Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Regions
Syria
إلى الألسن، وخيف على القرآن من جراء ذلك. وكتوسيعه الكبير لمسجد المدينة المنورة.
وما ضرّ أن اعتمد عثمان في كثير من فتوحاته على عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأمثاله فإن الإسلام يجبّ ما قبله، ولعلّ ابن سرح، كفّر بأعماله الجليلة هذه ما كان قد بدر منه من قبل.
والمعلوم أنه قد استقام من بعد على سبيل الرشد، وكان من أفضل الناس دينا.
ثانيا- مهما توجه النقد إلى عثمان ﵁، بسبب اختياره الولاة والأعوان أو أكثرهم، من أقاربه من بني أمية، فإنّ علينا أن نعلم أن ذلك كان اجتهادا منه، وقد دافع عن رأيه في ذلك أمام كثير من الصحابة. ومهما كان موقفنا من رأيه ودفاعه عنه، فما ينبغي أن يدفعنا النقد إلى سوء أدب في التحليل أو القول، وما ينبغي أن ينسينا خطؤه في ذلك- إن اعتبرناه خطأ- مكانته الرفيعة عند رسول الله ﷺ، وسابقته في الإسلام، وقول رسول الله ﷺ له يوم تبوك: «ما ضرّ عثمان ما صنع بعد اليوم» .
وينبغي أن نعلم أن مناقشة الصحابة له واعتراضهم عليه فيما فعل من ذلك، شيء، واجترارنا اليوم للأمر ذاته، بدافع من النقد والانتقاص شيء آخر.
اعتراض الصحابة عليه، معالجة لأمر قائم يمكن تغييره وإصلاحه؛ فالبحث فيه وإن كان على أساس النقد والتخطيء، عمل إيجابي مفيد. أما حديثنا نحن اليوم، وقد طوي الأمر وأصبح حدثا من أحداث التاريخ، فإنه إنما يغدو مجرد تطاول رخيص على الصحابة الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ وحذّر من الإساءة إليهم، لا سيما الخلفاء الراشدون.
ويكفي، لمن ابتغى الأمانة العلمية في رواية الأحداث، أن يقف من بيانها والحديث عنها عند الحدود التي التزم بها الكتّاب والمؤرخون الثقات من أمثال الطبري وابن كثير وابن الأثير..
ثالثا- مع ظهور مقدمات الفتنة في أواخر عهد عثمان، يظهر اسم عبد الله بن سبأ على مسرح الأحداث، ويبرز دوره جليا في تأجيج نيران هذه الفتنة.
وعبد الله بن سبأ في أصله يهودي من اليمن. جاء إلى مصر في عهد عثمان، وأخذ يستثير الناس على عثمان ويتظاهر بحب عليّ وآل بيت رسول الله ﷺ. وكان يقول للناس فيما يقول:
أليس محمد أفضل من عيسى عند الله ﷿؟ .. إذن فإن محمدا أحق بالعودة إلى الناس من عيسى، وإنما يعود محمد إليهم في شخص ابن عمه عليّ الذي هو أقرب الناس إليه «٣» .
وقد استطاع أن يخدع بهذا التدجيل أناسا في مصر، بعد أن ردد أقواله هذه في اليمن دون أن يؤيده فيها أحد. وهؤلاء الذين خدعوا بكلامه، هم الذين توجه بهم إلى المدينة ليثوروا على عثمان، ولكن الذي ردّهم على أعقابهم إنما هو عليّ ﵁ كما قد رأيت.
(٣) البداية والنهاية: ٧/ ١٦٧
1 / 369