ʿaqd al-jumān fī tārīkh ahl al-zamān

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

Editor

د محمود رزق محمود (جامعة المنيا) [ت ١٤٤٠ هـ]

Publisher

مطبعة دار الكتب والوثائق القومية

Publisher Location

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
بعد دراستي لفترة العصر الأيوبي التي كتبها العيني في سفره الكبير "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" شعرت بالمكانة الهامة له بين ثبت المصادر التي تناولت هذه الحقبة التاريخية؛ إذ تضمن المزيد من المعلومات والإضافات الجديدة التي كنا نحتاج إليها، فضلا عن ذلك استشفيت ملحوظتين ربما غابتا عني قبل ذلك وهما:
أولًا: ظاهرة الفروسية التي تعني تمسك الفارس بمبادئ أخلاقية نبيلة في علاقته بخصمه، أو بغير خصمه من شتى صنوف البشر حوله، وهذه المبادئ في كثير من جوانبها قد تفوق ما يعرفه العالم المعاصر من مبادئ حقوق الإنسان. إذ كان الفارس العربي يغضب أمام أية محاولة لخرق عرف أو تقليد أخلاقي، ويرق أمام أية عاطفة إنسانية نبيلة، وكان هذا موروثًا عربيًا إسلاميًا، انتقل إلى أوربا في العصور الوسطى عبر الفاتحين المسلمين، في بلاد الأندلس وصقلية، وعبر الاحتكاك العنيف بين فرسان المسلمين والغزاة الصليبيين، إبان الحروب الصليبية، وخاصة العصر الأيوبي.
ثانيًا: ظاهرة الدوافع التي انطلقت منها أوربا لغزو المشرق الإسلامي؛ وتجاهلها الكثرة من مؤرخي أوربا، حيث صورت هذه الكثرة تلك الدوافع على أنها دينية أي بغرض استرداد بيت المقدس -مهد السيد المسيح ﵇ من أيدي المسلمين، وقد كان هذا هو الزعم المعلن من قبل بابوات روما، وأباطرة وأمراء أوربا، وقد انطلى هذا الزعم على بعض الأتقياء.
أما الهدف الحقيقي؛ فكان المغنم المادي، وانتهاب ثروات بلاد الشرق، وإيجاد مقاطعات للأمراء الأوربيين الذين كانوا مصدر قلاقل لأصحاب النفوذ هناك، بالإضافة إلى طمع المدن التجارية في إيطاليا وغيرها، في السيطرة على طرق التجارة التي تدر عليهم أرباحًا طائلة.

1 / 15

على أي حال كان العيني صاحب فضل في جمع ونقل مادته العلمية عن العصر الأيوبي من مصادرها الأصلية، التي كان أصحابها شهود عيان على الأحداث، كابن الأثير، والعماد الأصفهاني الكاتب، وابن شداد، وغيرهم ممن عاصروا الأحداث، وأهلتهم مكانتهم في الدولة للاطلاع على أدق الأسرار وأخطرها.
كذلك سجل العيني روايات كثيرة فقدت مصادرها فلم تعد متداولة بين المؤرخين، كنقله من الروضتين ما سجله أبو شامة عن ابن أبي طي، وكتاب البرق الشامي للعماد الأصفهاني.
لذا جاءت كتابات العيني عن هذا العصر شبه كاملة، فقد توافرت فيها المادة العلمية، مما جعل لها السبق على سواها، ومن هنا برزت قيمة المخطوط لدى الباحثين.
ولم تكن مصادفة أن أعمل على تحقيق هذا السفر العظيم، خاصة وقد عرفت قيمته العلمية منذ أن سجلت لدرجة الماجستير، فكان من بين المصادر المهمة التي اطلعت عليها، وعرفت كنه ما فيه من مادة علمية شائقة. لهذا شدني هذا السفر العظيم، وانتظرت فرصة سانحة من العمر أتفرغ فيها تماما لإنجاز تحقيقه، إلا أن ظروف العمل، والشواغل، كانت دائما تحول دون تحقيق هذه الرغبة، حتى شاءت إرادة الله أن يتحول الحلم إلى حقيقة واقعة. فبدأت متوكلا على العلي القدير، وألزمت نفسي ببرنامج عمل أسبوعي منتظم، كنت أتوجه فيه إلى مركز تحقيق التراث، أعمل فيه بهمة واستمتاع، يساعدني في ذلك زميلات فاضلات وزملاء أعزاء، خصصت صفحة لذكر أسمائهم وتقديم الشكر لهم.
ولقد أمضيت على هذا النحو أكثر من تسع سنوات، أحقق كل جزئية من جزئيات المخطوط، فكان يتزايد حماسي للعمل مع كل لوحة تنسخ، وورقة تحقق، وحاشية تكتب.

