Gharāʾib al-tafsīr wa-ʿajāʾib al-taʾwīl

غرائب التفسير وعجائب التأويل

Publisher

دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، مؤسسة علوم القرآن - بيروت

بسم الله الرحمن الرحيم

رب يسر وتمم بالخير

قال الشيخ الإمام، سعد الإسلام، برهان الدين، ضياء الأئمة.

جمال العلماء، قطب الأفاضل، زين المفسرين ورئيس الفريقين، تاج

القراء أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكرماني - رحمه الله وبرد

مضجعه -: نبدأ بسم الله ونحمده ونعبده ونستعينه ونستهديه، ونصلي على محمد خير البرية وعلى آله ونسلم تسليما. وبعد:

فإن أكثر العلماء والمتعلمين في زماننا يرغبون في غرائب تفسير

القرآن وعجائب تأويله، ويميلون إلى المشكلات المعضلات في أقاويله.

فجمعت في كتابي هذا منها، ما أقدر أن فيه مقنعا لرغبتهم ومكتفى

Page 87

لطلبتهم، لما روي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أنه قال - "أعربوا

القرآن والتمسوا غرائبة، فإن الله يحب أن تعرب آي القرآن "، ولما ذكر

ابن عباس - رضي الله عنه -: أن هذا القرآن ذو شجون وفنون

وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، فمن أوغل فيه برفق نجا.

ومن أوغل فيه بعنف هوى".

وأوجزت ألفاظه من غير إطناب، فإن مجتنى كنوز العلم في

اختياره وحسن جمعه واختصاره.

ولم أشتغل بذكر الآيات الظاهرة والوجوه المعروفة المتظاهرة.

ولا بذكر الأسباب والنزول والقصص والفصول.

فإني قد أودعت جميع ذلك في كتابي الموسوم ب " لباب التفاسير".

من غير إفراط مني فيه ولا تقصير.

مستعينا بالله ومعتمدا عليه إنه ولي الإعانة والتوفيق.

Page 88

سورة الفاتحة

من غريب ما ذكر فيه

، أن أصله [بسم - بثلاث كسرات - كسرة الباء.

وهي] مختصة به، لأنه تجرد لعمل الجر، فجعل من عمله عليه علامة.

وكسرة السين، وهي على لغة من قال: سم - بكسر السين -، وأنشد:

بسم الذي في كل سورة: سمه.

وكسرة الميم، وهي إنجراره بالباء، فسكن السين، لتوالي

الكسرات، وهو مما رفض من كلامهم، حتى لم يأت في الأصول كسرتان

متواليتان، إلا في قولهم " إبل " و " إطل " و " امراة بلز " أي عجوز، و "أتان"

Page 89

"إبد"، أي تلد كل عام.

وقال بعضهم بسم - بضم بين كسرتين -.

والضم فيه لغة، وأنشد البيت بالوجهين، ثم سكن السين، إذ ليس في

كلامهم خروج من كسر إلى ضم بناء لازما. وهذان القولان أشد موافقة

للإمام، لأنه فيه بغير ألف.

وفي الاسم لغات، اسم، واسم - بالضم -، وسم - بالكسر -.

وسم - بالضم -، وسمى مثل هدى، واشتقاقه من السمو، لأن الاسم

يسمو مسماه، ويعلوه، وأصله سمو كقنو وحنو، نقل الإعراب من اللام

إلى العين، وحذف اللام، ونقل سكون العين إلى الفاء على غير قياس.

فتعذر الابتداء به، لسكونه، فزيد في أوله ألف الوصل توصلا إلى النطق به.

وليكون جبرا له من حذف لامه، وإذا جمع رد إلى الأصل، وكذلك في

التصغير، تقول في الجمع: أسماء كأقناء وأحناء، وفي التصغير، سمي كقني

وحني.

