Rawdat al-ʿābidīn
روضة العابدين
Publisher
مكتبة الجيل الجديد
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
Publisher Location
صنعاء - اليمن
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فإن العلم متعدد الفنون، مختلف الموارد، متنوع الغايات والمقاصد. غير أن العلم بشرع الله تعالى هو أصفى تلك العلوم موردا، وأسماها غاية ومقصدا؛ فالوحي منبعُه، وصلاح الدنيا والآخرة هدفه ومقصده.
ومما لا يخفى أن أهله بين الناس قليل، خاصة في هذا الزمن الذي أقبل أكثر الراغبين في العلم على علوم الدنيا- التي منها العلوم النافعة في نطاقها، ومنها العلوم الضارة- وزهدوا عن علوم الدين.
ومع هذه القلة في الإقبال على علوم الشريعة نجد جفافًا روحيًا، وقلة اعتناء بالعمل، وزهدًا في التوجه نحو العبادة، وضعفًا في ظهور آثار العلم على الأقوال والأعمال والأحوال، إلا من رحم ربي.
والعلم إنما يُراد منه العمل، وحسن الأثر في واقع الإنسان الخاص والعام، وكم من مشتغل جعل جُلَّ همه في التحصيل وإدراك المعلومات، وروحُه تشكو الخواء، وقلبه مملوء بالأهواء، ونفسه غير زاكية، وأعماله لا فرق بينها وبين أعمال من لم يعلم!
وما كان هذا علمَ السلف، بل كان علمهم الجمع بين معرفة النصوص والعمل بها في واقع الحياة، وسيأتي معنا في ثنايا الكتاب ما يبرهن على ذلك.
قال ابن الجوزي ﵀: "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في
1 / 5
صلاح القلب، إلا أن يمُزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمرادِ بها" (^١).
وقال الخطيب البغدادي ﵀: " … قال أبو خليفة: سمعت أبا الوليد يقول: سمعت شعبة يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ قال أبو خليفة: يريد شعبة ﵀: أن أهله يضيعون العمل بما يسمعون منه، ويتشاغلون بالمكاثرة به، أو نحو ذلك. والحديث لا يصد عن ذكر الله، بل يهدي إلى أمر الله" (^٢).
وهذا لا يعني التقليل من شأن الاجتهاد في العلم، ولكنه يعني أن لا يُلهي العلمُ صاحبه عن العمل، فيكون كمن ينشغل عن غايته بإجالة النظر في جمال الطريق إليها فيشغله ذلك عن هدفه الذي يريد الوصول إليه.
وهذا حال بعض المنتسبين للعلم: أن يصبح العلم هو الغاية له، وليس وسيلة إلى صلاح القلب والروح، بحيث ينشغل بجمع المعلومات والمعارف ويكاثر بها غيره فتكون هي مرادَه، فيبقى علمه بذلك في الذهن ولا يصل إلى شغاف القلب ولا تتمثل صوره في العمل؛ كأن يعمل أعمالًا تخالف ما عنده من العلم، فيدخل صاحبه بهذه الحال تحت قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
قال ابن القيم ﵀: "وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمَّا فُقد منكم علمُ اليقين، وهو العلم الذى يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه، وترتبِ أثره عليه؛ فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه" (^٣).
(^١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٦١).
(^٢) شرف أصحاب الحديث (ص: ١١٤).
(^٣) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: ١٥٦).
1 / 6
وقال أيضًا عند هذه الآية: " وأعرض عن ذكر المتكاثَر به؛ إرادةً لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثِر به العبدُ غيره- سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده- فهو داخل في هذا التكاثر؛ فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه، والتكاثر في الكتب والتصانيف، وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره" (^١).