1 / 16

الكتاب ومنهج المؤلف:
لم يكن العيني مؤرخًا عاديًا من المتخصصين في عصر معين من العصور التاريخية، وإنما كان موسوعية وذلك شأن الكثرة الغالبة من المؤرخين المسلمين، فقد انصب اهتمامه عند كتابته لمخطوط "عقد الجمان" على تتبع التاريخ منذ عهد آدم حتى سنة خمسين وثمانمائة. ومن ثم فإن ما قدمه في كتابه يعد رؤية شاملة للتاريخ الإنساني الذي جاء في حلقات متتابعة. وكان من بين هذه الحلقات العصر الأيوبي الذي بين أيدينا. وقد بدأ حديثه عن هذا العصر بقيام الدولة الأيوبية واستمر معها حتى نهايتها.
ولم تكن كتابته عنها من النوع الإخباري الذي يهتم بالحدث الفردي بعينه، وإنما كانت كتابته عنها شاملة تتناول الصورة العامة دون النظر إلى الاختلافات الجزئية التي ربما تؤثر كثيرا على فهم المسار العام للأحداث.
فعند حديثه عن ملوك بني أيوب وأمرائهم؛ ذكر علاقاتهم الخاصة مع بعضهم البعض، ومع غيرهم من شرائح المجتمع، والدول المجاورة، وأعدائهم من الصليبيين وغيرهم. وفي كل هذا كان موضوعيا وأمينا في نقله؛ إذ ذكر أسماء المصادر التي استقى منها مادته العلمية، وأسماء مؤلفيها في ترتيب وإيجاز، باستثناء حالات قليلة. وقدم العيني ذكر حوادث كل سنة على وفيات أعيانها، ورتب ما بعد الهجرة على السنين حتى انتهى إلى آخر سنة ٨٥٠ هـ / ١٤٤٦ م.
ومن ذلك أنه سجل أمر الحج منذ السنة التاسعة للهجرة في نهاية أحداث كل سنة، كما ضبط الأسماء المشتبهة سواء أكانت أسماء أعلام أم مدن أم بقاع.
كذلك نقل العينى العبارات المتداولة واللهجات السائدة، والأقوال والحوارات، كما جاءت في مصادرها، وهذا من غير أن يقدم لها تفسيرات مناسبة؛ مما يترتب عليه بعض الغموض أحيانا في كتابته لها.
ومما يؤخذ على العيني عدم اهتمامه بالأحوال الاقتصادية كزيادة النيل ونقصانه، وغلة الأرض من حيث الوفرة والقلة، والعمل والبطالة، والأسعار غلاءً ورخصًا في العصر الأيوبي، مقارنة بما سجله عن هذه الأمور في العصر المملوكي.

