Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
مُؤمنا وَلَا مهتديًا الاعلى معنى جرى أَحْكَام الْإِيمَان على الْمَجْنُون والطفل خَاصَّة وبرهان مَا قُلْنَا قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فصح أَن الْهدى الَّذِي لَو أَرَادَ الله تَعَالَى جمع النَّاس عَلَيْهِ هُوَ المنقذ من النَّار وَالَّذِي لَا يمْلَأ جَهَنَّم من أَهله وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ فصح أَن الْإِيمَان جملَة شَيْء وَاحِد وَهُوَ المنقذ من النَّار الْمُوجب للجنة وَأَيْضًا فَإِن الله ﷿ يَقُول ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدًا﴾ وَيَقُول ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ وَيَقُول تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فَهَذِهِ الْآيَات مَبْنِيَّة على أَن الْهدى الْمَذْكُور هُوَ الِاخْتِيَارِيّ عِنْد الْمُعْتَزلَة لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقُول لنَبيه ﷺ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ فصح يَقِينا أَن الله تَعَالَى لم يرد قطّ بقوله لجمعهم على الْهدى ولآمن من فِي الأَرْض إِيمَانًا فِيهِ إِكْرَاه فَبَطل هذرهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن قَالُوا لنا فَإِذا أَرَادَ الله تَعَالَى كَون الْكفْر والضلال فأريدوا مَا أَرَادَ الله تَعَالَى من ذَلِك قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَيْسَ لنا أَن نَفْعل مَا لم نؤمر بِهِ أَولا يحل لنا أَن نُرِيد مَا لم يَأْمُرنَا الله تَعَالَى بإرادته وَإِنَّمَا علينا مَا أمرنَا بِهِ فنكره مَا أمرنَا بكراهيته ونحب مَا أمرنَا بمحبته ونريد مَا أمرنَا بإرادته ثمَّ نسألهم هَل أَرَادَ الله تَعَالَى إمراض النَّبِي ﷺ إِذْ أمرضه وَمَوته ﷺ إِذْ أَمَاتَهُ وَمَوْت إِبْرَاهِيم ابْنه إِذْ أَمَاتَهُ أَو لم يرد الله شَيْئا من ذَلِك فَلَا بُد من أَن الله تَعَالَى أَرَادَ كَون كل ذَلِك فَيلْزم أَن يُرِيدُوا موت النَّبِي ﷺ ومرضه وَمَوْت ابْنه إِبْرَاهِيم لِأَن الله تَعَالَى أَرَادَ كل ذَلِك فَإِن أجابوا إِلَى ذَلِك ألحدوا بِلَا خلاف وعصوا الله وَرَسُوله وَإِن أَبَوا من ذَلِك بَطل مَا أَرَادوا إلزامنا إِيَّاه إِلَّا أَنه لَازم الْهم على أصولهم الْفَاسِدَة لَا لنا لأَنهم صححوا هَذِه الْمَسْأَلَة وَنحن لم نصححها وَمن صحّح شَيْئا لزمَه ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لسنا ننكر فِي حَال مَا يُبَاح لنا فِيهِ إِرَادَة الْكفْر من بعض النَّاس فقد أثنى الله ﷿ على ابْن آدم فِي قَوْله لِأَخِيهِ ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين﴾ فَهَذَا ابْن آدم الْفَاضِل قد أَرَادَ أَن يكون أَخُوهُ من أَصْحَاب النَّار وَأَن يبوء بإثمه مَعَ إِثْم نَفسه وَقد صوب الله ﷿ قَول مُوسَى وَهَارُون ﵉ ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم قَالَ قد أجيبت دعوتكما﴾ فَهَذَا مُوسَى وَهَارُون ﵉ قد أَرَادَا وأحبا أَن لَا يُؤمن فِرْعَوْن وَأَن يَمُوت كَافِرًا إِلَى النَّار وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ إِنَّه دَعَا على عتبَة بن أبي وَقاص أَن يَمُوت كَافِرًا إِلَى النَّار فَكَانَ كَذَلِك (قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وأصدق الله ﷿ أَنا عَن نَفسِي الَّتِي هُوَ أعلم بِمَا فِيهَا مني أَن الله تَعَالَى يعلم أَنِّي لأسر بِمَوْت عقبَة بن أبي معيط كَافِرًا وَكَذَلِكَ أَمر أبي لَهب لأذاهما رَسُول الله ﷺ ولتتم كلمة الْعَذَاب عَلَيْهِمَا وَأَن الْمَرْء ليسر بِمَوْت من استبلغ فِي أَذَاهُ ظلما بِأَن يَمُوت على أقبح طَريقَة وَقد روينَا هَذَا عَن بعض الصَّالِحين فِي بعض الظلمَة وَلَا حرج على من ائتسى بِمُحَمد وبموسى وبأفضل ابْني آدم ﷺ وليت شعري أَي فرق بَين لعن الْكَافِر والظالم وَالدُّعَاء عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ فِي النَّار وَبَين الدُّعَاء عَلَيْهِ بِأَن يَمُوت غير متوب عَلَيْهِ والمسرة بكلا الْأَمريْنِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَالَ ﷿ ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾
3 / 90