Ḥaqāʾiq al-maʿrifa
حقائق المعرفة
[[مقدمة المؤلف]]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الأول بلا غاية، الآخر بلا نهاية، الذي لا تحتويه الأمكنة، ولا تضمنه الأزمنة، الذي دل على نفسه بما أظهر من عجيب صنعه، المتنزه عن مشابهة خليقته، الذي ابتدأنا بالكرم والجود، وأخرجنا من العدم إلى الوجود، وتفضل علينا بالعقول، وأكد حجته علينا بالكتاب والرسول، {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما}[النساء:165].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما، وأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخو رسول الله ووصيه، وخليفته في أمته ووليه، وأن الحسن والحسين إمامان عادلان مفترضة طاعتهما، وواجبة على الأمة نصرتهما، وأن الإمامة في ذريتهما محصورة، وعلى غيرهم محظورة، من سار منهم بسيرتهما واحتذا بحذوهما.
أما بعد ..
فإنه لما درس الإسلام، وعطلت الأحكام، وغاض العلم لعدم أهله، وادعاه من لا يعرفه بجهله، رأيت أن أنشر هذا الكتاب، وأبين فيه الحق والصواب، وأذكر طرفا من علم الكلام في الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، لينتفع به من يقف عليه، ويرجع من شذ من الحق إليه؛ طالبا بذلك الثواب من الله، ومتعرضا لرضاء الله. وقد اعتمدت في هذا الكتاب على الاختصار وعدلت عن الإطالة والإكثار، وأنا أسأل الله العصمة من الزلل، والإصابة للحق في القول والعمل.
Page 48
(ذكر تفاصيل المعارف وتسميتها)
المعارف ثلاثة عشر معرفة:
طريق النظر ووجوبه.
ومعرفة الصنع.
ومعرفة الصانع.
ومعرفة التوحيد.
ومعرفة العدل.
ومعرفة النعمة.
ومعرفة شكر المنعم.
ومعرفة البلاء.
ومعرفة الجزاء.
ومعرفة الكتاب.
ومعرفة الرسول.
ومعرفة الإمام.
ومعرفة الاختلاف.
Page 49
باب معرفة النظر
اعلم أيها السامع أن المكلف قد أعطي آلة يبلغ بها -إذا استعملها- ما يصلح دينه ودنياه. أولها وهو أشرفها وأكملها العقل الذكي، ومنها: الحواس الخمس، ومنها: اللسان المترجم لما يفهمه المستمع، ومنها: اعتدال الخلقة في بنية مخصوصة، ومنها: الحياة والروح، وغير ذلك من الآلة المركبة في المكلف لصلاح دينه ودنياه.
Page 50
فصل في الكلام في العقل
وإنما بدأنا بذكر العقل؛ لأنه أكبر الآلات وبه تعرف المعارف كلها، وجميع المعلومات. وإنما سمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن المنكرات، وأصل العقل: العلم، وهو عرض ومحله القلب. أجمع الموحد والملحد على أن العقل هو العلم، وأنه عرض؛ إلا فرقة من الزيدية من أهل زماننا وهم أصحاب مطرف بن شهاب، فإنهم قالوا: (العقل) هو القلب، واستدلوا بقول الله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق:37]، ونسوا قول الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج:46]، وقد فسر الهادي إلى الحق عليه السلام قول الله تعالى: {لمن كان له قلب}، قال: لمن كان له قلب يعقل به، ولو كان العقل هو القلب، لما حسد العاقل عليه، ولا ذم بنقصانه، ولا كان يزول عند النوم وشبهه، إذ ليس كل من له قلب بعاقل؛ كالطفل والمجنون والبهيمة؛ وكل من له عقل فله قلب.
Page 51
وقالت الفلاسفة: محل العقل الدماغ، ودليلهم أنه عند فساد الدماغ يزول العقل ولا حجة لهم في هذا؛ لأن المجبوب لا تنبت لحيته، والفساد واقع بالجب، وموضع نبات الشعر سالم، لكن هنالك مواد من ناحية الموضع جب، فلما انقطعت تلك المواد لم تنبت الشعر، فكذلك لا يمتنع أن يكون هنالك مواد من ناحية الدماغ إلى القلب، وأيضا فالله جعل اللحية دليلا على الذكر، فإذا جب الذكر لم يكن الله ليجعل دليلا على غير مدلول عليه، فمن هنالك لم تنبت له اللحية، إلا النادر من الناس الذي يسمى (الكوسج) الذي ذمه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: ((لا يوجد في أربعين كوسجا رجل خير )).
والعقل على وجهين: ضروري واختياري؛ فالضروري من فطرة الله تعالى، والاختياري فعل العبد.
فالضروري مثل: معرفة استحسان الحسن، واستقباح القبيح؛ وهذه فطرة من الله فطر المكلفين عليها خاصة.
فأما استجلاب المنافع، والنفار عن المضار فذلك عام في جميع الحيوان، وذلك مشاهد، ولا يسمى عقلا لغير المكلفين، بل هو إلهام من الله تعالى (لهم)، وهو سبب حياتهم؛ وإبلاغ من الله في النعمة على المكلفين مثل ما ألهم الله تعالى النحل من فعل ما لا يتأتى لصاحب عقل.
وأما العقل الاختياري فهو نظر المكلف وتمييزه واستدلاله واستنباطه.
قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في جواب مسائل سأل عنها ابنه محمد بن القاسم" فقال: سألت عن العقل في الإنسان أطبع هو، أم مستفاد؟
قال عليه السلام: (هو) الحفظ والذكر، وأصل العقل: فطرة وخلقة.
Page 52
وقال عليه السلام في جوابه للملحد: وما يعرف بالعقل شيئآن:
أحدهما: يعرف ويدرك ببديهته مثل: تحسين الحسن، وتقبيح القبيح، ومثل: شكر المنعم وحسن التفضل، وتقبيح كفر المنعم، والجور، وما جانسه.
والوجه الثاني: وهو الاستدلال والاستنباط الذي ينتجه العقل؛ كمعرفة الصانع، وعلم التعديل، والتجوير، والعلم بحقائق الأشياء.
وقال محمد بن القاسم عليهما السلام في شروط الإيمان المنجي: لأن العقل مسكنه القلب، فيصبح أنه غير القلب، وأنه حال فيه.
وقال المؤيد بالله عليه السلام: فصارت الآثار أصلا في أن كل عضو في الإنسان واحد نحو الأنف والذكر ففيه الدية، وما كان فيه اثنان كاليدين والعينين والرجلين ففيه الدية؛ وفي كل واحد منها نصف الدية؛ وهكذا المعاني وإن لم تكن أعضاء، كالصوت والعقل والسمع والبصر، وهذا مما لا خلاف فيه؛ ذكره في شرح التجريد.
وقال الهادي للحق عليه السلام في جواب مسائل الرازي، وقد سأله عن عقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن عقل أبي جهل؟
فقال عليه السلام: قد أعطى الله أبا جهل (من العقل) فوق ما يحتاج إليه، فأما أن يعطى مثل عقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا، ولا كرامة لأبي جهل. ومثل بمن أعطي شمعة، ومن أعطي شمعتين، وهو ما سأله عن الفؤاد، وإلا كانت الزيادة في اللحمة.
Page 53
وقال أيضا عليه السلام في المسترشد في صفة الإنسان: ثم علق في صدره قلبا، ثم ركب فيه لبا، ثم جعله وعاء للعقل الكامل، وحصنا للروح الجائل. وعلى هذا أجمعت العلماء: أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة ولم نعلم مخالفا لما قلنا من (العلماء) المتقدمين.
قال عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب المعاد والمعاش: وقد أجمعت الحكماء أن العقل المطبوع والكرم الغريزي لا يبلغان غاية الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب، ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح والدهن، وذلك أن العقل الغريزي آلة، والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك.
Page 54
فصل في الكلام في الحواس
اعلم: أن الحواس جعلها الله خمسا؛ لأن المحسوسات خمس، فالحواس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. والحواس أجسام، وفعلها أعراض، وهو الحس.
والمحسوسات خمس وهي: مسموع ومبصر ومشموم ومطعوم وملموس، وهي أجسام وأعراض. فالأعراض: الأصوات والألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والآلام. والأجسام (هي) محال هذه الأعراض، وهي: المصوت والمبصر والمطعوم والمشموم والملموس؛ وعلى هذا أجمع أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة، إلا المطرفية فإنهم قالوا: الحواس لا تدرك إلا الأجسام، والأعراض عندهم لا تدرك إلا بالعلم، وقالوا: هي لا توهم ولا تحل ولا تحل، فنقضوا كلامهم وأثبتوها ثم نفوها.
والعقل الضروري يحكم أن كل معلوم غير الله فهو حال أو محلول، وعليه أجمعت الأمة، إلا ما قالت المعتزلة في الإرادة، وسنذكر إن شاء الله تعالى القول والاحتجاج عند ذكر الأجسام والأعراض في باب معرفة الصنع. وكانت هذه الحواس الخمس تؤدي إلى القلب، وكان اللسان ترجمانا له مع سلامة البنية، وحصول الروح والحياة، فأمكن النظر والتمييز، وبلغ بالعقل صاحبه ما يريد من علم الحقائق وسائر المعلومات.
Page 55
فصل في الكلام في وجوب النظر والاستدلال
اعلم أن العقل يحكم بأن العلم حسن وأن الجهل قبيح، ويحكم أنه يجب على العاقل أن ينظر ويميز إذ قد أعطي آلة النظر والتمييز، ويحكم أنه إن لم ينظر ويميز لم يبلغ إلى استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة، ولا يبلغ إلى إصلاح دين ولا دنيا.
واعلم أن العقل هو أصلح الحجج؛ والكتاب والسنة تأكيد له، والدليل على ذلك، أن الكتاب والسنة ما عرفا إلا بالعقل.
ومما يدل على وجوب النظر أن العلم بحقائق الأشياء لا يتأتى إلا من وجهين: وهما: التقليد والنظر. والتقليد لا يعمل به في الأصول؛ لأن المحق ليس بأولى من المبطل في أن يقلد.
ويؤيد ذلك ما روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن أساءوا أسأنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤا فلا تظلموا)) فبان فساد التقليد، ولم يبق إلا النظر المؤدي إلى الصواب.
Page 56
ويدل أيضا على وجوب النظر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة)). وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا قول إلا بعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة))، فوجب على كل عاقل أن ينظر ويختار (لنفسه) مذهبا يشهد له به العقل والكتاب والرسل والإجماع، وأن يجتهد في إصابة السنة، بالنظر والاستدلال والبينات.
Page 57