1 / 17

ويبدو أن السبب في ذلك راجع إلى أن العيني كان شاهد عيان على العصر المملوكي، بينما كان يكتب عن العصر الأيوبي نقلًا عن غيره. ومما يؤخذ أيضا على العيني عدم دقته أحيانا في ذكر أسماء المصادر التي ينقل عنها؛ ففي بعض الأحيان يذكر أنه نقل عن ابن الأثير، بينما يكون النقل من ابن كثير أو غيره.
السيرة الذاتية والتكوين العلمي للعيني:
العيني من رجالات القرن الثامن الهجري -الرابع عشر الميلادي- وهو محمود بن أحمد بن موسي بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني الحنفي العينتابي (^١) نسبة إلى عينتاب، إحدى قرى شمالي حلب، وكانت قديما تسمى قلعة الفصوص.
وقد اختلفت الآراء حول تاريخ ميلاده؛ فبعضها ذكر أنه ولد في السادس والعشرين (^٢) من رمضان سنة ٧٦٢ هـ / ١٣٦٠ م، والبعض الآخر ذكر أنه ولد سابع عشري رمضان (^٣)، مع أن والده سجل التاريخ الأول بخط يده (^٤)، وكانت ولادته في درب كيكن (^٥) في قلعة عينتاب، وهي إحدى قلاع بلاد الشام الحصينة. وقد تفتحت عيون أبناء هذه المنطقة على الجهاد، وحب الفداء والتضحية بالنفس في سبيل عزة الإسلام، وكان العيني واحدًا منهم.
وقد نشأ العيني في أسرة تميز أهلها بحب العلم، والعمل في أشرف مهنة وهي القضاء. وكان والده حامل لواء العدل والعلم الديني في المنطقة (^٦)، وقد انعكس هذا بالتالي على أفراد أسرته؛ إذ تلقى ابنه تعليما جيدا بمقاييس ذلك العصر، فلقنه والده مبادئ القراءة والكتابة وتعاليم الإسلام، ثم أدخله الكُتاب فحفظ القرآن الكريم، ولم يتجاوز عمره الثامنة، مما يدل على ظهور ملامح الذكاء المبكر وقوة الذاكرة.

(^١) الزركلي: الأعلام، ج ٨، ص ٣٨، الطبعة الثانية؛ جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج ٣، ص ٢١٠ - ص ٢١١، راجعها وعلق عليها شوقي ضيف، دار الهلال.
(^٢) ابن حجر: رفع الإصر عن قضاة مصر، ص ٢٦٠ أ؛ ابن تغري بردي: الدليل الشافي على المنهل الصافي، تحقيق فهيم محمد شلتوت، ج ٢، ص ٧٢١ - ٧٢٢، ترجمة رقم ٢٤٦٥، الطبعة الثانية، دار الكتب - القاهرة ١٩٩٨ م.
(^٣) السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣١؛ الشوكاني: البدر الطالع، ص ٢٩٤؛ على مبارك: الخطط التوفيقية، ج ٦، ص ٢٥.
(^٤) السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣١.
(^٥) ابن تغري بردي: الدليل الشافي، ج ٢، ص ٧٢٢.
(^٦) السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣١.

1 / 18

وبعدها بدأ العينى بدراسة القراءات السبع على يد الشيخ حسين العينتابي، شيخ القراءات في عصره.
أما الفقه فقد أخذه عن والده، وقرأ عليه مقدمة أبى الليث السمرقندي في الفقه الحنفي، وساعده هذا على العمق في دراسة المذهب، حتى أن والده كان يستعين به في منصب القضاء، كما تولاه نيابة عنه، فأحسن القيام بمهام منصبه.
على أية حال شكلت دراساته السابقة البنية العلمية والفكرية لحبه للعلم، ومن ثم أخذ الرجل يبحث عن منابعه في كل مكان، فكانت رحلاته المتعددة بقصد التزود بالعلم والمعرفة، وأولى رحلاته كانت إلى حلب سنة ٧٨٣ هـ/ ١٣٨١ م (^١)، فأخذ الفقه عن جمال الدين يوسف بن موسى الملطى، وعلوم اللغة على الشيخ شمس الدين محمد الراعي بن الزاهد، وغيرهم من العلماء. ثم عاد مرة ثانية إلى عينتاب ليفيض عطاؤه العلمي على أبناء بلده.
وكانت وفاة والده عارضًا أعاقه إلى حد ما عن تأدية عمله على الوجه الأكمل، وبالرغم من هذا ارتفع على مستوى حزنه مبتعدًا عن كل ما يؤثر في نفسه ونشاطه العلمي. لذا اتجه ناحية المدن الشمالية "بهسنا وسميساط"؛ فنهل من علمائهما من أمثال الشيخ ولي الدين البهسني، ثم توجه إلى أملاك دولة ذي الغادر التركمانية، فالتقى بالشيخ علاء الدين الكختاوى فأخذ عنه، وكان محطه الأخير في هذه الرحلة ملطية، فالتقى بعلمائها، فأخذ عن الشيخ بدر الدين الكشافي.
ومن الجدير بالملاحظة أن إنجازات العيني الهائلة خلال هذه الفترة كانت لا تتناسب مع صغر سنه، الذي لم يكن يتجاوز الثانية والعشرين وهي سن لا تمكن صاحبها من تحصيل كل هذه العلوم والمعارف، إلا أن الرجل استطاع أن يحقق أضعاف أضعاف ما حققه أقرانه ممن هم في سنه.

