Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
وسقوطًا هَذَا لَا يَظُنّهُ إِلَّا كَافِر وَلَا يحققه إِلَّا مُشْركًا فَمَا قَالَ فَقَط رَسُول الله ﷺ لأهل قَرْيَة أَو حلَّة أَو حَيّ وَلَا لراع وَلَا لراعية وَلَا للزنج وَلَا للنِّسَاء لَا أقبل إسلامكم حَتَّى أعلم الْمُسْتَدلّ من غَيره فَإِذا لم يقبل ﵇ ذَلِك فَالْقَوْل بِهِ واعتقاده افك وضلال وَكَذَلِكَ أجمع جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ على الدُّعَاء على الْإِسْلَام وقبوله من كل وَاحِد دون ذكر اسْتِدْلَال ثمَّ هَكَذَا جيلًا فجيلًا حَتَّى حدث من لَا قدر لَهُ فَإِن قَالُوا قد قَالَ الله ﷿ ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ قُلْنَا نعم وَهَذَا حق وَإِنَّمَا قَالَه الله ﷿ لن خَالف الْحق الَّذِي أَمر ﷿ الْجِنّ والأنس باتباعه وَهَكَذَا القَوْل إِن كل من قَالَ قولا خَالف فِيهِ مَا أَمر الله ﷿ باتباعه فَسَوَاء اسْتدلَّ بِزَعْمِهِ وَلم يسْتَدلّ هَذَا مُبْطل غير مَعْذُور إِلَّا من عذره الله ﷿ فبمَا عذره فِيهِ كالمجتهدين من الْمُسلمين يخطأ قَاصِدا إِلَى الْحق فَقَط مَا لم يقم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاند وَأما من اتبع الْحق فَمَا كلفه الله ﷿ قطّ برهانًا والبرهان قد ثَبت بِصِحَّة كل مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ فَسَوَاء علمه فتبع الرَّسُول ﷺ بِعِلْمِهِ حَسبه أَنه عَالم بِالْحَقِّ مُعْتَقد لَهُ موقن بِهِ وَإِن جهل برهانه الَّذِي قد علمه غَيره وَهَذَا خلق الله ﷿ الْإِيمَان وَالْعلم فِي نَفسه كَمَا خلقه فِي نفس الْمُسْتَدلّ وَلَا فرق قَالَ تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ فسماهم داخلين فِي دينه وَإِن كَانُوا أَفْوَاجًا وَمَا شَرط الله ﷿ قطّ أَولا رَسُوله ﷺ أَن يكون ذَلِك باستدلال بل هَذَا شَرط من شَرط ذَلِك مِمَّن قذفه إِبْلِيس فِي قلبه وعَلى لِسَانه ليخرجه إِلَى تَكْفِير الْأمة وَلَا عجب أعجب من اطباق هَذِه الطَّائِفَة الضَّالة المخذولة على أَنه لَا يَصح لأحد إِيمَان حَتَّى يسْتَدلّ على ذَلِك وَلَا يَصح لأحد اسْتِدْلَال حَتَّى يكون شاكا فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ غير مُصدق بهَا فَإِذا كَانَ ذَلِك صَحَّ لَهُ الِاسْتِدْلَال وَإِلَّا فَلَيْسَ مُؤمنا فَهَل سمع بأحمق أَو أَدخل فِي الْحمق وَالْكفْر من قَول من قَالَ لَا يُؤمن أحد حَتَّى يكفر بِاللَّه تَعَالَى وبالرسول ﷺ وَإِن من آمن بهما وَلم يكفر بهما قطّ فَهُوَ كَافِر مُشْرك نبرأ إِلَى الله تَعَالَى من كل من قَالَ بِهَذَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فهذان طَرِيقَانِ لَا ثَالِث لَهما كل طَرِيق مِنْهَا تَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا من اتبع الَّذِي أمره الله تَعَالَى ﷿ باتباعه وَهُوَ رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مُؤمن عَالم حَقًا سَوَاء اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ لِأَنَّهُ فعل مَا أمره الله تَعَالَى بِهِ ثمَّ يَنْقَسِم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ أَحدهمَا من لم يتبع قطّ غَيره ﵊ وَوَافَقَ الْحق بِتَوْفِيق الله ﷿ فَهَذَا فِي كل عقد اعْتقد أَجْرَانِ وَأما أَن يكون حرم موافقه الْحق وَهُوَ مُرِيد فِي أمره ذَلِك اتِّبَاع رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مَعْذُور مأجور آجرا وَاحِدًا مَا لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاندها وَهَذَا نَص قَوْله ﵇ فِي الْحَاكِم الْمُجْتَهد الْمُصِيب والمخطئ وَالطَّرِيق الثَّانِيَة من اتبع غير الَّذِي أمره الله باتباعه فَهَذَا سَوَاء اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ هُوَ مُخطئ ظَالِم عَاص لله تَعَالَى وَكَافِر على حسب مَا جَاءَت بِهِ الدّيانَة فِي أمره ثمَّ يَنْقَسِم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ أَحدهمَا أصَاب مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ غير قَاصد إِلَى اتِّبَاعه ﵊ فِيهِ وَالْآخر لم يصبهُ فكلاهما لَا خير فِيهِ وَكِلَاهُمَا آثم غير مأجور وَكِلَاهُمَا عَاص لله ﷿ أَو كَافِر على حسب مَا جَاءَت بِهِ الدّيانَة من أمره لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا تَعَديا حُدُود الله ﷿ فِيمَا أَمرهم بِهِ من ابْتَاعَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَلَا ينْتَفع بإصابته الْحق إِذْ لم يصبهُ من الطَّرِيق الَّتِي لم يَجْعَل الله طلب الْحق وَأَخذه إِلَّا من قبلهَا وَقد علمنَا أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يوافقون الْحق فِي كثير كإقرارهم بنبوة مُوسَى ﵇ وكتوحيد بَعضهم لله تَعَالَى فَمَا انتفعوا بذلك إِذْ لم يعتقدوا اتبَاعا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
5 / 70