445

Al-ṣiyām fī al-Islām fī ḍawʾ al-kitāb waʾl-sunna

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

Publisher

مركز الدعوة والإرشاد بالقصب

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م

فيصحّ الاعتكاف مقدارًا من الزمن وإن قلَّ، ولو لحظة أو ساعة (١)، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، وهذا اللفظ عام يشمل القليل والكثير، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والصواب في الاعتكاف أنه لا حدَّ لأكثره ولا لأقلِّه، وليس له حد محدود، فلو دخل المسجد ونوى الاعتكاف ساعة أو ساعتين فهو اعتكاف» (٣)، والله تعالى أعلم (٤).

(١) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن، لا جزء من أربع وعشرين ساعة [الموسوعة الفقهية الكويتية، ونسبه لابن عابدين مع الدر المختار، ٢/ ٤٤٤، انظر: الموسوعة المذكورة، ٥/ ٢١٣].
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث: ٢٠٢٥ - ٢٠٢٧.
(٤) اختلف الفقهاء في مقدار اللبث المجزئ في الاعتكاف على أقوال على النحو الآتي: القول الأول: مذهب الحنابلة، والحنفية: ما يسمى به معتكفًا لابثًا، قال المرداوي في الإنصاف، ٧/ ٥٦٦: «فعلى المذهب أقلَّه إذا كان تطوعًا أو نذرًا مطلقًا ما يسمى به معتكفًا لابثًا»، قال ابن مفلح في الفروع، ٥/ ١٤٣: «فظاهره ولو لحظة وفاقًا للأصح عند الشافعية، وأقله عندهم مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة ... ولا يكفي عبُورُه خلافًا لبعض الشافعية». قال في الإنصاف، ٧/ ٥٦٦: «وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة».
القول الثاني: مذهب الشافعية في الأصح عندهم: تكفي لحظة، لكن لابد من اللبث في المسجد، فيكفي التردد فيه لا المرور بلا لبث، ويندب عندهم أن يكون يومًا؛ لأنه لم يرد أن النبي ﷺ اعتكف أقل من يوم.
القول الثالث: مذهب المالكية: أقل الاعتكاف يوم وليلة، والمستحب أن لا ينقص عن عشرة أيام.
ودليل من قال: أقله ساعة: قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧]،وهذا يشمل القليل والكثير، وبعض ألفاظ حديث ابن عمر ﵄ في نذر عمر قال: سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكافٍ، فأمر النبي ﷺ بوفائه». [البخاري، برقم ٤٣٢٠]. وهذا يشمل الاعتكاف القليل والكثير، والله أعلم.
ودليل من قال: أقل الاعتكاف: يوم وليلة؛ حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال له رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك»، وفي رواية أنه نذر اعتكاف يوم فقال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية؟ «فأمره أن يفي به»، وفي لفظ لمسلم: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: «اذهب فاعتكف يومًا» [متفق عليه: البخاري، ٢٠٣٢، ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧،ومسلم برقم ٢٧ - (١٦٥٦) ورقم ٢٨ - (١٦٥٦)].
قال ابن حبان: ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه نذر اعتكاف ليلة إلا هذه الرواية: «اذهب فاعتكف يومًا» ... فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم، حتى لا يكون بين الخبرين تضاد. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ٢٧٤]، وقال ابن خزيمة، ٣/ ٣٤٨: «إن العرب تقول يومًا: تريد بليلته، وتقول: ليلة: تريد بيومها»، لكن روى ابن عمر ﵄ أنه قال - أي عمر -: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ: «أوفِ بنذرك فاعتكف ليلة»، رواه الدارقطني، ٢/ ١٩٩، وقال: «هذا إسناد ثابت»، وهذا صريح في أنه إنما نذر اعتكاف ليلة، وعلى هذا فأقل ما ورد: يوم أو ليلة. [انظر: كتاب الفروع لابن مفلح،
٥/ ١٤٣، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٥٦٦ - ٥٦٧، والموسوعة الفقهية الكويتية،
٥/ ٢١٢ - ٢١٣].

1 / 461