(^١) الخطط التوفيقية، ج ٦، ص ٢٥، ط ٢، بولاق ١٣٠٥.

1 / 19

وقد ظل الظمأ العلمي يلاحق نفس العيني على الرغم من كل ما حققه. لذا قام برحلة جديدة إلى دمشق عام ٧٨٥ هـ/ ١٣٨٣ م؛ فالتقى بعلمائها كالبحر أحمد بن إسماعيل بن الكشك، وشرف الدين بن الكويك، والعز بن الكويك، فأخذ عنهم، كما احتك بطلبة المدرسة النورية (^١).
وبعدها رجع مرة ثانية إلى حلب، متحصنا برصيد علمي وافر، جعله جديرة باحترام كوكبة من علماء حلب؛ أمثال الشيخ زين الدين حيدر بن محمد الحنفي، وجمال الدين يوسف الملطى، وأبو الروح عيسي بن الخاص السرماوي، فأجازوا له الإفتاء والتدريس بحلب، ولم يكن عمره تجاوز الخامسة والعشرين.
وفي سنة ٧٨٦ هـ/ ١٣٨٤ م توجه إلى دمشق للتدريس بها ليثبت لعلمائها أنه قادر على العطاء المتجدد. وقد كان له ما أراد. ثم شد رحاله إلى مكة والمدينة لتأدية مناسك الحج والزيارة، وليتزود من علمائهما، وعاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه عينتاب، بعد أن أفاد واستفاد.
غير أن حنينًا دينيًا وعلميًا شده لزيارة بيت المقدس فتوجه إليها، فحقق بذلك هدفين: الزيارة، والالتقاء بالشيخ علاء الدين أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، فلازمه حتى اقتنع خلالها السيرامي بإمكانيات العيني العلمية، فدعاه للتوجه معه إلى القاهرة، فلم يتردد العيني ولو لحظة واحدة في اقتناص هذه الفرصة، فحضر مع شيخه السيرامي إلى القاهرة سنة ٧٨٨ هـ / ١٣٨٦ م، وانخرط في سلك صوفية المدرسة الظاهرية برقوق، فاستفاد من بقائه بها، إذ كان قريبا من شيخه السيرامي، فقرأ عليه مجموعة من الكتب القديمة في الفقه والأصول والمعاني (^٢). كما أن وجود العيني بالقاهرة أتاح له فرصة اللقاء والأخذ عن بعض علمائها، أمثال: زين الدين عبد الرحيم العراقي، والشيخ عمر بن رسلان، وسراج الدين عمر البلقيني، وقطب الدين عبد الكريم ابن محمد، وعلاء الدين الضوى، وتغري برمش بن يوسف الفقيه، وغيرهم.

(^١) عن المدرسة النورية انظر: النعيمي: الدارس، ج ١، ص ٤٠٦.
(^٢) السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣١.

