667

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

بسيط غير مركب من طبائع شَتَّى فَهُوَ طبيعة وَاحِدَة وَمَا كَانَ طبيعة وَاحِدَة فقوته فِي جَمِيع أَبْعَاضه وَفِي بعض أَبْعَاضه سَوَاء كالنار تحرق بكلها وببعضها ثمَّ لَا نَدْرِي مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض علينا بِهَذَا السُّؤَال وَلَا مَا وَجه استدلالهم مِنْهُ على أَنَّهَا غير جسم وَلَو عكس عَلَيْهِم فِي إبِْطَال دَعوَاهُم أَنَّهَا جَوْهَر لَا جسم لما كَانَ بَينهم وَبَين السَّائِل لَهُم بذلك فرق أصلا وَقَالُوا أَن من شَأْن الْجِسْم أَنَّك إِذا زِدْت عَلَيْهِ جسمًا آخر زَاد فِي كميته وَثقله قَالُوا فَلَو كَانَت النَّفس جسمًا ثمَّ داخلت الْجِسْم الظَّاهِر لوَجَبَ أَن يكون الْجَسَد حِينَئِذٍ أثقل مِنْهُ دون النَّفس وَنحن نجد الْجَسَد إِذا فارقته النَّفس أثقل مِنْهُ إِذا كَانَت النَّفس فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة بَاطِلَة كَاذِبَة لِأَنَّهُ لَيْسَ كل جسم كَمَا ذكرُوا من أَنه إِذا زيد عَلَيْهِ جسم آخر كَانَ أثقل مِنْهُ وَحده وَإِنَّمَا يعرض هَذَا فِي الْأَجْسَام الَّتِي تطلب المركز وَالْوسط فقطيعتي الَّتِي فِي طبعها أَن تتحرك سفلًا وترسب من المائيات والأرضيات وَأما الَّتِي تتحرك بطبعها علوا فَلَا يعرض ذَلِك فِيهَا بل الْأَمر بالضد وَإِذا أضيف جسم مِنْهَا إِلَى جسم ثقيل خففه فَإنَّك ترى أَنَّك لَو نفخت زقا من جلد ثَوْر أَو جلد بعير أَو أمكن حَتَّى يمتلئ هُوَ آثم وزنته فَإنَّك لَا نجد على وَزنه زِيَادَة على مِقْدَار وَزنه لَو كَانَ فَارغًا أصلا وَكَذَلِكَ مَا صعد من الزقاق وَلَو أَنه ورقة سوسنة منفوخة وَنحن نحسد الْجِسْم الْعَظِيم الَّذِي إِذا أضفته إِلَى الْجِسْم الثقيل خففه جدا فَإنَّك لَو رميت الزق غير المنفوخ فِي المَاء الرسب فَإِذا نفخته ورميت بِهِ خف وعام وَلم يرسب وَكَذَلِكَ يَسْتَعْمِلهُ العائمون لِأَنَّهُ يرفعهم عَن المَاء ويمنعهم من الرسوب وَهَكَذَا النَّفس مَعَ الْجَسَد وَهُوَ بَاب وَاحِد كلى لِأَن النَّفس جسم علوي فلكي أخف من الْهَوَاء وأطلب للعلو فَهِيَ تخفف الْجَسَد إِذا كَانَت فِيهِ فَبَطل تمويهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت النَّفس جسمًا لكَانَتْ ذَات خاصية إِمَّا خَفِيفَة وَإِمَّا ثَقيلَة وَإِمَّا حارة وَإِمَّا بَارِدَة وَإِمَّا لينَة وَإِمَّا خشنة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد نعم هِيَ خَفِيفَة فِي غَايَة الخفة ذاكرة عَاقِلَة مُمَيزَة حَيَّة هَذِه خواصها وحدودها الَّتِي بَانَتْ بهَا عَن سَائِر الْأَجْسَام المركبات مَعَ سَائِر أعراضها المحمولة فِيهَا من الْفَضَائِل والرذائل وَأما الْحر واليبس وَالْبرد والرطوبة واللين والخشونة فَإِنَّمَا هِيَ من أَعْرَاض عناصر الأجرام الَّتِي دون الْفلك خَاصَّة وَلَكِن هَذِه الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة مُؤثرَة فِي النَّفس اللَّذَّة أَو الْأَلَم فَهِيَ منفعلة لكل مَا ذكرنَا وَهَذَا يثبت أَنَّهَا جسم قَالُوا إِنَّمَا من كَانَ الْأَجْسَام فكيفياته محسوسة وَمَا لم تكن كيفياته محسوسة فَلَيْسَ بجسم وكيفيات النَّفس إِنَّمَا هِيَ الْفَضَائِل والرذائل وَهَذَانِ الجنسان من الكيفيات ليسَا محسوسين فَالنَّفْس لَيست جسمًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة كَاذِبَة لِأَن قَوْلهم أَن مَا تحس كيفياته فَلَيْسَ جسمًا دَعْوَى كَاذِبَة لَا برهَان عَلَيْهَا أصلا لَا عَقْلِي وَلَا حسي وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ قَول سَاقِط ومطروح لَا يعجز عَن مثله أحد وَلَكنَّا لَا نقنع بِهَذَا دون أَن نبطل هَذِه الدَّعْوَى ببرهان حسي ضَرُورِيّ بعون الله تَعَالَى وَهُوَ أَن الْفلك جسم وكيفياته غير محسوسة وَأما اللَّوْن اللازوردي الظَّاهِر فَإِنَّمَا يتَوَلَّد فِيمَا دونه من امتزاج بعض العناصر وَوُقُوع خطّ الْبَصَر عَلَيْهَا وبرهان ذَلِك تبدل ذَلِك اللَّوْن بِحَسب الْعَوَارِض المولدة لَهُ فَمرَّة ترَاهُ أَبيض صافي الْبيَاض وَمرَّة ترى حمرَة ظَاهِرَة فصح أَن قَوْلهم دَعْوَى مُجَرّدَة كَاذِبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن الْجِسْم تتفاضل أَنْوَاعه فِي وُقُوع الْحَواس عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَا يدْرك لَونه وطعمه وريحه وَمِنْه مَا لَا يدْرك مِنْهُ إِلَّا المجسة فَقَط كالهواء وَمِنْهَا النَّار فِي عنصرها لَا يَقع عَلَيْهَا شَيْء من الْحَواس أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه وَهِي جسم عَظِيم المساحة مُحِيط بالهواء كُله فَوَجَبَ من هَذَا أَن الْجِسْم كل مَا زَاد لطافة وصفاء لم تقع عَلَيْهِ الْحَواس وَهَذَا حكم النَّفس وَمَا دون النَّفس فأكثره محسوس للنَّفس لَا حس الْبَتَّةَ إِلَّا للنَّفس وَلَا حساس إِلَّا هِيَ فَهِيَ حساسة لَا محسوسة وَلم يجب قطّ لَا بعقل وَلَا بحس أَن يكون كل حساس محسوسًا فَسقط قَوْلهم

5 / 50