة فموحدة وهو قليل الفطنة والثانى بمهملة فمعجمة كالسحاب قال فى القاموس أوغاد الناس جمع وغد وهو الأحمق الضعيف الرأى وحتى هنا عاطفة وإن قل العطف بها حتى أنكره الكوفيون وشروط عطفها التى ذكروها خلافاً ووفاقاً موجودة هنا لأن معطوفها اسم ظاهر وبعض مما قبله كقدم الحاج حتى المشاة وغاية لما قبله وهى إما فى زيادة أو نقص كمات الناس حتى الأنبياء وزارك الناس حتى الحجامون والظاهر أنها هنا
6
(أحمده) أَبْلَغَ الْحَمْدِ وَأَكْمَلَهُ، وَأَعْظَمَهُ وَأَهْلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِقْرَارًا بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَإِذْعَانًا لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصَمَدِيَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى مِنْ خَلِيقَتِهِ وَالْمُخْتَارَ مِنْ بَرِيَّتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ
بالمعنى الثاني وكأن حكمته هنا بيان أن فرضية الحج مع عظمه لم تقتصر على العظماء بل تناولت غيرهم أيضًا فإن قلت شرط عطفها على مجرور إعادة الجار فرقًا بينها وبين حتى الجارة وهذا غير موجود هنا قلت هذا قول لابن الخباز خالفه فيه ابن عصفور فجعل إعادته حسنة لا واجبة على أن ابن مالك قيد الأول بأن لا يتعين كونها للعطف وهو ظاهر وإن اعترضه أبو حيان لأن ابن الخباز علل اشتراط إعادة الجار بالفرق بينها وبين الجارة ولا يحتاج للفرق إلا في محل يحتملهما أما ما يتعين فيه العطف فلا فائدة لاشتراط الإعادة وهي في كلام المصنف متعينة للعطف إذ لا يحتمل الجر والعطف إلا إذا صح أن يحل في محلها إلى كاعتكفت في الشهر حتى آخره لأن الجارة بمعنى إلى غالبًا ولا يصح أيضًا كونها ابتدائية لكون الخبر غير مذكور (قوله أبلغ الحمد وأكمله إلى آخره) أبلغه أنهاه وأكمله أتمه من الكمال والتمام والأول انتفاء نقص العوارض والثاني انتفاء نقص الذات وأشمله أعمه ومراده بذلك نسبة عموم المحامد إليه تعالى إجمالًا لا تفصيلًا لعجز سائر البشر عن ذلك ومن ثم قال سيدهم ﷺ سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (قوله وصمديته) هو من المصادر المأخوذة من الأسماء كالشيئية والزيدية ونحوهما والصمد هو الذي لا جوف له أو الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد وقيل غير ذلك (قوله من بريته) أي خليقته والجمع بينهما للتفنن في العبارة (قوله وزاده فضلًا وشرفًا لديه) أي عنده جرى على هذه العبارة في المنهاج والروضة أيضًا وهي صريحة في جواز الدعاء له ﷺ بذلك بل في استحسانه وهو كذلك كما بينته في إفتاء طويل ومن جملة ما ذكرته فيه أن الحليمي والبيهقي صرحا بما يفيده ويرد على من أنكره نظرًا إلى أن الدعاء بالزيادة يقتضي النقص من أن مقامه ﷺ يقبل الزيادة في الثواب وغيره من سائر المراتب والدرجات إذ غاية كماله وإن لم يكن لها حد لا تمنع احتياجه إلى مزيد ترق واستمداد من فضله تعالى الذي لا نهاية له وسؤال الزيادة لا يستلزم إثبات النقص ألا ترى إلى الدعاء الآتي عند رؤية البيت اللهم زد هذا البيت الخ ومن ثم استنبط بعض المتأخرين من حديث أن الدعاء عقب القراءة باجعل ثواب ذلك لسيدنا رسول الله ﷺ أو زيادة في شرفه معناه الدعاء
7
(أما بعد) فإن الحج أحد أركان الدين، ومن أعظم الطاعات لرب العالمين، وهو شعار أنبياء الله وسائر عباد الله الصالحين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن أهم الأمور بيان أحكامه، وإيضاح مناسكه وأقسامه، وذكر مصححاته ومفسداته، وواجباته وآدابه ومسؤولياته وسوابقه ولواحقه وظواهره ودقائقه، وبيان الحرم ومكه،