1 / 20

وقد أظهر العيني نبوغًا واضحًا في القاهرة، فكثر حساده الذين انتهزوا وفاة شيخه السيرامي سنة ٧٩٠ هـ / ١٣٨٨ م، وقد كان سنده، وأوقعوا بينه وبين الأمير جهاركس الخليلي أمير آخور، الذي أمر بنفيه، ولم يشفع له من النفى إلا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فبقى مدة في القاهرة، إلا أنه شعر بأن الأمور لا تسير حسبما يريد، لهذا قرر العودة إلى مسقط رأسه عينتاب في ربيع الآخر سنة ٧٩١ هـ / ١٣٨٨ م.
كانت هذه المرحلة ضرورية في حياة العيني، إذ كانت مرحلة التجربة والاختبار، والمعاناة والابتلاء، فضلا عن كونها مرحلة الاطلاع والتثقف، إذ كونت شخصيته، وعرفت الناس قدره، وحققت شهرته وفضله، حتي كتب ابن تغري بردي عنه "فريد عصره ووحيد دهره، عمدة المؤرخين ومقصد الطالبين" (^١).
على أية حال اشتغل العيني بعد رجوعه إلى عينتاب بالتدريس والإفتاء والوعظ، نائيًا بنفسه عن شئون السياسة، إلا أن حوادث الدهر لم تتركه يهنأ بحياته، فقد حدث في الدولة الجركسية صراع بين كل من يلبغا ومنطاش ضد السلطان برقوق، فتصدي العيني بالكلمة للمعارضين لبرقوق حتى أباح للناس قتالهم، مما أوغر صدر منطاش عليه؛ فحاصر عينتاب سنة ٧٩٢ هـ / ١٣٨٩ م، مما اضطر العينى للاحتماء بقلعة المدينة، وظل بها حتى فك منطاش الحصار عنها.
ورحل العيني وأسرته إلى حلب سنة ٧٩٣ هـ/ ١٣٩٠ م، إلا أنه لم يجد فيها ذاته، فتوجه إلى القاهرة بعد أن عركته الحياة، ورأى بثاقب بصره أنه لا مقام له بها إلا إذا كان قريبًا من صانعي القرار؛ لهذا اقترب من الأمراء والسلاطين وصادقهم، أمثال الأمير جكم من عوض، وتغري بردي القردمي، وقلمطاي العثماني (^٢)، فقدموه للسلطان الظاهر برقوق، فأعجب بعلمه ومنطقه، فطلب منه تعليم المماليك الأتراك الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، فأثبت قدرة فائقة. فلما تولى الناصر فرج بن برقوق أمر السلطنة، عين العيني في حسبة القاهرة وضواحيها، في مستهل ذي الحجة سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٩ م، بدلا من تقي الدين أحمد بن على المقريزي (^٣).

(^١) ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج ٥، ورقة ٣٤٠. (مخطوط بدار الكتب المصرية، تاريخ تيمور، رقم ١٢٠٩) [ميكروفيلم ٥٣٣٥٩].
(^٢) ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج ٥، ص ١٤١؛ السخاوي: الذيل على رفع الإصر، ص ٣٣٢؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣٢.
(^٣) المقريزي: السلوك، ج ٣، ص ٩٧٠؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج ٣، ص ١٣٢.

