Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ قبل الْفِعْل وَقُوَّة أُخْرَى من عِنْد الله ﷿ وَهَذَا الْوَجْه مَعَ الْفِعْل باجتماعهما يكون الْفِعْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على صِحَة هَذَا القَوْل إِجْمَاع الْأمة كلهَا على سُؤال الله تَعَالَى التَّوْفِيق والاستعاذة بِهِ من الخذلان فالقوة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا الْخَيْر تسمى بِالْإِجْمَاع تَوْفِيقًا وعصمة وتأييدًا وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى فيفعل العَبْد بهَا الشَّرّ تسمى بِالْإِجْمَاع خذلانًا وَالْقُوَّة الَّتِي ترد من الله تَعَالَى على العَبْد فيفعل بهَا مَا لَيْسَ طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة تسمى عونًا أَو قُوَّة أَو حولا وَتبين من صِحَة هَذَا صِحَة قَول الْمُسلمين لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالْقُوَّة لَا تكون لأحد الْبَتَّةَ فعل إِلَّا بهَا فصح أَنه لَا حول وَلَا قُوَّة لأحد إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَذَلِكَ يُسمى تيسيرًا قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ميسر لما خلق لَهُ وَقد وَافَقنَا جَمِيع الْمُعْتَزلَة على أَن الِاسْتِطَاعَة فعل الله ﷿ وَأَنه لَا يفعل أحد خيرا وَلَا شرا إِلَّا بِقُوَّة أعطَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاهَا إِلَّا أَنهم قَالُوا يصلح بهَا الْخَيْر وَالشَّر مَعًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجملة القَوْل فِي هَذَا بِأَن عناصر الْأَخْبَار ثَلَاثَة وَهُوَ مُمْتَنع أَو وَاجِب أَو مُمكن بَينهمَا هَذَا أمرٌ بضرورة الْحس والتمييز فَإِذا الْأَمر كَذَلِك فَإِن عدمت صِحَة الْجَوَارِح كَانَ لَهُ مَانع إِلَى الْفِعْل وَأما الصَّحِيح الْجَوَارِح الْمُرْتَفع الْمَوَانِع فقد يكون مِنْهُ الْفِعْل وَقد لَا يكون فَهَذِهِ هِيَ الِاسْتِطَاعَة الْمَوْجُودَة قبل الْفِعْل برهَان ذَلِك قَول الله ﷿ حِكَايَة عَن الْقَائِلين ﴿لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم أَنهم لَكَاذِبُونَ﴾ فأكذبهم الله فِي إنكارهم استطاعة الْخُرُوج قبل الْخُرُوج وَقَوله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَلَو لم تكن هُنَا استطاعة قبل فعل الْمَرْء الْحَج لما لزم الْحَج إِلَّا من حج فَقَط وَلما كَانَ أحد عَاصِيا بترك الْحَج لِأَنَّهُ أَن لم يكن مستطيعًا لِلْحَجِّ حَتَّى يحجّ فَلَا حج عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مُخَاطب بِالْحَجِّ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فَلَو لم يكن على الْمظَاهر الْعَائِد لقَوْله إستطاعة على الصّيام قبل أَن يَصُوم لما كَانَ مُخَاطبا بِوُجُوب الصَّوْم عَلَيْهِ إِذا لم يجد الرَّقَبَة أصلا ولكان حكمه مَعَ عدم الرَّقَبَة وجوب الْإِطْعَام فَقَط وَهَذَا بَاطِل وَقَول رَسُول الله ﷺ لمن بَايعه فَمن لم يسْتَطع فقاعدًا فَمن لم يسْتَطع فعلى جنب وَهَذَا إِجْمَاع مُتَيَقن لَا شكّ فِيهِ فَلَو لم يكن النَّاس مستطعين للْقِيَام قبل الْقيام لما كَانَ أحد مَأْمُور بِالصَّلَاةِ قبل أَن يُصليهَا كَذَلِك ولكان مَعْذُورًا أَن صلى قَاعِدا وعَلى جنب بِكُل وَجه لِأَنَّهُ إِذا صلى كَذَلِك لم يكن مستطيعًا للْقِيَام وَهَذَا بَاطِل وَقَوله ﷺ إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فأتو بِهِ مَا اسْتَطَعْتُم فَلَو لم يكن هَا هُنَا استطاعة لشَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ أَن نفعله لما لزمنا شَيْء مِمَّا أمرنَا بِهِ مِمَّا لم نفعله وَلَكنَّا غير عصاة بِالتّرْكِ لأننا لم نكلف بِالنَّصِّ إِلَّا مَا استطعنا وَقَوله ﷺ أتستطيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن قَالَ فَلَو لم يكن أحد مستطيعًا للصَّوْم إِلَّا حَتَّى يَصُوم لَكَانَ هَذَا السُّؤَال مِنْهُ ﵇ محالا وحاشا لَهُ من ذَلِك وَمِمَّا يتَبَيَّن صِحَة هَذَا وَأَن المُرَاد فِي كل مَا ذكرنَا صِحَة الْجَوَارِح وارتفاع الْمَوَانِع قَول الله تَعَالَى ﴿وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة وَقد كَانُوا يدعونَ إِلَى السُّجُود وهم سَالِمُونَ﴾ فنص تَعَالَى على أَن فِي عدم السَّلامَة بطلَان الِاسْتِطَاعَة وَأَن وجود السَّلامَة بِخِلَاف ذَلِك فصح ان سَلامَة الْجَوَارِح استطاعة وَإِذا صَحَّ هَذَا فبيقين نَدْرِي أَن سَلامَة الْجَوَارِح يكون بهَا الْفِعْل وضده وَالْعَمَل وَتَركه وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة لِأَن كل هَذَا يكون بِصِحَّة الْجَوَارِح فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن
3 / 19