Mawsūʿat masāʾil al-jumhūr fī al-fiqh al-islāmī
موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي
Publisher
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
Edition
الثانية
Publication Year
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
Publisher Location
مصر
موسوعة
مسائل الجمهور
في الفقه الإسلامي
هذه الموسوعة تضمنت أمهات مسائل الفقه الإِسلامي التي قال بها جمهور العلماء من أئمة السلف وصالحي هذه الأمة في خير القرون ابتداء بعصر الصحابة والتابعين وانتهاء بآخر عصر الأئمة المجتهدين
تَأِلْيف
الدكتور: محمد نعيم محمد هاني ساعي
أستاذ الفقه وأصوله - الجامعة الأمريكية المفتوحة
الولَايات المتحدَة
المجلَّد الأوَّل
دار السلام
للطباعة والنشر وَالتوزيع والترجمَة
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله دائم الفضل والإنعام والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام سيدنا محمَّد وآله الطيبن وأزواجه الطاهرات وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان على الدوام من السلف الصالح والخلف العظام المبتغين وجه مولانا ذي الجلال والإكرام وبعد.
فهذا كتابنا "موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإِسلامي" قد شاء ربنا ﷿ أن يرى النور بعد إذ ظل حبيس الخزائن والأوراق أكثر من سبعة عشر عامًا فلله الحمد والشكر على ما أنعم وأتم.
الباعث على تأليف هذا الكتاب
لقد كنت وما زلت أعتقد أنَّ الفقه الإِسلامي هو حياة الأمة ومبعث المتقدم والتحضر فيها بل هو عندي ميزان قوتها وضعفها ومؤشر عزَّتها وهوانها ...
إن الفقه الذي أعنيه ليس كتابًا ودرسًا أو محاضرةً وندوةً ولا حتى استفتاءً وفتوى وحسب، بل هو قبل ذلك علم وعمل ومعرفة وأخلاق، وأعظم من ذلك كله دستور وقانون وحاكم وسلطان ... إنه بكلمةٍ مختضرةٍ هوية شعبٍ وكيان أمة .... إنه كتاب ناطق وسنَّة ماضية ... إن الفقه يا أحبتنا .... القرآنُ الكريمُ بسوره وآياته وعبره وعظاته، وأمره ونهيه .... إنه سنة الحبيب المصطفى ﷺ بكل ما فيها من حب ورحمة وأدب وتواضعٍ وهدًى ورشاد ....
الناقلون لهذا العلم
وإذا كان الفقه بهذا المعنى الكبير فلابد أن يتناسق حاملوه وناقلوه مع ما ذكرناه .... نعم أيها القراء الأعزاء .. إنهم العلماء والفقهاء .. إنهم ورثة الأنبياء، وطريق الأولياء .. تلقٍ وإسناد وزهدٌ وعزوفٌ وعزة واستغناء، وخضوع وإِخباتٌ ... وصدق وإباء .. إنها بعض صفات الناقلين لهذا العلم الجليل ... ولو أنك رأيت الفقه الإِسلامي وقد تخلَّفت عنه بعض معانيه التي ذكرنا أو بعض صفات حامليه وناقليه التي إليها نوَّهنا وأشرنا فاعلم أنه ليس هو الفقه الذي أراده النبي ﷺ بقوله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ... نعم ليس هو الفقه ذاك .. إن فقهًا تُباع به الأديان. وتشتري به الذمم أو فقهًا تُطرق به أبواب الدنيا ويتلهى به عن الآخرة. ليس هو فقه الإِسلام والدين الذي ذكره
1 / 3
ربنا ﷿ في كتابه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .. وإن الفقه الذي صار قاصرًا على الحرف والقلم. وانفصل عن ميادين الحياة والذمم .. ليس هو الفقه الذي أمر به مولانا ﷾ عندما قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ...