بتقبل ذلك فيثاب عليه وإذا أثيب أحد من الأمة على الطاعة كان لمعلمه نظير ثوابه أو كذا لمعلم معلمه وهكذا وله واقع مثل ثواب الجميع فهذا معنى الزيادة في شرفه وإن كان شرفه مستقراً كاملاً فعلم أن من طلب الزيادة له طلب تكثير نحو أتباعه سيما العلماء ورفع درجاته ومراتبه العلية وبه يرد ما وقع في فتاوى البلقيني وإن تبعه ولده علم الدين فقال أخذاً من كلام والده لا ينبغي أن يقال اجعل ثواب ما قرأناه زيادة في شرفه إلا بدليل وقد خالفهما شيخا الإسلام المناوي والشمس القاياتي فقالا باستحسان ذلك ووافقهما صاحباهما المحققان الكمال بن الهمام وشيخنا شيخ الإسلام زكريا وقد ذكرت عبارات أولئك وغيرها في الفتاوى فانظر ذلك فإنه مهم وقد وقع فيه خبط وغلط فاحش فاحذره (قوله ومن أعظم الطاعات) فيه رد لقول القاضي حسين إنه أعظمها وأفضلها إذ الأصحاب على خلافه وإن ورد في أحاديث ما يشهد له نعم حج التطوع أفضل من صلاته على ما ذكره الأذرعي وقال إنها مسألة عزيزة النقل اهـ وفيه نظر وكلامهم كالصريح في رده إن أراد حج تطوع لا يقع فرض كفاية كحج الأرقاء والصبيان وإن أراد ما يقع فرض كفاية فلم يفضل حج تطوع صلاته بل حج فرض صلاة تطوع وهذا لا نزاع فيه ومن ثم وجهوا قول الشافعي رضي الله عنه الاشتغال بالعلم أفضل من الصلاة النافلة بأن الاشتغال بالعلم فرض كفاية وهو أفضل من النفل ويأتي ما ذكرته بناء على أن فرض الصدقة أفضل من فرض الحج ونفلها أفضل من نفله وهو ما يدل عليه كثير من العبارات فيما فهم منها كلام العبادي في زياداته من أن حج التطوع أفضل من صدقة التطوع وفي حديث عبد الرزاق أن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله ﷺ عن رجل حج فأكثر أتجعل نفقته في صلة أو عتق فقال ﷺ طواف سبع لا لغو فيه يفضل عتق رقبة وقضيته أن الحج أفضل من العتق وعليه فيكون أفضل من الصدقة إذ العتق أفضل أنواعها (قوله وهو شعار أنبياء الله تعالى) ظاهره أن سائر الأنبياء حجوا لأنه جمع مضاف فيعم وهو الظاهر وقول عروة بن الزبير رضي الله عنهما بلغني أن آدم ونوحاً حجا دون هود وصالح لاشتغالهما بأمر قومهما ثم بعث الله تعالى إبراهيم فحجه وعلم مناسكه ثم لم يبعث الله تعالى نبيًا
8
والمسجد والكعبة، وما يتعلق بهما من الأحكام، وما تميزت به عن سائر بلاد الإسلام، وقد جمعت هذا الكتاب مستوعباً لجميع مقاصدها، مستوفياً لكل ما محتاج إليه من أصولها وفروعها ومعاقدها (وضّمنته) من النفائس مالا ينبغي لطالب الحج أن تفوته معرفته، ولا تعزب عنه خبرته ولم أقتصر فيه على ما يحتاج إليه في الغالب بل ذكرت فيه أيضاً كل ما قد تدعو إليه حاجة الطالب، بحيث لا يخفى عليه شيء من أمر المناسك في معظم الأوقات ولا يحتاج إلى السؤال لأحد عن شيء من ذلك في أكثر الحادثات؛ وقصدت فيه أن يستغني به صاحبه عن استفتاء غيره عما يحتاج إليه؛ وأرجو أن لا يقع
بعده إلا حجه معترض بأنه جاء في أحاديث كثيرة أن هوداً وصالحاً حجا منها قول الحسن في رسالته أن رسول الله ﷺ قال إن قبر نوح وهود وصالح وشعيب فيما بين الركن والمقام وزمزم ومن ثم قال السهيلي في الروض والمحب الطبري وغيرهما الأشبه أنهما حجا ويقول جماعة إن جميع الأنبياء والرسل حجوا البيت ومشى عليه صاحب البيان وابن الرفعة والدميري حيث قالوا لم يبعث الله نبياً إلا حج البيت وحج نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم قبل النبوة وبعدها قبل الهجرة حججاً وعمراً لا يعرف عددها كذا قال ابن حزم لكن صح أنه حج قبل الهجرة حجتين.
