578

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

وساء فعل ذَلِك فِي صِحَّته أَو فِي مَرضه وَعند مَوته إِذْ لَا نَص وَلَا إِجْمَاع على الْمَنْع من أحد هَذِه الْوُجُوه كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ بِأبي بكر وكما فعل أَبُو بكر بعمر وكما فعل سُلَيْمَان بن عبد الْملك بعمر بن عبد الْعَزِيز وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي نختاره ونكره غَيره لما فِي هَذَا الْوَجْه من اتِّصَال الْإِمَامَة وانتظام أَمر الْإِسْلَام وَأَهله وَرفع مَا يتخوف من الِاخْتِلَاف والشغب مِمَّا يتَوَقَّع فِي غَيره من بَقَاء الْأمة فوضى وَمن انتشار الْأَمر وارتفاع النُّفُوس وحدوث الأطماع
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) إِنَّمَا أنكر من أنكر من الصَّحَابَة ﵃ وَمن التَّابِعين بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة والوليد وَسليمَان لأَنهم كَانُوا غير مرضيين لَا لِأَن الإِمَام عهد إِلَيْهِم فِي حَيَاته وَالْوَجْه الثَّانِي إِن مَاتَ الإِمَام وَلم يعْهَد إِلَى أحد أَن يُبَادر رجل مُسْتَحقّ للْإِمَامَة فيدعو إِلَى نَفسه وَلَا مُنَازع لَهُ فَفرض أَتْبَاعه والانقياد لبيعته والتزام إِمَامَته وطاعته كَمَا فعل عَليّ إِذْ قتل عُثْمَان ﵄ وكما فعل ابْن الزبير ﵄ وَقد فعل خَالِد بن الْوَلِيد إِذْ قتل الْأُمَرَاء زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَعبد الله بن رَوَاحَة فَأخذ خَالِد الرَّايَة عَن غَيره أمره وَصوب ذَلِك رَسُول الله ﷺ إِذْ بلغه فعله وساعد خَالِدا جَمِيع الْمُسلمين ﵃ وَأَن يقوم كَذَلِك عِنْد ظُهُور مُنكر يرَاهُ فتلزم معاونته على الْبر وَالتَّقوى وَلَا يجوز التَّأَخُّر عَنهُ لِأَن ذَلِك معاونة على الْإِثْم والعدوان وَقد قَالَ ﷿ ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ كَمَا فعل يزِيد بن الْوَلِيد وَمُحَمّد بن هَارُون الْمهْدي ﵏ وَالْوَجْه الثَّالِث أَن يصير الإِمَام عِنْد وَفَاته اخْتِيَار خَليفَة الْمُسلمين إِلَى رجل ثِقَة أَو إِلَى أَكثر من وَاحِد كَمَا فعل عمر ﵁ عِنْد مَوته وَلَيْسَ عندنَا فِي هَذَا الْوَجْه إِلَّا التَّسْلِيم لما أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ وَلَا يجوز التَّرَدُّد فِي الِاخْتِيَار أَكثر من ثَلَاث لَيَال للثابت عَن رَسُول الله ﷺ من قَوْله من بَات لَيْلَة لَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة وَلِأَن الْمُسلمين لم يجتمعوا على ذَلِك أَكثر من ذَلِك وَالزِّيَادَة على ذَلِك بَاطِل لَا يحل على أَن الْمُسلمين يَوْمئِذٍ من حِين موت عمر ﵁ قد اعتقدوا بيعَة لَازِمَة فِي أَعْنَاقهم لَازِمَة لأحد أُولَئِكَ السِّتَّة بِلَا شكّ فهم وَإِن لم يعرفوه بِعَيْنِه فَهُوَ بِلَا شكّ وَاحِد من أُولَئِكَ السِّتَّة فبأحد هَذِه الْوُجُوه تصح الْإِمَامَة وَلَا تصح بِغَيْر هَذِه الْوُجُوه الْبَتَّةَ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَإِن مَاتَ الإِمَام وَلم يعْهَد إِلَى إِنْسَان بِعَيْنِه فَوَثَبَ رجل يصلح للْإِمَامَة فَبَايعهُ وَاحِد فَأكْثر ثمَّ قَامَ آخر ينازعه وَلَو بطرفة عين بعده فَالْحق حق حق الأول وَسَوَاء كَانَ الثَّانِي أفضل مِنْهُ أَو مثله أَو دونه لقَوْل رَسُول الله ﷺ قوا بيعَة الأول فَالْأول من جَاءَ ينازعه فاضربوا عُنُقه كَائِنا من كَانَ فَلَو قَامَ اثْنَان فَصَاعِدا مَعًا فِي وَقت وَاحِد ويئس من معرفَة أَيهمَا بيعَته نظر أفضلهما وأسوسهما فَالْحق لَهُ وَوَجَب نزع الآخر لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَمن الْبر تَقْلِيد الاسوس وَلَيْسَ هَذَا بيعَة مُتَقَدّمَة يجب الْوَفَاء بهَا ومحاربة من نَازع صَاحبهَا فَإِن اسْتَويَا فِي الْفضل قدم الأسوس نعم وَإِن كَانَ أقل فضلا إِذا كَانَ مُؤديا للفرائض وَالسّنَن مجتنبًا للكبائر ومستترا بالصغائر لِأَن الْغَرَض من الْإِمَامَة حسن السياسة وَالْقُوَّة على الْقيام بالأمور فَإِن اسْتَويَا فِي الْفضل والسياسة اقرع بَينهمَا أَو نظر فِي غَيرهمَا وَالله ﷿ لَا يضيق على عباده هَذَا الضّيق وَلَا يوقفهم على هَذَا الْحَرج لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَهَذَا أعظم الْحَرج وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق

4 / 131