al-fatāwā al-kubrā
الفتاوى الكبرى
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
فَيُمْذِي، وَقَدْ يُقَبِّلُ فَلَا يُمْذِي، وَقَدْ يُمْذِي مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ لَمْ يُنْفَ الْوُضُوءُ مِنْ الْمَذْيِ. وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَأَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ غَسْلُ الْيَدِ، أَوْ الْيَدِ وَالْفَمِ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْوُضُوءَ فِي كَلَامِ رَسُولِنَا ﷺ لَمْ يَرِدْ بِهِ قَطُّ إلَّا وُضُوءُ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي لُغَةِ الْيَهُودِ، كَمَا رُوِيَ «أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ: مِنْ بَرَكَةِ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ. فَقَالَ: مِنْ بَرَكَةِ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» .
فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تُنُوزِعَ فِي صِحَّتِهِ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَقَدْ أَجَابَ سَلْمَانَ بِاللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَهُ بِهَا لُغَةَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا اللُّغَةُ الَّتِي خَاطَبَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يَرِدْ فِيهَا الْوُضُوءُ إلَّا فِي الْوُضُوءِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ اللَّحْمَيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ، وَالْفَمِ مِنْ الْغَمْرِ مَشْرُوعٌ مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ «أَنَّهُ تَمَضْمَضَ مِنْ لَبَنٍ ثُمَّ شَرِبَهُ. وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» . وَقَالَ: «مَنْ بَاتَ وَبِيَدِهِ غَمَرٌ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» .
فَإِذَا كَانَ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ مِنْ اللَّبَنِ وَالْغَمَرِ، فَكَيْفَ لَا يَشْرَعُهُ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ؟ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ، إنْ كَانَ أَمْرَ إيجَابٍ امْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ، وَإِنْ كَانَ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ امْتَنَعَ رَفْعُ الِاسْتِحْبَابِ عَنْ لَحْمِ الْغَنَمِ،
1 / 298