564

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

من الْمُنَافِقين فَهُوَ من أهل الْجنَّة يَقِينا لِأَنَّهُ قد وعدهم الله تَعَالَى الْحسنى كلهم وَأخْبر أَنه لَا يخلف وعده وَإِن من سبقت لَهُ الْحسنى فَهُوَ مبعد من النَّار لَا يسمع حَسِيسهَا وَلَا يحزنهُ الْفَزع الْأَكْبَر وَهُوَ فِيمَا اشْتهى خَالِد وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) لقد خَابَ وخسر من رد قَول ربه ﷿ أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين تَحت الشَّجَرَة وَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وَقد علم كل أحد لَهُ أدنى علم أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعليًا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار والمغيرة بن شُعْبَة ﵃ من أهل هَذِه الصّفة والخوارج وَالرَّوَافِض قد انتظمت الطائفتان الملعونتان البريئة مِنْهُم خلافًا لله ﷿ وعنادًا لَهُ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فَهَذَا قَوْلنَا فِي الصَّحَابَة ﵃ فَأَما التابعون وَمن بعدهمْ فَلَا نقطع على غيبهم وَاحِدًا وَاحِدًا الْأَمر بَان مِنْهُ احْتِمَال الْمَشَقَّة فِي الصَّبْر للدّين ورفض الدُّنْيَا لغير غَرَض استعجله إِلَّا أننا لَا نَدْرِي على مَاذَا مَاتَ وَإِن بلغنَا الْغَايَة فِي تعظيمهم وتوقيرهم وَالدُّعَاء بالمغفرة وَالرَّحْمَة والرضوان لَهُم لَكِن نتولاهم جملَة قطعا ونتولى كل إِنْسَان مِنْهُم بِظَاهِرِهِ وَلَا نقطع على أحد مِنْهُم بجنة وَلَا نَار لَكِن نرجو لَهُم ونخاف عَلَيْهِم إِذْ لَا نَص فِي إِنْسَان مِنْهُم بِعَيْنِه وَلَا يحل الْإِخْبَار عَن الله ﷿ إِلَّا بِنَصّ من عِنْده لَكِن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ خَيركُمْ الْقرن الَّذِي بعثت فيهم ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ وَمعنى هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ كل قرن من هَذِه الْقُرُون الَّتِي ذكر ﵇ أَكثر فضلا بِالْجُمْلَةِ من الْقرن الَّذِي بعده لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ وبرهان ذَلِك أَن قد كَانَ فِي عصر التَّابِعين من هُوَ أفسق الْفَاسِقين كمسلم بن عقبَة المري وحبيش بن دلحة القبني وَالْحجاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وقتلة عُثْمَان وقتلة ابْن الزبير وقتلة الْحُسَيْن ﵃ وَلعن قَتلتهمْ وَمن بَعثهمْ فَمن خَالف قَوْلنَا فِي هَذَا الْخَبَر لزمَه أَن يَقُول أَن هَؤُلَاءِ الْفُسَّاق الأخابث أفضل من كل فَاضل فِي الْقرن الثَّالِث وَمن بعده كسفيان الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض ومسعر بن كدام وَشعْبَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ووكيع وَابْن مبارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَدَاوُد بن عَليّ ﵃ وَهَذَا مَا لَا يَقُوله أحد وَمَا يبعد أَن يكون فِي زَمَاننَا وفيمن يَأْتِي بَعدنَا من هُوَ أفضل رجل من التَّابِعين عِنْد الله ﷿ إِذْ لم يَأْتِ فِي الْمَنْع من ذَلِك نَص وَلَا دَلِيل أصلا والْحَدِيث الْمَأْثُور فِي أويس الفرني لَا يَصح لِأَن مَدَاره على اسيد بن جَابر وَلَيْسَ بالقوى وَقد ذكر شُعْبَة أَنه سَأَلَ عَمْرو بن مرّة وَهُوَ كُوفِي قَرْني مرادي من أشرف مرَادا وأعلمهم عَن اويس الْقَرنِي فَلم يعرفهُ فِي قومه وَأما الصَّحَابَة ﵃ فبخلاف هَذَا وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يلْحق أقلهم دَرَجَة أحد من أهل الأَرْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَذهب بعض الروافض إِلَى أَن لِذَوي قرَابَة رَسُول الله ﷺ فضلا بِالْقَرَابَةِ فَقَط وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ وَبِقَوْلِهِ ﷿ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وأبعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله لَا حجَّة فِيهِ أما إخْبَاره تَعَالَى بِأَنَّهُ اصْطفى آل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يَعْنِي كل مُؤمن فقد قَالَ ذَلِك بعض الْعلمَاء أَو يَعْنِي مُؤمن أهل بَيت إِبْرَاهِيم وَعمر أَن لَا يجوز غير هَذَا لِأَن آزر وَالِد إِبْرَاهِيم

4 / 117