665

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

موَات فَبَطل قَول ابْن كيسَان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَول من قَالَ أَنَّهَا مزاج كَمَا قَالَ جالينوس فَإِن كل مَا ذكرنَا مِمَّا أبطلنا بِهِ قَول أبي بكر بن كيسَان فَإِنَّهُ يبطل أَيْضا قَول جالينوس وَأَيْضًا فَإِن العناصر الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا تركب الْجَسَد وَهِي التُّرَاب وَالْمَاء والهواء وَالنَّار فَإِنَّهَا كلهَا موَات بطبعها وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع والمحال الَّذِي لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يجْتَمع موَات وموات وموات وموات فَيقوم مِنْهَا حَيّ وَكَذَلِكَ محَال أَن تَجْتَمِع بوارد فَيقوم مِنْهَا حَار أَو حوار فيجتمع مِنْهَا بَارِد أَو حَيّ وَحي وَحي فَيقوم مِنْهَا موَات فَبَطل أَن تكون النَّفس مزاجًا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَول من قَالَ أَنَّهَا عرض فَقَط وَقَول من قَالَ إِنَّمَا النَّفس النسيم الدَّاخِل وَالْخَارِج من الْهَوَاء وَأَن الرّوح هُوَ عرض وَهُوَ الْحَيَاة فَإِن كلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يبطلان بِكُل مَا ذكرنَا ابطلال قَول الْأَصَم ابْن كيسَان وَأَيْضًا فَإِن أهل هذَيْن الْقَوْلَيْنِ ينتمون إِلَى الْإِسْلَام وَالْقُرْآن يبطل قَوْلهم نصا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾ فصح ضَرُورَة أَن النَّفس غير الأجساد وَأَن الْأَنْفس هِيَ المتوفاة فِي النّوم وَالْمَوْت ثمَّ ترد عِنْد الْيَقَظَة وَتمسك عِنْد الْمَوْت وَلَيْسَ هَذَا التوفي للأجساد أصلا وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن الْعرض لَا يُمكن أَن يتوفى فيفارق الْجِسْم الْحَامِل لَهُ وَيبقى كَذَلِك ثمَّ يرد بعضه ويمسك بعضه هَذَا مَا لَا يكون وَلَا يجوز لِأَن الْعرض يبطل بمزايلته الْحَامِل لَهُ وَكَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يظنّ ذُو مسكة من عقل أَن الْهَوَاء الْخَارِج والداخل هُوَ المتوفي عِنْد النّوم وَكَيف ذَلِك وَهُوَ بَاقٍ فِي حَال النّوم كَمَا كَانَ فِي حَال الْيَقَظَة وَلَا فرق وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن يعذب الْعرض وَلَا الْهَوَاء وَأَيْضًا قَالَ الله ﷿ يَقُول ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ الْآيَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ آيَة ترفع الأشكال جملَة وَتبين أَن النَّفس غير الْجَسَد وَإِنَّمَا هِيَ الْعَاقِلَة المخاطبة المكلفة لِأَنَّهُ لَا يشك ذُو حس سليم فِي أَن الأجساد حِين أَخذ الله عَلَيْهَا هَذَا الْعَهْد كَانَت مبددة فِي التُّرَاب وَالْمَاء والهواء وَالنَّار وَنَصّ الْآيَة يَقْتَضِي مَا قُلْنَا فَكيف وفيهَا نَص أَن الأشهاد إِنَّمَا وَقع على النُّفُوس وَمَا أَدْرِي كَيفَ تَنْشَرِح نفس مُسلم بِخِلَاف هَذِه النُّصُوص وَكَذَلِكَ أَخْبَار رَسُول الله ﷺ أَنه رأى عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا لَيْلَة أسرِي بِهِ عَن يَمِين آدم وَعَن يسَاره نسم بنيه فَأهل السَّعَادَة عَن يَمِينه وَأهل الشقاوة عَن يسَاره ﵇ وَمن الْبَاطِل أَن تكون الْأَعْرَاض بَاقِيَة هُنَالك أَو أَن يكون النسيم هُنَالك وَهُوَ هَوَاء مُتَرَدّد فِي الْهَوَاء
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَو كَانَ مَا قَالَه أَبُو الْهُذيْل والباقلاني وَمن قلدهما حَقًا لَكَانَ الْإِنْسَان يُبدل فِي كل سَاعَة ألف ألف روح وأزيد من ثَلَاث مائَة نفس ألف لِأَن الْعرض عِنْدهم لَا يبْقى وَقْتَيْنِ بل يفنى ويتجدد عِنْدهم أبدا فَروح كل حَيّ على قَوْلهم فِي كل وَقت غير روحه الَّتِي كَانَت قبل ذَلِك وَهَكَذَا تتبدل أَرْوَاح النَّاس عِنْدهم بِالْخِطَابِ وَكَذَلِكَ بِيَقِين يُشَاهد كل أحد أَن الْهَوَاء الدَّاخِل بالتنفس ثمَّ يخرج هُوَ غير الْهَوَاء الدَّاخِل بالتنفس الثَّانِي فالإنسان يُبدل على قَول الأشعرية أنفسًا كَثِيرَة فِي كل وَقت وَنَفسه الْآن غير نَفسه آنِفا وَهَذَا حمق لَا خَفَاء بِهِ فَبَطل قَول الْفَرِيقَيْنِ بِنَصّ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والمشاهدة والمعقول وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين هَذَا مَعَ تعريهما من الدَّلِيل جملَة وَأَنَّهَا دَعْوَى فَقَط وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَقد صرح الباقلاني عِنْد ذكره لما يعْتَرض فِي أَرْوَاح الشُّهَدَاء وأرواح آل فِرْعَوْن فَقَالَ هَذَا يخرج على وَجْهَيْن بِأَن يوضع عرض الْحَيَاة فِي أقل جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَقَالَ بعض من شَاهَدْنَاهُ مِنْهُم تُوضَع الْحَيَاة فِي عجب الذَّنب وَاحْتج بالْخبر عَن رَسُول الله ﷺ كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب وَمِنْه يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَفِي روليه مِنْهُ خلق وَفِيه يركب

5 / 48