((فائدة)) قد يتوهم من الخبر الذي ذكره الحسن كراهة الصلاة بين الركن والمقام وزمزم لأنه مقبرة ورد بأن مقبرة الأنبياء لا تكره الصلاة فيها لأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويتعبدون فإن قلت الكراهة بل الحرمة لازمة من جهة أخرى وهي أن المصلي ثم يستقبل قبر نبي قلت شرط الحرمة أو الكراهة تحقق ذلك وهذا غير محقق هنا (قوله من أصولها) الضمير فيه وفيما بعده للمقاصد ويصح عوده لأحكام المناسك وما معه ويكون المراد جمعه لذلك بطريق الإشارة والعبارة (قوله ولا يعزب) أي يغيب (قوله عن استفتاء غيره) قد يشكل عليه قوله في مجموعه لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي رضي الله عنه
9
لَهُ شَىْءٍ مِنَ الْمسَائِلِ إِلَا وَجَدَهُ فِيهِ مَنْصُوصاً عَلَيْهِ وَأَحْذَف الأدِلَّةَ في مُعظَمِهِ إِيثَاراً للاخْتِصَارِ وخوفاً منَ الإِمْلَالِ بالإِكْثَار، وَأَحْرِصُ عَلَى إِيضارح الْعِبَارَةِ وَإِيجَازِهَا حَيْثُ يَفْهَمُهَا العامي وَلَا يَستبشِعهَا الْفَقِيهُ لِتَعُمَّ فَائِدَتُهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْقَاصِرُ وَالنَّبِيهُ، وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في المناسِكِ كِتَابًا نَفِيسًا وَقَدْ ذَكَرْتُ مَقَاصِدَهُ في هَذَا الْكِتَابِ وَزِدْتُ فِيهِ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ النَّفَائِسِ الَّتِي لَا يستغنى عَنْ مَعْرِفَتِهَا مَنْ لَهُ رَغْبَةٌ مِنَ الطُّلَّابِ، وَعَلَى اللهِ اعْتِمَادِي وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي.
﴿وهَذَا) كِتَابٌ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ: (البَابُ الأَوَّلُ) في آدَابِ السَّفَرِ وَفي آخِرِهِ فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوُجُوبِ الحَجِّ. (البَابُ الثَّانِي)في الإِحْرَامِ وَمُحَرَّمَاتِهِ وَوَاجِبَاتِهِ وَمَسْنوناتِهِ. (البَابُ الثَّالِثُ) في دُخُولِ
أن يكتفى بمصنف أو مصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين لكثرة الاختلاف في الجزم والترجيح وقد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ مخالف للمنصوص وما عليه الجمهور ا.هـ والعامل لنفسه كالمفتي فيما ذكر فلا إشكال كما أشار إليه بقوله من كتب المتقدمين بخلاف من علم أنه لا يثني في كتبه إلا على المعتمد في المذهب كالمصنف وأمثاله فيجوز اعتماده على ما في كتبه نعم الحق أنه لا بد من نوع تفتيش فإن كتب المصنف نفسه كثيرة الاختلاف فيما بينها فلا يجوز لأحد أن يعتمد ما يراه في بعضها حتى ينظر في بقية كتبه أو أكثرها أو يعلم أن ذلك المحل قد أقره عليه شارحه أو المتكلم عليه الذي من عادته حكاية الاختلاف بين كتبه وبيان المعتمد من غيره. فإن قلت إذا خالف المتأخرون أو أكثرهم الشيخين أو المصنف فيؤخذ بماذا، قلت الذي أثرناه عن مشايخنا عن مشايخهم وهكذا أن المعتمد ما عليه الشيخان أو المصنف إلا
10