452

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن نوحًا ﵇ تاول وعد الله تَعَالَى أَن يخلصه وَأَهله فَظن أَن ابْنه من أَهله على ظَاهر الْقَرَابَة وَهَذَا لَو فعله أحد لَكَانَ مأجورًا وَلم يسْأَل نوح تَخْلِيص من أَيقَن أَنه لَيْسَ من أَهله فتفرع على ذَلِك نهى عَن أَن يكون من الْجَاهِلين فتندم ﵇ من ذَلِك وَنزع وَلَيْسَ هَا هُنَا عمد للمعصية الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي إِبْرَاهِيم ﵇
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذكرُوا مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ من أَن إِبْرَاهِيم ﵇ كذب ثَلَاث كذبات وَأَنه قَالَ إِذْ نظر فِي النُّجُوم أَنِّي سقيم وَبِقَوْلِهِ فِي الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَهَذَا رَبِّي بقوله فِي سارة هَذِه أُخْتِي وَبِقَوْلِهِ فِي الْأَصْنَام إِذْ كسرهَا بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا وبطلبه إِذْ طلب رُؤْيَة إحْيَاء الْمَوْتَى قَالَ أولم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُله لَيْسَ على مَا ظنوه بل هوحجة لنا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أما الحَدِيث أَنه ﵇ كذب ثَلَاث كذبات فَلَيْسَ كل كذب مَعْصِيّة بل مِنْهُ مَا يكون طَاعَة لله ﷿ وفرضًا وَاجِبا يعْصى من تَركه صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَيْسَ الْكذَّاب الَّذِي يصلح بَين النَّاس فينمي خيرا وَقد أَبَاحَ ﵇ كذب الرجل لامْرَأَته فِيمَا يستجلب بِهِ مودتها وَكَذَلِكَ الْكَذِب فِي الْحَرْب وَقد أجمع أهل الْإِسْلَام على أَن إنْسَانا لَو سمع مَظْلُوما قد ظلمه سُلْطَان وَطَلَبه ليَقْتُلهُ بِغَيْر حق وَيَأْخُذ مَاله غصبا فاستتر عِنْده وسَمعه يَدْعُو على من ظلمه قَاصِدا بذلك السُّلْطَان بذلك السَّامع عَمَّا سَمعه مِنْهُ وَعَن مَوْضِعه فَإِنَّهُ إِن كتم مَا سمع وَأنكر أَن يكون سَمعه أَو أَنه يعرف مَوْضِعه أَو مَوضِع مَاله فَإِنَّهُ محسن مأجور مُطِيع لله ﷿ وَأَنه أَن صدقه فَأخْبرهُ بِمَا سَمعه مِنْهُ وبموضعه وَمَوْضِع مَاله كَانَ فَاسِقًا عَاصِيا لله ﷿ فَاعل كَبِيرَة مذموما تَمامًا وَقد ابيح الْكَذِب فِي إِظْهَار الْكفْر فِي التقية وكل مَا روى عَن إِبْرَاهِيم ﵇ فِي تِلْكَ الكذبات فَهُوَ دَاخل فِي الصّفة المحمودة لَا فِي الْكَذِب الَّذِي نهى عَنهُ وَأما عَن قَوْله عَن سارة هِيَ أُخْتِي فَصدق هِيَ أُخْته من وَجْهَيْن قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة﴾ وَقَالَ ﵇ لَا يخْطب أحدكُم على خطْبَة أَخِيه وَالْوَجْه الثَّانِي الْقَرَابَة وَإِنَّهَا من قومه وَمن مستجيبيه قَالَ ﷿ وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبًا فَمن عد هَذَا كذبا مذمومًا من إِبْرَاهِيم ﵇ فليسعده كذبا من ربه ﷿ وَهَذَا كفر مُجَرّد فصح أَنه ﵇ صَادِق فِي قَوْله سارة أُخْته وَأما قَوْله فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم فَلَيْسَ هَذَا كذبا ولسنا ننكر أَن تكون النُّجُوم دَلَائِل على الصِّحَّة وَالْمَرَض وَبَعض مَا يحدث فِي الْعَالم كدلالة الْبَرْق على نعول الْبَحْر وكدلالة الرَّعْد على تولد الكمأة وكتولد الْمَدّ والجزر على طُلُوع الْقَمَر وغروبه وأعذار وارتفاعه وامتلائه ونقصه وَإِنَّمَا الْمُنكر قَول من قَالَ أَن الْكَوَاكِب هِيَ الفاعلة الْمُدبرَة لذَلِك دون الله تَعَالَى أَو مُشْتَركَة مَعَه فَهَذَا كفر من قَائِله وَأما قَوْله ﵇ بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ تقريع لَهُم وتوبيخ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مهان ذليل معذب فِي النَّار فكلا الْقَوْلَيْنِ توبيخ لمن قيلا لَهُ على ظنهم أَن الْأَصْنَام تفعل الْخَيْر وَالشَّر وعَلى ظن المعذب فِي نَفسه فِي الدُّنْيَا إِنَّه عَزِيز كريم وَلم يقل إِبْرَاهِيم هَذَا على أَنه مُحَقّق لِأَن كَبِيرهمْ فعله إِذا كذب إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ قصد إِلَى تَحْقِيق ذَلِك وَأما قَوْله ﵇ إِذْ رأى الشَّمْس وَالْقَمَر هَذَا رَبِّي فَقَالَ قوم إِن إِبْرَاهِيم ﵇

4 / 5