وذهب الكوفيون إلى: أن اشتقاقه من السمة، وأصله وسم،

Page 90

والاسم سمة للمسمى وعلامة له، ثم حذف فاؤه وزيد في أوله ألف الوصل.

وذهب بعض منهم إلى: أن الواو قلب همزة كإعاء وإشاح، ثم كثر

استعماله، فجعل ألف وصل، والجمع والتصغير، والفعل سمي تسمية.

وعدم النظير يدل على بطلان قولهم.

وعند الجمهور: أصل بسم باسم، كما في قوله: (اقرأ باسم

ربك " و " فسح باسم ربك"، و " بئس الاسم الفسوق)

لكن الألف حذف من الخط لعلتين، إحداهما: كونه ألف وصل.

والثانية كثرة الاستعمال، ولم توجد إحدى العلتين في باسم ربك و " بئس

الاسم " فلم تحذف. وهاتان العلتان غير كافيتين، لأنهما وجدتا في ألف الله

من "بسم الله " ولم تحذف، وإنما يتم إذا أضيفت إليهما علة أخرى. -

فقلت: ولاتصال الباء ب " اسم " وامتزاجه به، بحيث لا يمكن فصله

عنه، بخلاف اتصال بسم بالله، فإنه يمكن فصله عنه والوقف عليه في

الإملاء والاستملاء.

ووزن اسم عند البصريين على اللفظ إفع، ووزن "سم " فع "

ووزنه عند الكوفيين "إعل " أو " فعل "، على من جعل الهمزة بدلا من

Page 91

الواو. ومحل "بسم الله " من الإعراب رفع عند البصريين، وتقديره:

ابتدائي بسم الله، فحذف المبتدأ، وعند الكوفيين نصب بإضمار فعل هو خبر

أو أمر، نحو: أبدأ بسم الله أو أبدأ بسم الله.

العجيب: " بسم الله " قسم في أول كل سورة.

وأجاز الأخفش والكسائي حذف الألف من (اقرأ باسم

ربك، و " فسبح باسم ربك " و (بئس الاسم) .

وخالفا في ذلك جميع القراء - والله أعلم -.

ومن عجيب ما ذكر فيه: قول سليمان بن يسار: الباء: بريء من

الأولاد، والسين: سميع الأصوات، والميم: مجيب الدعوات. وقول سهل

بن عبد الله التستري: الباء: بهاء الله، والسين: ثناء الله، والميم:

Page 92

مجده. وقول أبي بكر الوراق: الباء من بسم الله على ستة أوجه: بارىء

خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه هو الله الخالق البارىء، ثم أخذ يعد

الوجوه، قال: والسين على خمسة أوجه:

والميم على اثني عشر وجها. وعد

الوجوه. وهذه وأمثالها يجب الاستغفار منها، لأن هذا ربما يسوغ في المقطعة

من الحروف، وأما ما ألفت وجعل اسما، وأفعالا وأدوات فلا يسوغ فيها

هذا بوجه من الوجوه.

وحكى الفراء عن الكسائي: أن العرب تقول: اسم - بكسر

الألف -، وأسم - بضمها -، فإذا طرحوا الألف، قال الذين لغتهم كسر

الألف: سم - بالكسر -، وقال الذين لغتهم ضم الألف: سم - بالضم -، وقال بعضهم: هو أمر من سما يسمو، جعل اسما. وذهب أبو عبيدة إلى: أن الاسم زيادة، زيد للفرق بين اليمين والتيمن. وأنشد:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. . . ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

أي ثم السلام عليكم. وقال بعضهم: السلام في البيت هو الله، فلا

يكون الاسم زيادة.

Page 93

ومن غريب ما ذكر في لفظ الله عز اسمه: أن أصله لاها

بالسريانية، حذف الألف من آخره وزيد الألف واللام في أوله. وقريب منه

عند النحاة قول من قال: إلى أنه اسم علم غير مشتق.