إن قلة حضور الرقائق وأسباب صلاح القلوب صارت ظاهرة في القراءة واللقاءات العلمية والاجتماعية لدى بعض طلبة العلم والدعاة، فإذا كان هذا هو واقع من يشتغلون بالعلم، فما هو واقع البعيدين عنه، الغارقين في الدنيا وملهياتها، بل كيف حال المسرفين على أنفسهم بالخطايا؟ ما حال قلوبهم ونفوسهم؟ فلهذا لا نستغرب كثرة الذنوب وقسوة القلوب وضعف زكاء النفوس وقلة الرغبة في الآخرة. فأين ما نحن فيه من مجالس رسول الله ﷺ ولقاءاته؟
قال ابن رجب: "كانت مجالس النبي ﷺ مع أصحابه عامتُها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب؛ إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر وسماه اللهَ ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦].
وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. وقال ابن مسعود: نعمَ المجلس المجلس الذي تنشر فيه الحكمة، وتُرجى فيه الرحمة هي مجالس الذكر. وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر. وقال: مجلس الذكر محياة العلم، ويحدث في القلب الخشوع. والقلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:
(^١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣٠).
1 / 7
بذكرِ الله ترتاحُ القلوبُ … ودنيانا بذِكراه تطيبُ
وأما الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فبما يحصل في مجالس الذكر من ذكر عيوب الدنيا وذمها والتزهيد فيها، وذكر فضل الجنة ومدحها والترغيب فيها، وذكر النار وأهوالها والترهيب منها، وفي مجالس الذكر تنزل الرحمة وتغشى السكينة وتحف الملائكة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده، وهم قوم لا يشقى بهم جليسهم" (^١).
فهكذا ينبغي أن تكون مجالسنا ولقاءاتنا، إلا ما دعت الحاجة إلى الحديث عنه من أمور الدنيا.
وإني لما رأيت حاجة قلوبنا إلى الترقيق، ونفوسنا إلى التزكية في واقعٍ غلب عليه سلطانُ الشهوات والإعراض عن أسباب سمو الروح؛ استعنت بالله تعالى فكتبت فصولًا في الترغيب والترهيب رأيتها-حسب علمي القاصر- أهمَّ ما يحتاج إليه السالك إلى الله تعالى، وسميت جامع هذه الفصول وسِلْكَها بـ"روضة العابدين" رجاء أن تكون بستان وعظٍ يرِده المسلمُ فيقطف من ثماره أسبابًا لصلاح قلبه، ويشتم من عبيره وسائل لصلاح عمله، وليكون مرجعًا للخطيب والواعظ يفيد منه في خطبه ودروسه.
خاصة أنه ضُمِّن كثيرًا من نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة في هذا الشأن، وأُكثرَ النقلُ فيه عن أئمة السلوك وأطباء القلوب؛ كالحسن البصري، وابن الجوزي، والغزالي، وابن القيم وابن رجب، وغيرهم ﵏ أجمعين. ولكلام هؤلاء الأئمة نور يتسلل إلى القلوب فيحدث فيها خيرًا كثيرًا.
قال ابن رجب: " كان الحسن إذا خرج إلى الناس كأنه رجل عاينَ الآخرة، ثم جاء يخبر عنها، وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدُّون الدنيا شيئًا" (^٢).
(^١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ١٥).
(^٢) المرجع السابق (ص: ١٧).
1 / 8
فأقول: ما أحوج الكاتب والقارئ إلى هذه الفصول في الحياة العملية التي ينبغي أن تكون مبنية على خوف الله ورجائه في الفعل والترك، وما أفقرنا إلى حادٍ يقيم القاعد، ويحث السائر، ويسرع بالمبطئ!
وما كتبت هذه السطور إلا لإصلاح النفس أولًا، والنصيحة لغيرها ثانيًا؛ إذ لا يحبس المرءَ تقصيرُه وذنوبه عن النصح والإرشاد لسواه، بل لابد" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير. ولو لم يعظ إلا معصومٌ من الزلل لم يعظ الناسَ بعد رسول الله ﷺ أحد؛ لأنه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظِ العاصين من هو مذنبٌ … فمن يعظ العاصين بعد محمدِ!