فإذا كان هذا الذي ذكرناه قد كان بعضه أو جله ولا زال كائنًا فهل هي نهاية الدنيا وآخر الأمر؟؟ ... لا وألف لا .. إنه نور الله لابد أن يتم (١) .. وهو دينه ﷿ لابد أن يظهره على الدين كله (٢) .. وإنه التجديد في دين هذه الأمة لابد كائن (٣) ولولا هذا وذاك لما شرع قلم أو خط بنان .. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
مسائل الإجماع
لا يختلف فقيه أو عالم على أهمية الإجماع في الشريعة الإِسلامية، إذ هو ركن ركين من أركان الفقه الإِسلامي وهو في حقيقته عمود هذا الدين الذي قام عليه في قسميه العقدي والتشريعي ونحن هنا سنخصُّ القسم التشريعي. في الكلام على مواده وبعض ما يؤخذ على المشتغلين به، وأما الإجماع في قسمه العقدي. فقد إنتهينا بحمد الله وفضله من الكلام عليه وفق قواعد النظر والاستدل في كتابنا "القانون في عقائد الفرق الإِسلامية" بوضع قانونٍ يرجع إليه المختلفون في العقائد من أصحاب المقالات والفرق الإِسلامية إذا راموا وحدةً علميةً فيما بينهم تقوم على أصول هذا الدين وفق منهاج لا مجاملة فيه ولا مداهنة يعتمد على "قواطع الوحي واللغة والعقل".
الإجماع "المتفق عليه"
والإجماع الذي نعني هو الإجماع المتفق عليه الذي مهما بحثت له عن مخالفٍ من المجتهدين كثر أو قلَّ كان مشهورًا أو مغمورًا (٤) فإنك لن تجد له سبيلًا.
(١) قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ...﴾ [التوبة: ٣٢]
(٢) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ..﴾ [التوبة: ٣٣].
(٣) قال ﷺ:"يبعث الله على رأس كل قرن (أو مائة عام) من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" [أخرجه أبو داود في السنن عن أبي هريرة ﵁ بإسنادٍ صحيح].
(٤) وسواء كان هذا الخالف صاحبيًّا أو تابعيًّا أو غيرهما من سائر المجتهدين المعتبرين، وسواء كان المخالف في زمان وقوع المسألة أو بعدها بشرط أن لا يثبت إجماع صريح في زمان المسألة أو الواقعة. إذ لا يجوز في مذهبنا إذا ثبت هذا أن يُحْدِثَ أحدٌ اجتهادًا جديدًا، وهو بالاستقراء قليل ونادر.
1 / 4
وهذا الإجماع قسمان: قسم يعلمه الخاصة والعامة من المسلمين وهو المسمى عندهم بـ "المعلوم من الدين بالضرورة" كفرض الحج والصيام والصلوات الخمس والزكاة وبعض التفصيلات في تلك الأركان كوجوب الطواف والسعي والوقوف بعرفة ووجوب الإمساك في رمضان في نهاره وحل الإفطار في ليله وأن الصلاة فيها قيام وقراءة وركوع وسجود وغير ذلك، ومن هذا القبيل علم الخاصة والعامة بتحريم الزنا والربا والخمر والميسر وقذف الأعراض ونحو ذلك، ومن هذا القبيل كذلك تحريم التبرُّج وكشف العورات في الجملة ووجوب التستر والتحشُم والعفاف، فهذا النوع من الإجماع لا يحتاج لبحث أو اطلاع أو سؤال عالم أو استفتاء فقيه.
وقسم آخر من الإجماع هو في حقيقته تفصيل للقسم الأول، وهذا إنما يعرفه الخاصة من المسلمين وهم علماء الشريعة وفقهاؤها، وأما العامة ففرضهم سؤال أهل العلم واستفتاؤهم (١) ومن هذا القبيل: إجماعهم على أن القصر جائز في السفر المعتبر (٢)، وإجماعهم على بعض أنصبة الزكاة المفروضة، وإجماعهم على بعض مناسك الحج ووجوب الدماء في بعض محظوراته، ومن هذا القبيل إجماعهم على معنى التستر الذي أمرت به المرأة وهو "الحجاب" وهو ستر البدن كله ما عدا الوجه والكفين (٣)، وغير ذلك، وإنما يقل معرفه العامة في المسلمين بهذا القسم ويكثر بحسب إقبال الناس على العلم والاحتكاك بالعلماء والتلقي عنهم، وهذا في حقيقته يعكس حال أمة الإِسلام تقدمًا وتخلُّفًا، فهذه الأمة كانت أيام عزها وريادتها مقبلة على العلم والتعلم عارفة بكثير مما أجمع عليه العلماء واختلفوا فيه، ولما تخلفت وتأخرت دبَّ فيها العجز وفشا الجهل بأبسط معارف دينها ودنياها فلله الأمر من قبل ومن بعد.