ومن عجيب ما ذكر فيه، ما حكاه أبو القاسم بن حبيب في تفسيره

عن جماعة: أن أصل الله، هاء الكنابة، وذلك أنهم أشاروا إليه بما وضع

في نفوسهم من دلائل الفطرة، إذ لم يعلموا له اسما موضوعا، ثم أدخلوا

على الكناية لام الملك، فصار له يعنون له الخلق والأمر، ثم مدوا بها

أصواتهم تعظيما وتفخيما، فقالوا: لاه، ثم وصلوا بلام المعرفة فصار الله.

واعتماد المحققين على قول سيبويه: أحدهما: أن أصله إله.

والثاني: أن أصله ل ي ه "ليه" وقوله - سبحانه -: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) يشهد للقول الأول، وقراءة من قرأ - وإن كانت شاذة - تشهد للقول الثاني، وهي: "في السماء لاه وفي الأرض لاه ". وما حكاه أبو زيد: الحمد لاه رب العالمين، يحتمل الوجهين، لأن أصله لله

Page 94

حذف الجار اكتفاء بدليل عمله عليه، وهو الجر، وحذف لام التعريف.

لأن حذف التنوين يدل عليه، وبقى لاه، يجوز أن يكون من القول الأول بعد حذف الهمزة، ويجوز أن يكون من الثاني.

ويختص اسم الله تعالى بأشياء لا يشاركه فيها غيره من أسماء الله

سبحانه، ولا من سائر الأسماء، أحدها: أن ينادى ب " يا "، والاسم إذا كان فيه الألف واللام ينادى بيا " أيها ". والثاني: قطع ألفه في باب النداء أيضا، نحو: يا ألله بقطع الألف.

والثالث: زيادة الميم المشددة في آخر - اللهم -

عوضا عن ياء النداء، وقد تحذف الألف واللام مع الميم، قال الشاعر:

لا هم إن عامر بن الجهم

والرابع: إدخال التاء عليه في القسم، نحو: تالله، ولا يجوز

تالرحمن ولا غيره.

الخامس: أن يبقى بعد حذف الجار مجرورا، وذلك

في القسم أيضا تقول: الله ما فعلت كذا. والسادس: تفخيم اللام إذا

انفتح ما قبله أو انضم، نحو: إن الله، ويضرب الله، ومن القراء من يفخمه

من الكسرة أيضا، وفد ذكرت هذا مشروحا في شرح كتاب الغاية"، ولا

يجوز تفخحم اللام في شيء سوى الله إلا شاذا، وقول من قال أصله ولاه.

غير مرضي عند النحاة، لأنه لا دليل لقائله عليه.

ومن غريب ما ذكر في الرحمن الرحيم قول ثعلب، قال: الرحمن

Page 95

اسم عجمي، ولهذا أنكرته العرب على ما جاء في القرآن من قوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) .

قال: وهو بالسربانية الرخمن - بخاء معجمة وأنشد:

أو تتركون إلى القسس هجرتكم. . . ومسحكم صلب الرخمن قربانا

الحسن: الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يجوز لأحد من الخلق أن

ينتحلهما، وهذا إجماع.

قال الكسائي: الرحمن كان معروفا عند العرب.

وأنشد بيتا جاهليا:

ألا ضربت تلك الفتاة هجينها. . . ألا قطع الرحمن منها يمينها

وكانوا يسمون مسيلمة الكذاب رحمان اليمامة. قال شاعرهم:

سموت في المجد يا ابن الأكرمين أبا. . . وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا

ومسيلمة تسمى بهذا الاسم جهلا منه - لعنه الله -.

ومن غريب ما جاء في - الحمد: أنه مقلوب "المدح، والفرق بينهما: أن

المدح يقع على صفات الذات وصفات الفعل، والحمد يختص بصفات

الفعل، وقيل: الحمد والشكر واحد، والفرق بينهما: أن الله سبحانه يحمد

ذاته، ولا يشكر، لأن الشكر يستدعي سابقة إحسان.

Page 96