1 / 21

فكان هذا بداية الصراع بين العيني والمقريزي، ذلك الصراع الذي استمر بينهما حتى توفي المقريزي، غير أن العيني لم ينعم كثيرا بهذا المنصب، إذ عزل سنة ٨٠٢ هـ / ١٣٩٩ م؛ فخلفه جمال الدين الطنبدي عن طريق البذل، إلا أنه لم يستمر فيه أكثر من ثلاثة أشهر، ثم أعيدت الحسبة للعيني مرة ثانية، ولكنه لم يستمر فيها طويلا حيث صرف عنها بالشيخ تقي الدين المقريزي. وقد تكرر صرفه وإعادته لحسبة القاهرة أكثر من مرة خلال عصر سلاطين الجراكسة وحتى وفاته.
وقد عمل العيني في عدة وظائف منها؛ ناظر الأحباس، وعمل بالوعظ والفتوى، ودرس الفقه بالمدرسة المحمودية، كما برع في وظيفة القضاء.
وقد شغل نفسه بتأليف الكتب وتصنيفها، من ذلك كتاب "معاني الأخبار في رجال معاني الآثار"، "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية".
ولم ينعم العيني كثيرا بالبعد عن الوظائف العامة والتفرغ للتأليف؛ ففي سنة ٨١٩ هـ/ ١٤١٦ م كلفه سلطان مصر المؤيد شيخ بتولي الحسبة، فكان همه الأول معالجة المشكلة الاقتصادية خاصة الخبز، وقد نجح في ذلك، فازداد حنق حساده عليه، خاصة ابن البارزي الذي كان له ثقله السياسي لدى المؤيد شيخ، فأوعز إليه بإقالة العيني وتولية ابن شعبان بدلا منه، فتم ذلك، إلا أن السلطان خلع عليه بوظيفة نظر الأحباس في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ٨١٩ هـ /١٤١٦ م، فكان هذا ترضية له.
وفي الثامن عشر من ربيع الأول سنة ٨٢٤ هـ / ١٤٢٠ م، كلف المؤيد شيخ العيني بالتوجه إلى بلاد ابن قرمان (قونية)، لكشف أخبارها والحصول من نوابها على يمين الولاء، فالتقى بأمير البلاد على باك بن قرمان، ونجحت مهمته، فأعجب المؤيد شيخ بالعيني، وسمح له بالدخول إلى قصره أربعة أيام دون وساطة، وكان ينوي تعيينه في الحسبة، لولا أن ابن البارزي وقف حجر عثرة في ذلك، فتم تعيين إبراهيم بن الحسام فيها (^١).

(^١) الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان، ج ٢، ص ٤٧٣.

1 / 22

ولقد تبسم الحظ للعيني بعد تولي الظاهر ططر للسلطة سنة ٨٢٤ هـ / ١٤٢٠ م، فقد كانت تربط بينهما علاقة حميمة، فألف العيني له كتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر"، و"القدوري" في فقه الحنفية، وترجمة للغة التركية بناء على أمر ططر (^١).
ولما تولى الأشرف برسباي حكم مصر في ربيع الأول سنة ٨٢٥ هـ / ١٤٢٢ م، قَرَّب العيني منه، وأسند إليه حسبة القاهرة ومصر، فضلًا عن النظر في الأحكام الشرعية وبذلك اتسعت سلطات العيني، إلا أنه واجه في عام ٨٢٨ هـ / ١٤٢٤ م ثورة من العامة الجياع؛ بسبب نقص الخبز في الأسواق، وقد شَهَّر المقريزي، وابن حجر بهذا الأمر لمنافستهما للعيني (^٢)، ولكن العينى ظل في الحسبة حتى المحرم سنة ٨٢٩ هـ / ١٤٢٥ م وتولاها بعده الأمير أينال الششماني (^٣)، فانهارت الحياة الاقتصادية في عهده (^٤).
وقد عرف السلطان قدرات العيني العلمية والإدارية والفقهية، فأراد أن يستثمرها في أفضل عمل، ومن ثم أوكل إليه منصب قاضي القضاة، وهو أرفع المناصب الدينية في البلاد، وكان العيني مثالًا للقاضى المؤمن برسالته، لا تأخذه في الحق لومة لائم، يؤكد هذا قول الأشرف برسباى لأمرائه وأعوانه "لولا العيني ما كنا مسلمين" (^٥).
وبالرغم من معرفة الحكام لقدر العيني فإن بعضهم وقع تحت تأثير الحاقدين والحساد له، فعزل العيني عن القضاء، وتولي بدلا منه عبد الرحمن التفهني في صفر سنة ٨٣٣ هـ / ١٤٢٩ م، وكلف العيني بتولي الحسبة إضافة لما بيده من الأحباس، وكان ذلك في الرابع من ربيع الآخر سنة ٨٣٣ هـ / ١٤٢٩ م (^٦).
وفضلًا عما سبق قام العيني بدور المستشار الخاص للشئون السياسية والثقافية والدينية والتعليمية للسلطان برسباي؛ إذ كان يقوم نيابة عنه باستقبال بعض الوفود (^٧)، كما كان يقرأ الرسائل الواردة له من الدول والولايات المجاورة، بالإضافة إلى قيامه بدور المترجم للسلطان، من العربية إلى التركية وبالعكس.

