Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
هَذِه الدَّار الْيَوْم إِلَّا كَافِر أَو يَقُول كل من دخل هَذِه الدَّار الْيَوْم فَهُوَ كَافِر قَالُوا فدخول تِلْكَ الدَّار دَلِيل على أَنه يعْتَقد الْكفْر لَا أَن دُخُول الدَّار كفر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كذب وتمويه ضَعِيف بِأَن دُخُول تِلْكَ الدَّار فِي ذَلِك الْيَوْم كفر مَحْض مُجَرّد وَقد يُمكن أَن يكون الدَّاخِل فِيهَا مُصدقا بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله ﷺ إِلَّا أَن تَصْدِيقه ذَلِك قد حَبط بِدُخُولِهِ الدَّار وبرهان ذَلِك أَنه لَا يخْتَلف اثْنَان من أهل الْإِسْلَام فِي أَن دُخُول تِلْكَ الدَّار لَا يحل الْبَتَّةَ لعَائِشَة وَلَا لأبي بكر وَلَا لعَلي وَلَا لأحد من أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَلَا لأحد من أَصْحَابه ﵃ كَمَا أَن الله تَعَالَى قد نَص على أَنه علم مَا فِي قُلُوبهم وَأنزل السكينَة عَلَيْهِم وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فقد وَجب ضَرُورَة أَن هَؤُلَاءِ ﵃ لَو دخلُوا تِلْكَ الدَّار لكانوا كفَّارًا بِلَا شكّ بِنَفس دُخُولهمْ فِيهَا ولحبط إِيمَانهم فَإِن قَالُوا فَإِن قَالُوا لَو دَخلهَا هَؤُلَاءِ لم يكفروا كَانُوا هم قد كفرُوا لأَنهم بِهَذَا القَوْل قاطعون بِأَن كَلَامه ﷺ كذب فِي قَوْله لَا يدخلهَا إِلَّا كَافِرًا وَاحْتج بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان بقول الأخطل النَّصْرَانِي لَعنه الله إِذْ يَقُول ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا
جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ...
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا على هَذَا الِاحْتِجَاج أَن نقُول مَلْعُون مَلْعُون قَائِل هَذَا الْبَيْت وملعون مَلْعُون من جعل قَول هَذَا النَّصْرَانِي حجَّة فِي دين الله ﷿ وَلَيْسَ هَذَا من بَاب اللُّغَة الَّتِي يحْتَج فِيهَا بالعربي وَإِن كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا هِيَ قَضِيَّة عقلية فالعقل والحس يكذب بِأَن هَذَا الْبَيْت وَقَضِيَّة شَرْعِيَّة فَالله ﷿ أصدق من النَّصْرَانِي اللعين إِذْ يَقُول ﷿ ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ فقد أخبر ﷿ بِأَن من النَّاس من يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي فُؤَاده بِخِلَاف قَول الأخطل لَعنه الله أَن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَاللِّسَان دَلِيل على الْفُؤَاد فَأَما نَحن فنصدق الله ﷿ ونكذب الأخطل وَلعن الله من يَجْعَل الأخطل حجَّة فِي دينه الله وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِن قَالُوا أَن الله ﷿ قَالَ ﴿ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل﴾ قُلْنَا لَوْلَا أَن الله ﷿ عرفه بهم وَلَده عَلَيْهِم بلحن القَوْل مَا كَانَ لحن قَوْلهم دَلِيلا عَلَيْهِم وَلم يُطلق الله تَعَالَى على هَذَا على كل أحد بل على أُولَئِكَ خَاصَّة بل قد نَص تَعَالَى على آخَرين بِخِلَاف ذَلِك إِذْ يَقُول ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ فَهَؤُلَاءِ من أهل الْمَدِينَة مُنَافِقُونَ مَرَدُوا على النِّفَاق لم يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ بلحن قَوْلهم وَلَو أَن النَّاس لم يضْربُوا قطّ كَلَام رَبهم تَعَالَى بعضه بِبَعْض وأخذوه كُله على مُقْتَضَاهُ لاهتدوا وَلَكِن من يهده الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدًا وَقد قَالَ ﷿ ﴿إِن الَّذين ارْتَدُّوا على أدبارهم من بعد مَا تبين لَهُم الْهدى الشَّيْطَان سَوَّلَ لَهُم وأملي لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا للَّذين كَرهُوا مَا نزل الله سنطيعكم فِي بعض الْأَمر وَالله يعلم أسرارهم فَكيف إِذا توفتهم الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ فجعلهم تَعَالَى مرتدين كفرا بعد علمهمْ الْحق وَبعد أَن تبين لَهُم الْهدى بقوله للْكفَّار مَا قَالُوا فَقَط وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه يعرف أسرارهم وَلم يقل تَعَالَى أَنَّهَا جحد أَو تَصْدِيق بل قد صَحَّ أَن فِي سرهم التَّصْدِيق لِأَن الْهدى قد تبين لَهُم وَمن تبين لَهُ شَيْء فَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يجحده بِقَلْبِه أصلا وَأخْبرنَا تَعَالَى أَنه قد أحبط أَعْمَالهم باتبَاعهمْ مَا أسخطه وكراهيتهم رضوانه وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾
3 / 122