Daʿwat al-rusul ʿalayhim al-salām

دعوة الرسل عليهم السلام

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الأولى ١٤٢٣هـ

Publication Year

٢٠٠٢م

مقدمات
المقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد،،،
فإن أشرف الأعمال وأجلها هو الدعوة إلى الله تعالى، ففيها عظمة الموضوع، وسمو الوسيلة، ونبل العمل، ورقي الغاية، وذلك أمر أكده الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقد خص الله ﷾ رسله الكرام ابتداء بهذا الشرف، وكلفهم به وبعثهم بوحي منه يبلغونه للناس، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢.
وقال سبحانه لكل منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣.
وعلى مدار التاريخ من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ قام الرسل بواجبهم هذا، وحملوا أمانة الدعوة بكل صدق وإخلاص، وتركوا سيرة مثالية تعد أسوة لكل من يرجو الله واليوم الآخر، وكان محمد ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، ختم بدعوته سائر دعوات الله، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وترك للبشر كل ما ينفعهم، وكل ما يحتاجون إليه، بالنسبة للدعوة وغيرها.
عرف بوجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وألزم الأمة المسلمة به، حيث أخبرهم بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.

١ سورة فصلت آية: ٣٣.
٢ سورة النساء من آية: ١٦٥.
٣ سورة المائدة آية: ٦٧.
٤ سورة آل عمران آية: ١٠٤.

1 / 5

وبقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١.
وكما عرفهم بحكم تبليغ الدعوة، فصل لهم طريقة الدعوة، وأسلوبها، ومنهج إيصالها إلى عقول الناس وقلوبهم، وكيفية توجيه الخطاب ... ووضح لهم ذلك بطرق شتى، فمرة يوجههم نحو المنهج مباشرة، ويقرأ لهم قوله تعالى:
- ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، وبهذا يقوم منهج الدعوة على الإيجاز، والدقة، والرمز، وهو المراد بالحكمة، كما يقوم على التفصيل، والتحليل، والإثارة، وهو المقصود بالموعظة الحسنة، كما يراعي المنهج شخصية المدعوّ، فإن كان مجادلا، فليكن جداله بالتي هي أحسن.
- ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ٣.
- ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ٤.
ومرة أخرى يوجههم نحو الأسلوب، بعرض قصص الأنبياء بما تشتمل عليه من حقائق عديدة، تتصل بموضوع الدعوة، وأسلوبها، ومنهجيتها الاتصالية، ومدى تقدير المسئولية عند من يتحمل أمانة الدعوة والتبليغ، وكيفية مواجهة المواقف الصعبة التي تحدث مع القيام بالبلاغ والدعوة. يبين القرآن الكريم هذا وهو يوضح الغاية من

١ سورة التوبة آية: ١٢٢.
٢ سورة النحل آية: ١٢٥.
٣ سورة الأعلى آية: ٩.
٤ سورة الغاشية آية: ٢١، ٢٢.

1 / 6

القصص القرآني، يقول الله تعالى:
- ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وبقوله سبحانه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
ومرة ثالثة يوجههم بتوضيح خواطر النفس، واتجاهات الهوى، وسبحات العقل والروح، وهو يحدثهم عن طبقات الناس من الملأ، والضعفاء، والمترفين، واليهود، والنصارى، والصابئة، والمجوس، والذين أشركوا، ومعهم، وقبلهم المؤمنون المخلصون.
... وهكذا يلتقي الدعاة مع منهج الدعوة الحكيم.
إن قصص القرآن الكريم يُجلِّي حركة الدعوة، ويوضح تاريخها على الزمن كله، بصدق تام لا ريب فيه، ولا خيال، ويركز هذا القصص على الجوانب المفيدة النافعة، ذات التأثير في الخلق، والسلوك، والاعتقاد، ويقدم الدعوة، موضوعا، ومنهجا، وهي تتحرك مع الناس، في صورة عملية حية؛ لتأكيد ملاءمتها للفطرة، وتوافق التحرك بها في إطار المنهج الرباني.

١ سورة هود آية: ١٢٠.
٢ سورة يوسف آية: ١١١.
٣ سورة الأعراف آية: ١٧٦.