قيل للحسن: إن فلانًا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!:
من ذا الذي ما ساءَ قطْ … ومن له الحسنى فقطْ؟
خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يومًا فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه. وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابًا يعظه فيه، وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري.
ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذًا لتواكل الخير، وإذًا لرُفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذًا لاستُحلت المحارم، وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، والشيطانُ وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه، وبما ليس فيه؛ كما قيل:
1 / 9
وأُعلنتِ الفواحشُ في البوادي … وصار الناس أعوانَ المُريبِ
إذا ما عبتُهمْ عابوا مقالي … لِما في القوم من تلك العيوبِ
وودّوا لو كففنا فاستوينا … فصار الناسُ كالشيءِ المشوبِ" (^١)
فنسأل الله أن يصلح قلوبنا وأرواحنا وأعمالنا، وأن يجعل ما نقول أو نكتب أو نقرأ حجة لنا لا علينا، وأن ينفعنا والمسلمين بهذه المواعظ، وأن يوفقنا لكل خير، ويصرف عنا كل شر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
عبد الله بن عبده العواضي
فجر يوم الأحد: ٩/ ١١/ ١٤٣٩ هـ
الموافق: ٢٢/ ٧/ ٢٠١٨ م.
(^١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ١٧).
1 / 10
اعْبُدُوا رَبَّكُم
لقد خلق الله الإنس والجن وأخرجهم إلى هذه الحياة المؤقتة لغاية عظيمة هي عبادته ﷾، كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وهذا هو تكليفهم في الدنيا لينتقلوا بعده إلى دار الآخرة ليلقَوا الجزاء على هذا التكليف.
فمِن المكلَّفين من عمل لهذه الغاية فعبد الله تعالى وحده لا شريك له ففاز في الدنيا والآخرة، ومنهم من زاغ عن هذه الغاية وعبد غير الله ﵎؛ لأسباب اكتسبها حتى آلت به إلى الشقاء.
قال ابن عاشور: " فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإله، ويسوق إلى توحيده، ولكن كسب الناس يجرف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسباب تمكنهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع" (^١).
ولأجل هذه الغاية العظيمة أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فعُرف الرشد من الغي والحق من الضلال.
وكان من بين أولئك الرسل الكرام نبينا محمد ﷺ الذي ختم الله به الرسالات، وأرسله بخير الشرائع وأكملها، وأعدلها وأحسنها هديًا إلى عبادة الله تعالى.
فاهتدى به ﷺ من ﵃ واختارهم لصحبة نبيه ﵊، فكانوا أعبد الناس لربهم بعد نبيهم، وأسرعهم إلى طاعته، والاستقامة
(^١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٧/ ٤٤).
1 / 11
على دينه، قال ابن مسعود: "من كان منكم متأسيًا فليتأسَ بأصحاب محمد ﷺ؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمةِ قلوبًا، وأعمَقَها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقوَمها هديًا، وأحسنَها حالًا، قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ، فاعرفوا لهم فضلَهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (^١).
فمشى على هدي أولئك الأخيار في حسن العبادة وسلامتها من جاء بعدهم، وقرب من عهدهم حينما سار على منوالهم وطريقتهم.
ولازال الزمان يمضي بأهله حتى وصل إلى العصر الحاضر الذي برز فيه جفاف العبادة بين الناس، وقل أهلها، وابتعد الخلق كثيرًا عنها، وغشي وجهَها الصبيح بعضُ المفاهيم الخاطئة، فلم يعد في المجتمع إلا قليل ممن يُعرف بالنسك والزهد والعبادة، وصار أكثر أهل التعبد الذين يُقتدى بهم هم أهل القرون الخوالي، فإذا أردنا الاهتداء بسمت عابد أو التذكير بورع زاهد ألفيناه في صفحات الكتب!
وكان الواقع السالف يعج بهم في الطرقات وهم يدعون الناس إلى النسك برؤيتهم وفعالهم قبل دعوتهم بوعظهم ومقالهم.
ولاشك أنه يوجد في عصرنا زهاد ونساك لكنهم قليل بين جمع كثير ليس كحالهم؛ وذلك عندما طغت على الحياة كثرة الشاردين والغافلين.
