Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
إِلَى قَوْله ﴿لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة وَنحن لَهُ عَابِدُونَ﴾ فنص ﷿ على أَن فطر النَّاس على الْإِيمَان وَأَن الْإِيمَان هُوَ صبغة الله تَعَالَى وَقَالَ ﷿ ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ فصح يَقِينا أَن كل نفس خلقهَا الله تَعَالَى من بني آدم وَمن الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فمؤمنون كلهم عقلا مميزون فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فقد استحقوا كلهم الْجنَّة بإيمَانهمْ حاشا من بدل هَذَا الْعَهْد وَهَذِه الْفطْرَة وَهَذِه الصبغة وَخرج عَنْهَا إِلَى غَيرهَا وَمَات على التبديل وبيقين نَدْرِي أَن الْأَطْفَال لم يُغيرُوا شَيْئا من ذَلِك فهم من أهل الْجنَّة وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَرُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ على الْملَّة فأباه يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه ويشركانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة يهيمه جمعا وَهل يجدونفيها من جَدْعَاء حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُم الَّذِي تجدعونها وَهَذَا تَفْسِير الْآيَات الْمَذْكُورَات حَدثنَا عبد الله بن ربيع حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السكن حَدثنَا أَبُو سعيد بن الْأَعرَابِي حَدثنَا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث حَدثنَا الْحسن بن عَليّ حَدثنَا الْحجَّاج بن الْمنْهَال قَالَ سَمِعت حَمَّاد بن سَلمَة يُفَسر حَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَقَالَ هَذَا عندنَا حَيْثُ أَخذ الله الْعَهْد عَلَيْهِم فِي أصلاب آبَائِهِم حَيْثُ قَالَ ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَقد صَحَّ أَيْضا عَن رَسُول الله ﷺ من طَرِيق عِيَاض بن حمَار الْمُجَاشِعِي قَالَ عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ خلقت عبَادي حنفَاء كلهم فاجتالهم الشَّيَاطِين عَن دينهم فصح يَقِينا انه كل من مَاتَ قبل أَن تجتاله الشَّيَاطِين عَن دينه فقد مَاتَ حَنِيفا وَهَذَا حَدِيث تدخل فِيهِ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس عباد لَهُ ﷿ مخلوقين وَأَيْضًا فَإِن الله ﷿ أخبر بقول إِبْلِيس لَهُ تَعَالَى أَن يغوي النَّاس فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ فصح يَقِينا أَن الغواية دَاخِلَة على الْإِيمَان وَأَن الأَصْل من كل وَاحِد فَهُوَ الْإِيمَان وكل مُؤمن فَفِي الْجنَّة وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَلَيْسَت هَذِه صفة الصّبيان فصح أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار وَلَا دَار إِلَّا الْجنَّة أَو النَّار فَإِذا لم يدخلُوا النَّار فهم بِلَا شكّ فِي الْجنَّة وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي الرُّؤْيَا الْكَبِيرَة الَّتِي رَآهَا أَنه رأى إِبْرَاهِيم ﵇ فِي رَوْضَة خضراء مفتخر وفيهَا من كل نور ونعيم وحواليه من أحسن صبيان وَأَكْثَرهم فَسَأَلَ ﵇ عَنْهُم فَأخْبر أَنهم من مَاتَ من أَوْلَاد النَّاس قبل أَن يبلغُوا فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله وَأَوْلَاد الْمُشْركين قَالَ وَأَوْلَاد الْمُشْركين فارتفع الْإِشْكَال وَصَحَّ بالثابت من السّنَن وصحيحها أَن جَمِيع من لم يبلغ من أَطْفَال الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين فَفِي الْجنَّة وَلَا يحل لأحد تعدى مَا صَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسّنَن وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل إِذا قُلْتُمْ أَن النَّار دَار جَزَاء فالجنة كَذَلِك وَلَا جَزَاء للصبيان قُلْنَا
4 / 65