الأصل: حتى قلت: «هو داسع نفسه»، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرّته «١».
ثم إنّك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقّاه توقّي الشيء تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه.
ومن لطيف الحذف قول بكر بن النّطّاح: [من السريع]
العين تبدي الحبّ والبغضا ... وتظهر الإبرام والنّقضا
درّة، ما أنصفتني في الهوى، ... ولا رحمت الجسد المنضى
غضبى، ولا والله يا أهلها، ... لا أطعم البارد أو ترضى «٢»
يقوله في جارية كان يحبّها، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه. والمقصود قوله «غضبى»، وذلك أن التقدير «هي غضبى» أو «غضبى هي» لا محالة، ألا ترى أنّك ترى النّفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟
ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على الجود: [من الكامل]
قالت سميّة: قد غويت، بأن رأت ... حقّا تناوب ما لنا ووفود
غيّ لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا «موجود»
المعنى: «ذاك غيّ لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي».
وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثمّ أصيب به موضعه، وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها، إلّا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترى إضماره في النفس أولى وآنس من النّطق به.
(١) جرّته: الجرة بالكسرة هيئة الجر وما يفيض به البعير فيأكله ثانية «القاموس: جرر» (٤٦٤). يدسع البعير بجرته: أي يعيد طعامه من جوفه ويمضغه مرة أخرى.
(٢) هذه الأبيات في الأغاني قالها بكر بن النطاح عند ما كان يهوى جارية من جواري القيان وتهواه، وكانت لبعض الهاشميين يقال لها درة، وهو يذكرها في شعره كثيرا، وكان يجتمع معها في منزل
رجل من الجند من أصحاب أبي دلف يقال له: الفرز، فسعى به إلى مولاها وأعلمه أنه قد أفسدها وواطأها على أن تهرب معه إلى الجبل فمنعه من لقائها وحجبه عنها إلى أن خرج الكرج مع أبي دلف فقال بكر بن النطاح في ذلك هذه الأبيات. راجع الأغاني (١٩/ ١٢٥). المنضى:
من النضو: المهزول.
1 / 104
مقدمة المحقق
[المدخل في دلائل الإعجاز- وهو مقدمة الكتاب لمؤلفه]
فاتحة المؤلف فى بيان مكانة العلم
فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه
فصل في تحقيق القول على «البلاغة» و«الفصاحة»، و«البيان» و«البراعة»،
فصل ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و«كلم منظومة».
فصل منه في أن النظم متوقف على التركيب النحوي
فصل: منه في شبهة الذين حصروا الفصاحة في صفة اللفظ
فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره.
[فصل: في ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة]
[فصل: في تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل]
فصل «في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم».
فصل «في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع»
فصل «القول في التقديم والتأخير»
فصل وإذ قد عرفت هذه المسائل في «الاستفهام»، فهذه مسائل في «النفي».
[فصل: الاستفهام له التقديم والصدارة وتقديم ما يقارنه من اسم وفعل]
فصل «هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها»
فصل [في تحليل مثال آخر للحذف]
فصل القول على فروق في الخبر
[فصل: في نكتة عطف الجملة على ما قبل التي تليها]
[فصل منه في أن امتياز العبارة بالتأثير]
[فصل منه في أن معارضة الكلام في البلاغة بحسب معناه لا لفظه]
[فصل: لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير]
فصل هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام
فصل: الكلام ضربان
فصل [من دلالة المعنى على المعنى]
فصل
فصل: منه في اشتراط الذوق والأريحية في هذا الباب
فصل هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم
فصل
[فصل: في الكناية والتعريض]
فصل [من التوكيد]
فصل في مسائل «إنما»
فصل هذا بيان آخر في «إنما»
فصل في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه «بما» و«إلا»
فصل [من إنما]
فصل [في الحكاية والنظم والترتيب]
فصل [في النظم والترتيب]
فصل [في ربط اللفظ بالمعنى]
[فصل: غلط الناس في معنى الحقيقة والمجاز.]
فصل [في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني]
فصل [في علاقة الفكر بمعاني النحو]
فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح والآخر غير فصيح]