Fiqh al-islām

فقه الإسلام

Publisher

مطابع الرشيد

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م

Publisher Location

المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية

فقه الإسلام
شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀
تأليف
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
[الجزء الأول]

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهم يا من آلاؤه على عباده دائمًا متواترة، ونشكرك يا من بعثت محمدًا ﷺ بخيرى الدنيا والآخرة، ونضرع إليك أن تهبنا يا ولينا التوفيق، ونسألك الرشد والهداية إلى أقوم طريق، ونلجأ إليك أن تكتبنا فى ناصرى السنة العاطرة، وأن تحشرنا يوم القيامة فى وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، صلى اللَّه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن عمل على نصر سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا شرح سهل لكتاب (بلوغ المرام) من جمع أدلة الأحكام يبلغ به الفقيه غايته، ويجد فيه طالب الحق بغيته، سميته (فقه الاسلام) واللَّه المسؤل أن ينفع به الأنام، إنه سميع مجيب.
عبد القادر بن شيبة الحمد

1 / 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلانى:
الحمد للَّه على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وآله وصحبه الذين ساروا فى نصرة دينه سيرًا حثيثًا (١)، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم -والعلماء ورثة الأنبياء- أكرم بهم وارثا وموروثا.
أما بعد: فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حررته تحريرًا بالغًا، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغنى عنه الراغب المنتهى، وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، لإرادة نصح الأمة فالمراد بالسبعة (٢) أحمد (٣) والبخارى (٤) ومسلم (٥) وأبو داؤد (٦) والترمذى (٧) والنسائى (٨) وابن ماجه (٩).

(١) سريعا.
(٢) أي حيث يقول: أخرجه السبعة.
(٣) هو أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل، ولد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ وتوفي سنة ٢٤١ هـ.
(٤) البخارى هو: أبو عبد اللَّه محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخارى الجعفى ولد في شوال سنة ١٩٤ هـ وتوفي سنة ٢٥٦ هـ.
(٥) مسلم هو: أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابورى ولد سنة ٢٠٤ هـ ومات سنة ٢٦١ هـ.
(٦) أبو داؤد هو: أبو داؤد سليمان بن الأشعث السجستانى ولد سنة ٢٠٢ هـ وتوفي سنة ٢٧٥ هـ.
(٧) الترمذي هو: أبو عيسي محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ولد سنة ٢٠٩ هـ وتوفي سنة ٢٦٧ هـ.
(٨) النسائي هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ولد سنة ٢١٥ هـ وتوفي سنة ٣٠٣ هـ.
(٩) ابن ماجه هو: أبو عبد اللَّه محمد بن يزيد بن ماجه القزوينى ولد سنة ٢٠٧ هـ وتوفي سنة ٢٧٣ هـ.

1 / 4

وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخارى ومسلما، وقد أقول: الأربعة وأحمد، وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة من عداهم وعدا الأخير، وبالمتفق عليه البخارى ومسلم وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مبين، وسميته (بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام) واللَّه أسأل ألا يجعل ما علمناه علينا وبالا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾.

1 / 5

كتاب الطهارة
باب المياه
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ فى البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) أخرجه الأربعة وابن أبى شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذى.
[المفردات]
(أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر أكثر الصحابة حديثًا مات سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة.
(البحر) الماء الكثير أو المالح فقط كما فى القاموس.
(الطهور) ما يتطهر به أو الطاهر المطهر.
(الحل) الحلال.
(ابن أبى شيبة) هو أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبى شيبة من شيوخ البخارى ومسلم وأبى داؤد وابن ماجه.
(ابن خزيمة) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمى النيسابورى ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين ومات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
[البحث]
هذا الحديث وقع جوابًا عن سؤال كما فى الموطأ أن أبا هريرة رضى اللَّه عنه قال (جاء رجل) وفى مسند أحمد (من بنى مدلج) وعند الطبراني (اسمه عبد اللَّه) إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ به؟ وفى لفظ أبى داؤد (بماء البحر) فقال رسول اللَّه ﷺ: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فأفاد رسول اللَّه ﷺ أن

1 / 6

ماء البحر طاهر مطهر وأن ميتة البحر حلال فلا تحتاج حيواناته التى لا تعيش إلا فيه إلى ذبح وتذكية.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن ماء البحر طاهر مطهر.
٢ - وأنه يجوز أكل الحيوانات البحرية الميتة.
٢ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: (إن الماء طهور لا ينجسه شئ) أخرجه الثلاثة وصححه أحمد.
[المفردات]
(أبو سعيد الخدرى) هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجى الأنصارى -والخدرى نسبة إلى خدرة حى من الأنصار- عاش أبو سعيد ستا وثمانين سنة ومات في أول سنة أربع سبعين.
[البحث]
هذا الحديث يسمى حديث بئر بضاعة، وسببه أنه قيل لرسول اللَّه ﷺ: أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: (إن الماء طهور. . الحديث فأفاد ﷺ أن الماء طاهر مطهر لو خالطته نجاسة لا تنجسه بل يبقى على طهوريته، وهذا الحديث محمول على الماء الذى بلغ القلتين لأن ما دون القلتين محمل الخبث كما سيأتى ولا شك أن ماء بئر بضاعة كان يبلغ القلتين، وقد قال أبو داؤد: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت فإذا نقص؟ قال: دون العورة، وقال أبو داؤد: قدرت بئر بضاعة بردائى فمددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ست