(^١) السخاوي: الذيل على رفع الإصر، ص ٤٣٤؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج ١٠، ص ١٣٢ - ١٣٣.
(^٢) ابن تغرى بردي: النجوم الزاهرة، ج ١٤، ص ٢٨٢.
(^٣) الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان، ج ٣، ص ٩٩.
(^٤) المقريزي: الخطط، ج ٤، ص ٧١٠.
(^٥) ابن تغرى بردي: المنهل الصافى، ج ٥، ص ٣٤٣.
(^٦) ابن تغرى بردي: المنهل الصافى، ج ٥، ص ٣٤٣؛ ابن حجر: إنباء الغمر، ج ٣، ص ٤٣٥.
(^٧) ابن حجر: إنباء الغمر، ج ٢، ص ٤٦٠.

1 / 23

وكان يقرأ له تاريخ الأمم السابقة، ويبين له ما يتخذ منها من عبر (^١)، كما يعلمه أمور الدين وقواعد العدل، والبعد عن الظلم والقهر، وحسن معاملة العلماء خاصة علماء الدين. ومما يرويه المقريزى في هذ الشأن؛ أن العينى طلب من السلطان أن يوسع على قراء البخاري بالقلعة في شعبان ورمضان، فخلع على أكثر من عشرين عالما صوفا مربعا، وسنجابًا طريًا (^٢).
وكانت شفاعة العيني لدى السلطان لا ترد، فيقال أن العيني عندما طلب من السلطان العفو عن الفقيه أحمد الكوراني، الذي كان قد قرر التشهير به، وضربه ونفيه خارج البلاد، قبل السلطان شفاعته فيه.
على أية حال وصل العينى إلى قمة التألق الوظيفي في عصر السلطان برسباي، إذ عاد مرة ثانية إلى القضاء في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٨٣٥ هـ/ ١٤٣١ م، بالإضافة إلى الحسبة ونظر الأحباس، وهي أهم الوظائف في الدولة. كذلك كان للعيني الفضل في تشجيع السلطان برسباى على قيامه بالغزوات البحرية ضد جزيرة قبرص سنة ٨٢٧ هـ / ١٤٢٣ م التي انتصر فيها.
ولما مات برسباي وتولي جقمق، عزل العيني عن القضاء، وقد لزم العينى بيته إلى أن عينه الملك الظاهر جقمق في حسبة القاهرة مرتين (^٣)؛ مرة في ربيع الأول سنة ٨٤٤ هـ / ١٤٤٠ م، ومرة في ٢٧ شوال سنة ٨٤٦ هـ / ١٤٤٢ م. ثم عزل في صفر سنة ٨٤٧ هـ / ١٤٤٣ م، وبعدها ظل بعيدا عن السلطة حتى توفي في ذي الحجة سنة ٨٥٥ هـ / ١٤٥١ م.
مكانة العيني العلمية:
تحدد المكانة العلمية لأي عالم من خلال شخصيته وإبداعاته وإنتاجه العلمي، وآراء علماء عصره فيه.

(^١) ابن تغري بردي: النجوم، ج ١٥، ص ١١٠ - ١١١.
(^٢) المقريزى: السلوك، ج ٤، ص ٦٦٧.
(^٣) ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج ٥، ص ٣٤٤.

1 / 24