الإجماع المُدَّعى
وأما الإجماع بغير المعنى الذي ذكرناه وبقسميه السابقين فقد تعددت مراتبه وكثر مدَّعوه، من ذلك فتوى الصحابي الذي لم يعلم له مخالف بين سائر الصحابة، ومن
(١) يعني طلب معرفة تلك المسائل من العلماء والفقهاء؛ إذ أن مسائل الإجماع بالمعنى الذي أشرت إليه سابقًا وبقسميها المذكورين لا تحتاج لفتوى عالم أو فقيه؛ لأنها ليست محلًّا أصلًا للاجتهاد أو البحث والنظر وإنما وظيفة العلماء والفقهاء هي بيانها والدلالة عليها.
(٢) مع اختلافهم في تحديد معنى السفر الذي يجوز فيه القصر.
(٣) أما الوجه والكفَّان ففيهما خلاف مشهور. انظر كتابنا "النقاب ودعاة الاختلاط"
1 / 5
ذلك اتفاف الخلفاء الراشدين أو اتفاف أهل الحرمين أو اتفاق أهل المدينة أو اتفاق أكثر أهل العلم فكل ذلك لا يُعَدُّ إجماعًا على التحقيق في مذهبنا ومذهب جمهور أهل العلم من الأصوليين والفقهاء، وهذا النوع من إجماع المُدَّعى أكثر من الإجماع المتفق عليه الذي ذكرته أولًا وقد شكلت مسائل هذا النوع من الإجماع (أعني الإجماع المدعى) أكثر مادة "موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي" للشيخ الفاضل الأستاذ "سعدي أبو حبيب". أجزل الله مثوبته مما جعل موسوعته مزيجًا وخليطًا من مسائل الاتفاق ومسائل الاختلاف، بل حتى مسائل مقطوع بالإجماع فيها. ومسائل مقطوع بالخلاف فيها وقد صرح هو حفظه الله بهذا المزج في مقدمة كتابه، إلا أنه يعاب على المصنف أكرمه الله تعالى أنه لم يلتزم بالتمييز بين المسائل التي ثبت فيها الإجماع أو صحَّ وبين المسائل التىِ ثبت فيها الخلاف المعتبر؛ بل وفي كثير من الأحيان المسائل التي اشتد فيها الخلاف.
فإن قال قائل: لكن المصنف لم يلتزم بتعريف معين للإجماع كما ذكرت، وكما بين هو فلا يصح أن ينازع فيما أدخله في كتابه في شتى أنواع الإجماع.
والجواب: أن هذا التوجيه لا يصح لأن المصنِّف حفظه الله تعالى قد فسح المجال في هامش كتابه لنقد بعض المسائل التي ادُّعِيَ فيها الإجماع لعدةٍ من الأئمة، وكان معظمها من نصيب ابن حزم الأندلسي ﵀ تعالى، ومن كتابه "نقد مراتب الإجماع" لكن الشيخ سعدي حفظه الله كما قلت لم يلتزم بهذا المنهج في كثير من المسائل التي ثبت فيها الخلاف؛ بل والخلاف الشديد في بعض الأحيان، وكان من اليسير على الشيخ أكرمه الله أن يثبت هذا الخلاف في هامش كتابه؛ لأن هذا الخلاف موجود في نفس المصدر، وفي نفس الصحيفة في بعض الأحيان التي نقل منها أو منه المسألة التي ادعِيَ فيها الإجماع (١)، وهذا عندي خلل يذهب بفائدة كبرى من فوائد تلك الموسوعة وهي التمييز بين ما لا يجوز فيه الخلاف ولا الاجتهاد، وبين ما يجوز فيه ذلك، وبين ما ليس فيه سعة للناس وبين ما لهم فيه سعة وبحبوحة يستوي في هذا الأمر الأخير العامةُ والخاصةُ، وهناك أمور أخرى تؤخذ على موسوعة الإجماع ليس هذا مجال بسطها الآن (٢).
(١) انظر (يمين) (١٠) ح ٢ [ي ٩/ ٥٢٠ م ١١٣٣] وانظر (بيع) (٤٩) فقره (٢) ح١ [ب ٢/ ١٥٧ م ٤٢٥ ن ٥/ ١٤٩] وراجع مج ح ٦ ص ٣١٧. مغ ح ٤ ص ٢١٦. وانظر (مواريث (١٥١) ح ٢ [ي ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤].
(٢) إلا أن هذا الذي ذكرته لا يقلل من شأن الجهد الذي بذل في تلك الموسوعة بل نحن لازلنا ندعو لمصنفها ونذكره بالخير والثناء والحسن ونعترف له بالجميل، تقبل الله منا ومنه آمين.