1 / 7

إن واقع المسلمين المعاصر في أمسّ الحاجة إلى المدارسة الجادة لقصص الرسل، من أجل الوقوف على منهجهم في الدعوة، ومعرفة حقائق الناس، وخفاياهم، واكتشاف الوسائل المثلى للجدل، والخطاب، والإقناع، والإرشاد، ولم ينتقل رسول الله إلى ربه إلا بعد أن وضح المنهج، وعرفت الوسائل والأساليب ... وصارت مبادئها، وأساسياتها، مصورة في وقائع عملية، وأحداث تطبيقية، تشهد بحيويتها، وتأثيرها في الناس.
وانطلاقا من الشعور بواجب الدعوة، ومحاولة لبذل جهد على قدر طاقتي، أكتب في تاريخ الدعوة، يحدوني الأمل في توفيق الله تعالى لأتغلب على الصعاب العديدة.
إن الكتابة في هذا الموضوع جديدة، والجديد دائما يحتاج للجهد والعمل، ويتعرض للنقد والمعارضة، وبخاصة إذا قلت مراجعه، وندرت العقول التي تناولته بالتحليل والتوضيح ... وأين لي بوقت أستعين به في أداء المقصود على وجه سديد ... ولكنه الأمل في الله، إن الأمل في الله كبير وهو صاحب الفضل: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
ولقد ألف في قصص الأنبياء، وقصص القرآن عددٌ من العلماء أسهموا في إبراز هذا التراث العظيم، ووجّهوا أنظار المسلمين إلى ما فيها من عبر وفوائد.
وأعانني الله تعالى فقرأتُ أغلب هذه المؤلفات، ورأيت ضرورة إبراز الجانب الدعوي في قصص الأنبياء؛ لإيماني بأن القرآن الكريم نزل للدعوة، وكل ما فيه من قصص، وأحكام، وتشريع هو توجيه للدعاة، بدءا برسول الله ﷺ الذي أرسله الله للناس ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، واستمرارا مع كل الدعاة المخلصين إلى يوم القيامة.
ولهذا استخرت الله تعالى في الكتابة عن الجانب الدعوي، من خلال تاريخ الأنبياء ﵈؛ لأن الدعوة من خلال تاريخ الأنبياء وقصصهم تعد في الحقيقة

1 / 8

إظهارا عمليا لحركة الدعوة وسلوك الدعاة، وموقف المدعوين، وشبه المعارضين، وكشفا حقيقيا لتصرفات أعداء الدعوة إلى الله تعالى.
ومن هنا كان توضيح تاريخ الرسل، من خلال القرآن الكريم، إحياء للماضي وتقوية للحاضر، ودستورا دائما للدعوة، يحدد المسار ويبين المنهج، ويشير إلى النتائج النهائية للمؤمنين، وللكافرين، على حد سواء.
ومن أجل تحقيق الفائدة من هذه الدراسة، اتبعت منهجا واحدا مع تاريخ سائر الرسل، وبخاصة من فصل القرآن الكريم في دعوتهم، يعتمد الأسس التالية:
أولا: التعريف ببيئة قوم الرسول؛ لمعرفة حضارتهم، والنعم التي تفضل الله بها عليهم، وأشهر الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله تعالى.
ثانيا: التعريف بقوم الرسول، والوقوف على أهم طبائعهم النفسية، والفكرية، ومدى تمسكهم بالضلال في العقيدة، والانحراف في الخُلُق والسلوك.
ثالثا: التعريف بالرسول ﵇ ونشأته، وأخلاقه، وملامح الصناعة الربانية فيه، ومناط الأُسْوة، والقدوة للدعاة، والمؤمنين.
رابعا: التفصيل في بيان حركة الرسول بالدعوة في قومه، وتشمل الحركة المنهج والوسيلة، والأسلوب، كما تبين فطنة الرسول ودقته وهو يدعو إلى الله تعالى.
خامسا: إبراز أهم ركائز الدعوة مع كل رسول؛ لتكون دعائم أساسية للدعاة في مجال التأسي والاعتبار.
وبعد الانتهاء من دراسة تاريخ دعوة الرسل، قمت بدراسة مطولة حول أسس الدعوات الإلهية، ومدى تكريمها للإنسان، وتحديدها للغاية التي خلق من أجلها مع بيان شخصية مبلِّغ الدعوة، ومنهجية البلاغ من خلال دراسة هذه الأسس،