1 / 7

أذرع، وسألت الذى فتح لى باب البستان فأدخلنى إليه هل غير بناؤها عما كان عليه؟ فقال: لا.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الماء الكثير لا تضره النجاسه سواء ورد عليها أم وردت عليه إذا لم تغير أحد أوصافه كما سيأتى.
٣ - وعن أبي أمامة الباهلى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: (إن الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) أخرجه ابن ماجه وضعفه أبو حاتم، وللبيهقى (الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه).
[المفردات]
(أبو أمامة) صدى بن عجلان سكن مصر ثم انتقل عنها وسكن حممى ومات بها سنة إحدى وقيل ست وثمانين وقيل إنه آخر من مات من الصحابة بالشام.
(أبو حاتم) هو الإمام محمد بن إدريس بن المنذر الرازى الحنظلى، ولد سنة خمس وتسعين ومائة وتوفى فى شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة.
(البيهقى) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على شيخ خراسان، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ومات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وبيهق: بلد قرب نيسابور.
[البحث]
اتفق المحدثون على تضعيف هذا الحديث، وسبب تضعيفه أنه من رواية رشدين بن سعد وهو متروك الحديث، إلا أن قوله:

1 / 8

(إن الماء لا ينجسه شئ) قد ثبت مثله فى حديث بئر بضاعة وهو صحيح فالتضعيف خاص بالاستثناء وهو قوله (إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه) لا أصل الحديث فإنه ثابت كما علمت، ومع أن العلماء أجمعوا على تضعيف رواية الاستثناء فقد أجمعوا على القول بحكمها إذ أنهم اتفقوا على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس، فكان الاجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه لا هذه الزيادة.
٤ - وعن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) وفى لفظ (لم ينجس) أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان.
[المفردات]
(عبد اللَّه بن عمر) هو ابن عمر بن الخطاب أسلم صغيرًا بمكة وأول مشاهده الخندق وتوفى بمكة سنة ثلاث وسبعين.
(قلتين) تثنية قلة وهى إناء للعرب كالجرة الكبيرة والمراد قلتان من قلال هجر لأنها هى التى كان يقدر بها رسول اللَّه ﷺ كثيرًا كما جاء فى حديث المعراج، ومقدار القلتين نحو خمسمائة رطل أى عراقى.
(الخبث) النجاسة.
(الحاكم) أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه النيسابورى المعروف بابن البيع، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وحدث عنه الدارقطنى وأبو يعلى الخليلى والبيهقى، وألف المستدرك وتاريخ نيسابور، وتوفى فى شهر صفر سنة خمس وأربعمائة.
(ابن حبان) هو أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستى حدث عنه الحاكم وغيره، توفى فى شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.

1 / 9

[البحث]
يحدد هذا الحديث الماء القليل والكثير فالقليل ما دون القلتين والكثير ما كان قلتين بن قلال هجر فإذا كان الماء دون القلتين وخالطته نجاسة فإنها تضره أما إذا كان قلتين وأصابته نجاسة فإنها لا تنجسه لأنه لا يحملها أى لا يتأثر بها ولا تضره.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الماء القليل تضره النجاسة.
٢ - وأن حد القليل ما كان دون القلتين.
٣ - وأن الماء الكثير لا تضره النجاسة.
٤ - وأن حد الكثير ما كان قلتين.
٥ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: (لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب) أخرجه مسلم، وللبخارى (لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى ثم يغتسل فيه) ولمسلم (منه) ولأبى داؤد (ولا يغتسل فيه من الجنابة).
[المفردات]
(الدائم) الراكد الساكن الذى لا يجري.
(فيه) أى لا يغتسل فيه بالانغماس مثلا.
(منه) أى لا يتناول منه ويغتسل خارجه.
[البحث]
لفظ رواية مسلم: (لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب) يفيد النهى عن اغتسال الجنب فى الماء الدائم مطلقًا سواء كان هذا

1 / 10

الماء قليلا أم كثيرًا، وسواء أسبق الاغتسال فيه بول أم لا؟ ولفظ رواية البخارى يفيد النهى عن الجمع بين البول والاغتسال فى الماء الدائم، أما البول على انفراد أو الاغتسال على انفراد فلا يفاد منها، ولفظ رواية أبى داؤد بفيد النهى عن كل واحد من البول والاغتسال على انفراد، والروايات الثلاث لم تحدد مقدار الماء وإنما وصفته بأنه دائم، وبما أن روايتى مسلم وأبى داؤد تمنعان من اغتسال الجنب فى الماء الدائم وإن لم يسبقه بول فيه، وكذلك رواية أبى داؤد تمنع من إفراد البول فى الماء الدائم، وإن لم يقصد الاغتسال منه، ورواية البخارى تفيد النهى عن الجمع بينهما فقط فالسبيل السوى لجمع شمل هذه الروايات هو أن يحمل المطلق على المقيد ويحمل الماء على القليل فلا يجمع له بين بول فيه واغتسال منه، ولا يفرد ببول فيه لأنه إفساد له حيث يضره الخبث، ولا يفرد باغتسال الجنب بطريق الانغماس فيه لأنه يفسده كذلك، وأما اغتسال الجنب من الماء الدائم بأن يتناول منه بإناء أو بيده بعد غسلها فإنه غير داخل فى هذا النهى والذى يحمل على أن المراد بالدائم ما ذكرنا هو ما رواه مسلم وابن ماجه عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: (لا يغتسلن أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب) فقالوا: يا أبا هريرة: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يجوز اغتسال الجنب فى الماء القليل بالانغماس فيه.
٢ - انغماس الجنب فى الماء القليل يفسده.
٣ - يحرم البول فى الماء الراكد.
٤ - لا يجوز الاغتسال من الماء الراكد بعد البول فيه.
٥ - يجوز الاغتسال من الماء الراكد بتناول الماء بإناء ونحوه.

1 / 11