1 / 6
أهمية اتفاق أكثر أهل العلم أو "قول الجمهور"
لقد ذكرت فيما مضى أن "اتفاق أكثر أهل العلم" لا يُعتبر إجماعًا عند أكثر الأصوليين والفقهاء، وهو كذلك. إلا أن هذا لا يقلل من شأن قولهم، بل إنه في حقيقته يعزز من مكانته ولو لم يكن لقول "الجمهور" إلا اختلاف العلماء في اعتباره إجماعًا لكفى، فكيف إذا عرف القارئ ما لقول "الجمهور" من أهمية وفضل فوق هذا الذي ذكرناه. فلا أظنه يعجب بعد ذلك من إنفاقنا الوقت والجهد والمال لتأليف هذه الموسوعة المباركة.
موسوعة مسائل "الجمهور" صلة وصلٍ بين الأصول وبين الفروع
إن المستقرأ لأحكام الشريعة يجد أنها تنقسم إلى قسمين رئيسين: أصول مجمع عليها، وفروع مختلف فيها، ويجد كذلك أن الفروع المختلف فيها تنقسم إلى قسمين: فروع أشتد فيها الخلاف (١)، وفروع ضعف فيها الخلاف (٢)، وهذا القسم الأخير يضعف فيه الخلاف ويضيق حتى يقترب جدّا من مسائل الإجماع. وقد لا يكون هذا فتبقى المسألة أقرب إلى مسائل الخلاف، وهذا هو بكل تبسيط واستقراء حال مسائل الجمهور التي قمنا بجمعها في هذه الموسوعة المباركة إنها أشبه ما تكون بالمواد الضرورية لحماية هيكل البناء أو العمران فلا هي هيكل وقواعد وأعمدة، ولا هي في الوقت نفسه تزويق أو تزيين أو كماليات للبناء لكنها بين ذلك وذاك من غير أن يستغنى واحد منهما عنها.
مسائل الجمهور وأمهات مسائل الفقه الإِسلامي
للفقه مسائل هي قوامه وأصله، عليها وعلى أساسها قام التشريع الإِسلامي، وعليها وعلى تفريعاتها جرى معظم جهد الفقهاء وأئمة العلم، هذه المسائل تُسمى عند العلماء بـ "أمهات مسائل الفقه" وهي مسائل تتناول أبواب الفقه من أولها إلى آخرها عبادات ومعاملات، وهذه المسائل في حقيقتها تمثل المادة الخام التي تشكلت منها تصورات
(١) يعني تحددت في المسألة الأقوال وكثر عدد المختلفين في كل فريق.
(٢) يعني انحصرت في المسألة الأقوال وقيل عدد المخالفين للأكثرين.
1 / 7
موالإِسلام ومفاهيمه العامة، فمسائل الطهارة في أصولها من تقسيم المياه إلى طاهرة مطهرة وطاهرة غير مطهرة ومتنجسة وتقسيم الماء إلى قليل وكثير، ومسائل تطهير المتنجس من ثوب أو بدن أو مكان، ومسائل شروط صحَّة الصلاة من وضوء وغسل وستر عورة واستقبال قبلة، وتفصيلات مسائل الوضوء والغسل وما يوجبهما ويفسدهما.
أقول هذه كلها أمهات مسائل ولو ذهبت أستقصي سائر أبواب الفقه لما انتهينا إلا بوضع مصنف برمته يلتقط درر تللث المسائل ويجمع شملها، فإذا عرف القارئ أن مسائل الجمهور هي معظم أمهات مسائل الفقه الإِسلامي (١) إن لم تكن كلها وإذا عرف القارئ كذلك أننا ضممنا إلى مسائل الجمهور كثيرًا من مسائل الإجماع أو الاتفاق المتعلقة بها، فلا أظن بعد هذا أن كتابنا هذا قد ترك من أمهات مسائل الفقه إلا القدر اليسير والنادر (٢) وكتاب هذا شأنه أرجو من الله تعالى أن تتم به الفائدة ويكثر به النفع.