حقيقة العبادة ومعناها:
العبادة هي: " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار
(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٢/ ٢٢٧).
1 / 12
والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك؛ من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه. وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه، والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك؛ هي من العبادة لله" (^١).
فالعبادة إذن شاملة لأعمال الباطن وأعمال الظاهر، والأعمال اللازمة والأعمال المتعدية، وتتوزع على أعضاء الإنسان وجوارحه، فللقلب عبادات؛ كالإيمان والإخلاص، وللسان عبادات؛ كالصدق وقراءة القرآن، وللعين عبادات؛ كالبكاء من خشية الله، والنظر في خلق السماوات والأرض بالتفكر، وللأذن عبادات؛ كسماع القرآن والعلم، واستماع حديث الوالدين، ولليد عبادات؛ كالنفقة والجهاد، وللرجل عبادات؛ كالذهاب إلى المساجد، وقضاء حوائج الناس.
وهذا الشمول يعم العبادات المفروضة، والعبادات المستحبة، ويعم عبادات الفعل وعبادات الترك.
ويجمع هذه الأنواع كلها وغيرها اسمُ العبادة الذي يعني: التذلل والخضوع لشرع الله تعالى، بحيث يصبح العبد منقادًا لشرع الله تعالى يحافظ على الواجبات ويسارع إلى المستحبات، ويتجنب المحرمات ويدع المكروهات، ولا يقدِّم على هذا الانقياد والخضوع انقيادًا لهوى أو شهوة، أو طاعة لمخلوق يحول بينه وبين عبادة ربه.
وفي دعاء كشف الهم والحزن: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك …) (^٢).
قال ابن القيم: " قوله: (إنّي عبدك): التزام عبوديّته من الذّلّ والخضوع والإنابة،
(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).
(^٢) رواه أحمد (٧/ ٣٤١).، وهو صحيح.
1 / 13
وامتثال أمر سيّده واجتناب نهيه ودوام الافتقار إليه، واللّجوء إليه والاستعانة به، والتّوكّل عليه، وعياذ العبد به ولياذه به، وأن لا يتعلّق قلبه بغيره محبّة وخوفًا ورجاء. وفيه أيضًا: أنّي عبد من جميع الوجوه: صغيرًا وكبيرًا، حيّا وميّتًا مطيعًا وعاصيًا، معافى ومبتلى، بالرّوح والقلب واللّسان والجوارح، وفيه أيضًا: أنّ مالي ونفسي ملك لك؛ فإنّ العبد وما يملك لسيّده. وفيه أيضًا: أنّك أنت الّذي مننت عليّ بكلّ ما أنا فيه من نعمة فذلك كلّه من إنعامك على عبدك. وفيه أيضًا: أنّي لا أتصرّف فيما خوّلتني من مالي ونفسي إلّا بأمرك، كما لا يتصرّف العبد إلّا بإذن سيّده، وإنّي لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فإن صحّ له شهود ذلك فقد قال: إنّي عبدك حقيقة. ثمّ قال: (ناصيتي بيدك)، أي: أنت المتصرّف فيّ تصرّفني كيف تشاء، لست أنا المتصرّف في نفسي. وكيف يكون له في نفسه تصرّف من نفسه بيد ربّه وسيّده، وناصيته بيده، وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كلّه إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيّده أضعف من مملوك ضعيف حقير، ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له، تحت تصرّفه وقهره، بل الأمر فوق ذلك. ومتى شهد العبد أنّ ناصيته ونواصي العباد كلّها بيد اللّه وحده يصرّفهم كيف يشاء، لم يخفهم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته؛ ولذا قال هود لقومه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] " (^١).
ولابد أن تكون عبادة الله تعالى قائمة على الاستسلام الكامل له سبحانه، والحب التام له ولما شرع، فإن انفرد أحد الأصلين عن الآخر في العبادة فهي عبادة ناقصة.
(^١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٢٢).
1 / 14