536

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

مِمَّا لَا يقوم بِهِ حجَّة ممالة وَجه ظَاهر من أَن هَذَا الْأَثر خَفِي على عمر ﵁ كَمَا خَفِي عَلَيْهِ كثير من أَمر رَسُول الله ﷺ كالاستئذان وَغَيره أَو أَنه أَرَادَ استخلافًا بعد مَكْتُوب وَنحن نقر أَن اسْتِخْلَاف أبي بكر لم يكن بِكِتَاب مَكْتُوب وَأما الْخَبَر فِي ذَلِك عَن عَائِشَة فَكَذَلِك نصا وَقد يخرج كَلَامهَا على سُؤال سَائل وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي رِوَايَتهَا لَا فِي قَوْلهَا وَأما من ادّعى أَنه إِنَّمَا قدم قِيَاسا على تَقْدِيمه إِلَى الصالة فَبَاطِل بِيَقِين لِأَنَّهُ لَيْسَ كل من اسْتحق الْإِمَامَة فِي الصالة يسْتَحق الْإِمَامَة فِي الْخلَافَة إِذْ يسْتَحق الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة اقْرَأ الْقَوْم وَإِن كَانَ أعجميًا أَو عَرَبيا وَلَا يسْتَحق الْخلَافَة إِلَّا فرشى فَكيف وَالْقِيَاس كُله بَاطِل
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) فِي نَص الْقُرْآن دَلِيل على صِحَة خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وعَلى وجوب الطَّاعَة لَهُم وَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ مُخَاطبا لنَبيه ﷺ فِي الْأَعْرَاب ﴿فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ وَكَانَ نزُول سُورَة بَرَاءَة الَّتِي فِيهَا هَذَا الحكم بعد غَزْوَة تَبُوك بِلَا شكّ الَّتِي لَا تخلف فِيهَا الثَّلَاثَة المعذورون الَّذين تَابَ الله عَلَيْهِم فِي سُورَة بَرَاءَة وَلم يغز ﵇ بعد غَزْوَة تَبُوك إِلَى أَن مَاتَ ﷺ وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ فَبين أَن الْعَرَب لَا يغزون مَعَ رَسُول الله ﷺ بعد تَبُوك لهَذَا ثمَّ عطف ﷾ عَلَيْهِم أثر مَنعه إيَّاهُم من الْغَزْو مَعَ رَسُول الله ﷺ وغلق بَاب التَّوْبَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنهم سيدعوهم غير النَّبِي ﷺ إِلَى قوم يقاتلونهم أَو يسلمُونَ وَوَعدهمْ على طَاعَة من دعاهم إِلَى ذَلِك بجزيل الْأجر الْعَظِيم وتوعدهم على عصيان الدَّاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك الْعَذَاب الْأَلِيم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَمَا دَعَا أُولَئِكَ الْأَعْرَاب أحد بعد رَسُول الله ﷺ إِلَى قوم يقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِلَّا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَإِن أَبَا بكر ﵁ دعاهم إِلَى قتال مرتدي الْعَرَب بني حنيفَة وَأَصْحَاب الْأسود وسجاع وطليحة وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم ودعاهم عمر إِلَى قتال الرّوم وَالْفرس وَعُثْمَان دعاهم إِلَى قتال الرّوم وَالْفرس وَالتّرْك فَوَجَبَ طَاعَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ بِنَصّ الْقُرْآن الَّذِي لَا يحْتَمل تَأْوِيلا وَإِذ قد وَجَبت طاعتهم فرضا فقد صحت إمامتهم وخلافتهم ﵃ وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجب تقليدهم فِي غير مَا أَمر الله تَعَالَى بطاعتهم فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى لم يَأْمر بذلك إِلَّا فِي دُعَائِهِمْ إِلَى قتال هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَفِيمَا يجب الطَّاعَة فِيهِ للأئمة جملَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما مَا أفتوا بِهِ باجتهادهم فَمَا أوجبوهم قطّ اتِّبَاع أَقْوَالهم فِيهِ فَكيف أَن يُوجب ذَلِك غَيرهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن هَذَا إِجْمَاع الْأَئِمَّة كلهَا إِذْ لَيْسَ أحد من أهل الْعلم إِلَّا وَقد خَالف بعض فتاوي هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ﵃ فصح مَا ذكرنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فصل (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَجَمِيع فرق أهل الْقبْلَة لَيْسَ مِنْهُم أحد يُجِيز إِمَامَة امْرَأَة وَلَا إِمَامَة صبي لم يبلغ إِلَّا الرافضة فَإِنَّهَا تجيز إِمَامَة الصَّغِير الَّذِي لم يبلغ وَالْحمل فِي بطن أمه وَهَذَا خطأ لِأَن من لم يبلغ فَهُوَ غير مُخَاطب وَالْإِمَام مُخَاطب بِإِقَامَة الدّين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ الباقلاني وَاجِب أَن يكون الإِمَام أفضل الْأمة

4 / 89