مسائل الجمهور ومقاصد الشريعة وكليَّاتها الكبرى
لقد استقصينا مسائل الجمهور التىِ جمعناها واستقرأنا معانيها التي تضمنتها فما وجدناها في غالبها الأغلب إلا منسجمة ومتناسقة مع مقاصد الشريعة وقواعدها وكلياتها "الكبرى" فمقاصد الحرص على التطهر والتنظف من الأدناس والأرجاس، ومقاصد التخفيف والتيسير ورفع الحرج في العبادات خاصة؛ كلها متفقة مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في تفصيلات تلك المسائل، ومقاصد الأمر بالتستر والتحشم وحفظ العورات وسد أبواب التعدِّي على الأعراض والأموال والدماء، ومقاصد الردع والزجر في أبواب الحدود والجنايات، أقول: كل ذلك منسجم في معظمه كما قلت مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والعلماء، وقيل الأمر نفسه في سائر مقاصد الشريعة، وكلياتها ولا غرابة في هذا؛ فإنه من مقتضيات البناء الإِسلامي الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة.
مسائل الجمهور وقواعد الفقه
وإذا كانت القواعد الفقهية التي وضعها الفقهاء بعد استنباطهم لأحكام الفقه من
(١) يعني في قسمه المختلف فيه.
(٢) وهذا الذي ذكرته صادق إن شاء الله تعالى، وما على القارئ إلا استعراض كتابنا هذا لتتأكد له تلك الحقيقة العلمية الكبرى
1 / 8
أدلتها التفصيلية لا تبتعد كثيرًا في روحها عن مقاصد الشريعة، فلا عجيب بعد ذلك أن تأتي مسائل الجمهور منسجمة في غالبها الأغلب مع تلك القواعد، فقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" أو قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع" أو قاعدة "الأمور بمقاصدها"، أو قاعدة "العادة محكمة"، وغير ذلك من قواعد الفقه الكبرى لا تذهب بعيدًا عما قال جمهور الفقهاء والعلماء.
مسائل الجمهور وأدلَّة الفقهاء في المسائل المتنازع فيها
إن المستقرأ لمسائل الجمهور والأدلة التي استندت إليها يجد أنها في الغالب الأغلب أقوى دليلًا وأظهر حجة بالمقارنة مع أدلة من خالف الجمهور من بعض أهل العلم المجتهدين وأئمته، وهذا الترجيح الذي خلصنا إليه وإن كان ترجيحًا اعتباريًّا في أعيان المسائل وتفصيلاتها، إلا أنه في ظني ترجيح صادق في جملته وعمومه، فقد يختلف أهل النظر من المشتغلين في الفقه وعلومه في المسألة الفلانية مثلًا التي قال فيها الجمهور بقول. أهو أرجح دليلًا وأقوى حجة من قول من خالفهم؟ أم أن قول غيرهم أقوى وأظهر؟ إلا أن هؤلاء الناظرين لو جمعوا مسائل الجمهور كلها الراجح منها والمرجوح لوجدوا والله تعالى أعلم أن ما رجح منها يفوق بكثير المرجوح والضعيف (١)، وقد رأيت المشتغلين بمذاهب الأئمة ونقل أقوالهم يجنحون إلى هذا الذي ذكرته أو نحوه كابن المنذر وابن رشد وابن حجر وغيرهم رحمهم الله تعالى.
" ترجيح مذهب الجمهور في الجملة" له أسبابه
ولما بحثنا عن الأسباب الكامنة وراء قوة قول الجمهور في الجملة ورجحانه، وجدنا ما تقر به الأعين وتلذُ به الأنفس، وهاك أيها القارئ الحبيب بعضها:
(١) وكما ذكرت هذا الذي توصلت إليه ظنًّا واجتهادًا يبقى الباب مفتوحًا لكل باحث وناظر ليخلص إلى النتيجة التي تهتدي إليها دراسته ويطمئن إليها بحثه وما أظنه في نهاية المطاف إلا ضامًا رأيه إلى رأينا في هذا المقام، والله تعالى أعلم.
1 / 9
مسائل الجمهور وقول "أكثر الصحابة والتابعين"
أولًا: لن تجد في الغالب الأغلب قول الجمهور من الفقهاء المجتهدين في الأعصر المختلفة إلا وهو موافق لقول أكثر الصحابة أو التابعين أو قول أكثر الصحابة والتابعين معًا إذا وجد (١) لأكثر هؤلاء رضي الله تعالى عنهم قول في المسألة التي قال بها الجمهور من الفقهاء، وهذا أمر مفروع منه توصلنا إليه بالبحث والاستقراء، وهذا السبب وحده فيه من قوة الترجيح ما يعتز به الفقيه ويفخر وذلك بالنظر إلى حقيقته ومعناه.
