457

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

لَا شكّ فِيهِ أَنه لم يكن سُجُود عبَادَة وَلَا تذلل وَإِنَّمَا كَانَ سُجُود كَرَامَة فَقَط بِلَا شكّ وَأما قَوْله ﵇ للَّذي كَانَ مَعَه فِي السجْن اذْكُرْنِي عِنْد رَبك فَمَا علمنَا الرَّغْبَة فِي الانطلاق من السجْن محظورة على أحد وَلَيْسَ فِي قَوْله ذَلِك دَلِيل على أَنه أغفل الدُّعَاء إِلَى الله ﷿ لكنه رغب هَذَا الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن فِي فعل الْخَيْر وحضه عَلَيْهِ وَهَذَا فرض من وَجْهَيْن أَحدهمَا وجوب السَّعْي فِي كف الظُّلم عَنهُ وَالثَّانِي دعاؤه إِلَى الْخَيْر والحسنات وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه﴾ فَالضَّمِير الَّذِي فِي أنساه وَهُوَ الْهَاء رَاجع إِلَى الْفَتى الَّذِي كَانَ مَعَه فِي السجْن أَي أَن الشَّيْطَان أنساه أَن يذكر ربه أَمر يُوسُف ﵇ وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أنساه الشَّيْطَان ذكر الله تَعَالَى وَلَو ذكر الله ﷿ لذكر حَاجَة يُوسُف ﵇ وبرهان ذَلِك قَول الله ﷿ ﴿وادكر بعد أمة﴾ فصح يَقِينا أَن الْمَذْكُور بعد أمة هُوَ الَّذِي أنساه الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى تذكر وَحَتَّى لَو صَحَّ أَن الضَّمِير من أنساه رَاجع إِلَى يُوسُف ﵇ لما كَانَ فِي ذَلِك نقص وَلَا ذَنْب إِذْ مَا كَانَ بِالنِّسْيَانِ فَلَا يبعد عَن الْأَنْبِيَاء وَأما قَوْله هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه فَلَيْسَ كَمَا ظن من لم يمعن النّظر حَتَّى قَالَ من الْمُتَأَخِّرين من قَالَ أَنه قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من الْمَرْأَة ومعاذ الله من هَذَا أَن يظنّ بِرَجُل من صالحي الْمُسلمين أَو مستوريهم فَكيف برَسُول الله ﷺ فَقَط فَإِن قيل أَن هَذَا قد روى عَن ابْن عَبَّاس ﵁ من طَرِيق جَيِّدَة الْإِسْنَاد قُلْنَا نعم وَلَا حجَّة فِي قَول أحد إِلَّا فِيمَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فَقَط وَالوهم فِي تِلْكَ الرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ بِلَا شكّ عَمَّن دون ابْن عَبَّاس أَو لَعَلَّ ابْن عَبَّاس لم يقطع بذلك إِذْ إِنَّمَا أَخذه عَمَّن لَا يدْرِي من هُوَ وَلَا شكّ فِي أَنه شَيْء سَمعه فَذكره لِأَنَّهُ ﵁ لم يحضر ذَلِك وَلَا ذكره عَن رَسُول الله ﷺ ومحال أَن يقطع ابْن عَبَّاس بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ لَكِن معنى الْآيَة لَا يعدو أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَنه هم بالايقاع بهَا وضربها كَمَا قَالَ تَعَالَى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وكما يَقُول الْقَائِل لقد هَمت بك لكنه ﵇ امْتنع من ذَلِك ببرهان أرَاهُ الله إِيَّاه اسْتغنى بِهِ عَن ضربهَا وَعلم أَن الْفِرَار أجدى عَلَيْهِ وَأظْهر لبراءته على مَا ظهر بعد ذَلِك من حكم الشَّاهِد بِأَمْر الْقد من الْقَمِيص وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَلَام تمّ عِنْد قَوْله وَلَقَد هَمت بِهِ ثمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى خَبرا آخر فَقَالَ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه وَهَذَا ظَاهر الْآيَة بِلَا تكلّف تَأْوِيل وَبِهَذَا نقُول حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الطلمنكي حَدثنَا ابْن عون الله أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد بن فراس حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم النَّيْسَابُورِي أَنا اسحق بن رَاهْوَيْةِ أَنا المؤمل ابْن إِسْمَاعِيل الْحِمْيَرِي حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ إِن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما قَالَهَا يُوسُف ﵇ قَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا يُوسُف اذكر همك

4 / 10