1 / 9

والأمل أن تقدم الدراسة التفصيلية لتاريخ الرسل، والتحليلية للمبادئ والأسس الطريقة المثلى للدعاة في العصر الحديث، وليعلم الجميع أنه لا جديد عن الدعوة من كافة نواحيها يختلف عما جاء في القرآن الكريم.
إني أرجو من خلال كتابة تاريخ الدعوة ربط أحداث الماضي، بوقائع الزمن الحاضر، وإنارة طريق المستقبل؛ ليعيش الدعاة متخذين قدوتهم الرواد الأوائل الذين هداهم الله، وليكونوا لمن بعدهم المثل والأسوة، حتى تعود الأمة الإسلامية لعهدها الأول، وتصير بحق خير أمة في العالمين.
والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
ا. د/ أحمد أحمد غلوش
مدينة نصر في أول محرم سنة ١٤٢٢هـ
الموافق ١٥/ ٣/ ٢٠٠٢م

١ سورة الحديد آية: ٢٩.

1 / 10

تاريخ الدعوة واقع ومنهج:
علم التاريخ من العلوم الهامة ذات الفائدة القصوى للإنسان؛ لأنه يتخذ الماضي موضوعا لدراسته، ويعيش مع الوقائع والأحداث وفق منهج وصفي، يعتمد الحياد والموضوعية، ويجمع الأحداث والوقائع من مصادرها الصحيحة، ويحللها بأمانة، وينسقها على أسس عقلية متكاملة؛ لتنطق بكافة جوانب الحدث، وتصوره أمام الناس، وبذلك يعرف التاريخ بواقعه، ويظهر الماضي بأشخاصه، وأعماله، وحيويته، ويتمكن الباحث من استخلاص الدروس والعبر، ويتحقق له الهدف المنشود.
ويحتاج علم التاريخ بصورة عامة إلى عقلية عالمة، تبحث عن الحقائق، وتلتزم بالحق، بعيدا عن التحيز والتأثير، وتنأى بذاتها عن توجيه الأحداث لخدمة أهدافها الذاتية، وخصائصها الثقافية، أو الدينية، أو الجنسية ... وهكذا.
وعلم التاريخ وفق هذا المنهج يساعد في إعطاء صورة صحيحة لتاريخ البشر، ويساهم في وضع منهج للحاضر، والتخطيط للمستقبل، ويؤدي إلى حياة طيبة للعمران البشري.
وعلم "تاريخ الدعوة" فرع من علم التاريخ العام، يهتم برصد جانب معين من الأحداث والوقائع الماضية، وهو الجانب المتصل بالدين، وحركته، وحيويته في حياة الناس؛ ولذلك نراه يعايش دعوات الله تعالى على طول الزمن، فيحدد موضوعاتها التي بلغتها للناس، ويعرف وسائلها في البلاغ والدعوة، ويوضح ما دار حولها من نقاش ونزاع، ويبين موقف المدعوين منها سواء آمنوا بها، أو لم يؤمنوا.
وعلم تاريخ الدعوة يعايش مدعويه جميعا، عامتهم، وخاصتهم، فهم جمهور الدعوة، وهم الأمة التي جاءت الدعوة لهم.

1 / 11

ومما يتصل بأحداث الدعوة، ووقائعها النفقات المبذولة في إنشاء المؤسسات الدينية كالمسجد، والمدرسة، والمستشفى، والأموال التي تصرف زكاة، أو صدقة، في أحد المصارف الشرعية المعروفة.
إن أي نشاط ديني للفرق، والمذاهب، والجماعات المتنوعة، هو جزء من اهتمام تاريخ الدعوة، مهما كان أثرها وجدواها في تنمية المجتمع وتقدمه، أو تخلفه وتقهقره.
ولعل التعريف بالرسل والدعاة على مدار التاريخ محل اهتمام رئيسي لعلم تاريخ الدعوة، فهم حَمَلَة الدعوة، ومبرزوها، ومبلغوها، والمدافعون عنها، وهديهم في التبليغ أساس لمن بعدهم.
إن علم تاريخ الدعوة يبحث موضوعه في إطار منهج علم التاريخ العام، وبذلك يقدم فوائد جليلة للدعوة إلى الله تعالى في العصر الحديث؛ لأنه يقدم أحداث الماضي رصيدا للحاضر، وتوجيها للمستقبل، ويكفي الدعاة أن يعرفوا الحاضر صورة مكشوفة، ويحيطوا بالإنسان المدعو ظاهرا وباطنا؛ لأنهم بدراسة التاريخ يفهمون نفوس الناس، وأخلاقهم، وخواطرهم، واتجاهاتهم، ومواقفهم التي سيتخذونها إزاء الدعوة التي ستوجه إليهم.
والدعاة حين يعلمون ذلك عن الناس يمكنهم اختيار ما يطلبونه من الناس، وطريقة الطلب، ووسيلة الخطاب، ومنهج الدعوة والبلاغ.
يقول سيد قطب: "إن تاريخ الدعوة يصور طبيعة الكفر، وطبيعة الإيمان في نفوس البشر، ويعرض نموذجا مكررا للقلوب المستعدة للإيمان، ونموذجا مكررا للقلوب المستعدة للكفر أيضا"١.