مسائل الجمهور وبلوغ الخبر النبوي لبعض المجتهدين دون بعض
ثانيًا: إذا كان من بين أسباب الخلاف بين الأئمه المجتهدين هو بلوغ الحديث النبوي على صاحبه أفضل صلاة وأتم سلام لبعض المجتهدين دون بعض، فإنك لن تجد في الغالب الأغلب الجمهور من الفقهاء يذهبون إلى قول إلا والحديث الشريف والنص النبوي في المسألة معهم لا يتركهم ولا يتركونه، وإن فات البعض من الأئمة هذا الحديثُ فهو من نصيب غير الجمهور في الجملة والغالب الأغلب.
مسائل الجمهور وترك العمل بالخبر النبوي لمعارضة ظاهره أصلًا من أصول بعض المجتهدين
ثالثًا: وسواء كان هذا الأصل "عمل أهل المدينة" أو "القياس" أو "عموم الكتاب" أو "النص قطعي الثبوت" أو غير ذلك، فإن هناك تلازمًا في الجملة وفي الغالب الأغلب (٢) بين صحة الخبر النبوي (وسلامته من قوادح الشذوذ والعلة ومعارضة
(١) فقد لا يوجد في بعض المسائل أو كثيرها قول لأكثر الصحابة أو التابعين أو لأكثرهم معًا.
(٢) من الأمثلة التي خالف فيها الجمهور ما ذكرته: مسألة إرضاع الكبير، فقد صح فيها الخبر وترك الجمهور العمل به وجعلوه من باب الخصوصيات، ومن هذه الأمثلة كذلك ترك العمل بحديث ابن عباس في زواج السيدة ميمونة في الحج، وعذر الجمهور في ذلك دخول الوهم على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وغير ذلك من النوادر التي لا تقدح في جملة ما ذكرته آنفًا.
1 / 10
الإجماع الثابت) وبن قول الجمهور، فخلاف مالك للجمهور مشهور في مسائل ترك العمل بالحديث الصحيح والذي قد يرويه هو أحيانًا ﵀ لمخالفة ظاهره عمل أهل المدينة، وكذلك خلاف أبي حنيفة ﵀ تعالى للجمهور مشهور في مسائل ترك العمل بالحديث الثابت لمعارضته عموم نص قرآني، أو غير ذلك من خلاف بعض الأئمة المجتهدين للجمهور لبعض ما ذكرته.
مسائل الجمهور والقوة الكامنة في قول الأكثر والأغلب
رابعًا: وهذا أمر تشهد له العقول، ويرتاح له النظر، وهو أن القوة في القول والسلامة في الرأي هي في الغالب في جانب الأكثر والأغلب ما دامت قضية تقبل الخطأ والصواب، وهو أمر لا ينحصر في مسائل الفقه المختلف فيها، وإنما هو أمر عام في كل مسألة أو قضيةٍ تحتمل أكثر من رأي كونها ليست من قواطع العارف ولا من ثوابت الأمور، فما جلس جماعةً من الناس يناقشون مسألة مما يصح فيها القبول والرفض، أو الإقدام والإحجام، أو الصحة والفساد، أو غير ذلك من الأضداد وانفض مجلسهم عن ذهاب أكثرهم إلى كذا، إلا رأيت المطَّلع عليهم بداهةً يذهب في الغالب إلى الوقوف عند هؤلاء الأكثرين والأخذ برأيهم إذا ما توفر في هؤلاء المجتمعين شرطان أساسان النزاهة والأهلية، فإذا عدت أيها القارئ الفطن إلى مسائل الفقه الظنية، وهي التي تقبل الاختلاف وتعدد الآراء فلن تجد الأمر يعدو ما ذكرناه في جملته؛ والله تعالى أعلم وأعز وأحكم.
عودة إلى بيان أهمية موسوعة "مسائل الجمهور"
مسائل الجمهور "والحديث الضعيف"
لقد كان موقف بعض الأئمة من الحديث الذي قصر إسناده عن إلحاقه بمرتبة "المقبول" (١) أنهم اعتبروا أمورًا لتقوية العمل بهذا الحديث والأخذ به، منها أن يقول
(١) ينقسم الحديث النبوي على صاحبه الصلاة والسلام من حيث الاعتداد به في الأحكام الشرعية العملية إلى قسمين رئيسين الأول: المقبول ويبدأ بالحديث الحسن لغيره وينتهي بالمتواتر لفظًا، الثاني: المردود ويبدأ بالمرسل وينتهي بالموضوع، وبين تلك المراتب مراتب مذكورة في مظانها من كتب علم الحديث.
1 / 11