١ في ظلال القرآن ج١٣، ص٢٠٢.

1 / 12

ويقول: "واجه الموكب الكريم من الرسل البشرية بدعوة واحدة، وعقيدة واحدة، وكذلك واجهت الجاهلية دعوة الرسل مواجهة واحدة، وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل، فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل، إنها حقيقة تستوقف النظر ويجب الاستفادة بها"١.
ومن عناية الله تعالى بالدعوة إلى دينه، أن أنزل قصص الرسل والأنبياء وحيا على رسوله محمد ﷺ متميزة بخصائص القرآن الكريم الثابتة، وهي الصدق، والدقة، وقصد الهداية والخير، في استقامة خالية من العوج، والاضطراب.
وبعد تمام الإسلام، وانقطاع الوحي، وانتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى أخذ العلماء، والدعاة المسلمون، يواصلون رصد حركة انتشار الإسلام، ويسجلون عملية تبليغ الدعوة إلى الناس، في أرجاء العالم المختلفة، على قدر طاقتهم البشرية.
وعلى هذا يمكننا -ونحن مطمئنون- أن نقسم دراسة تاريخ الدعوة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، لكل منها خصائصه ومزاياه، وهي:
القسم الأول: ويتضمن تاريخ الدعوة مع رسل الله قبل محمد -عليهم جميعا صلوات الله وسلامه- ومصدر هذا القسم هو القرآن الكريم بصورة رئيسية، فللقرآن الهيمنة على غيره، وكل ما عداه من مصادر أهل الكتاب، أو من الاكتشافات الأثرية، أو من الكتابات القديمة يجب أن تكون متفقة معه، غير متعارضة مع أصوله، وأساسياته، ويتميز هذا القسم بعدد من المزايا:
أ- أخباره كلها صادقة، تلازم الحق والصواب، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٢.

١ في ظلال القرآن ج١٣ ص١٤١، ١٤٢ بتصرف.
٢ سورة الكهف آية: ١٣.

1 / 13

وقال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ٢.
والنبأ وهو الخبر المتعلق بأمر هام، موغل في القدم، مثير للوجدان، والعواطف، والحق هو الصدق الموافق لما وقع٣، المطابق للحدث بلا ريب ولا شبهة.
ب- ارتباط تاريخ الدعوة خلال هذا القسم بالوحي المنزل على رسول الله ﷺ حيث لا دخل لبشر في تصوير أحداثه، أو الإخبار بوقائعه من عند نفسه؛ لأنه غيب أمام البشر، ولولا القرآن الكريم لغاب تاريخ هذا القسم مع أهميته، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٦.
إن قصص القرآن الكريم إخبار عن غيب الماضي، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، أوحى الله به إلى رسوله محمد ﷺ ليكون منهجا يتبع، وطريقا يسلكه الدعاة إلى الله.
وفي الآيات إشارة إلى أن إدراك مضمون هذا القصص لا يكون إلا بوحي الله تعالى.

١ سورة القصص آية: ٣.
٢ سورة المائدة آية: ٢٧.
٣ تفسير النسفي ج٢، ص٢٨٠.
٤ سورة يوسف آية: ٣.
٥ سورة آل عمران آية: ٤٤.
٦ سورة ص الآيات: ٦٧-٦٩.

1 / 14