271

ʿAjāʾib al-makhlūqāt wa-gharāʾib al-mawjūdāt

عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات‏

(منها نفوس أصحاب الفراسة) وهي نفوس تستدل بالأحوال الظاهرة على الأمور الباطنة وأنه استدلال صحيح، وقد قال الله تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» (1).

حكى أبو سعيد الخراز قال: رأيت في الحرم رجلا فقيرا ليس عليه إلا ما يستر عورته، فأنفت نفسي منه فتفرس في ذلك وقال: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه [البقرة:

235] فندمت على ذلك واستغفرت في فقال: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات [الشورى: 25].

وحكي أن الشافعي رضي الله تعالى عنه ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهما: رأيا رجلا فقال أحدهما: إنه نجار، وقال الآخر: بل حداد، فسألا عنه فقال: كنت حدادا قبل هذا والآن صرت نجارا.

وحكى عبيد الله بن ظبيان، وكان أميرا من أمراء العراق فنادى أنه كان يترصد الفتك بالحجاج مدة، قال: فظفرت به يوما كان واقفا على باب داره وحده فقلت في نفسي: الآن وقته، فتفرس ذلك في وبقي بيني وبينه مقدار رمح، فقال لي: أخذت كتابك من فلان فقلت: لا، قال:

امض إليه فإن كتابك معه فلما سمعت اسم الكتاب تركت عزمي، وانصرفت لطلب الكتاب فأدركني عدوانه.

(ومنها نفوس أصحاب القيافة) والقيافة على ضربين: قيافة البشر، وقيافة الأثر. أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، ويختص هذا الاستدلال بقوم من العرب يقال لهم: بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين امرأة فيهن أمه يلحقه بها.

(حكى) بعض التجار قال: ورثت من أبي مملوكا أسودا شيخا، فكنت في بعض أسفاري راكبا على بعير والمملوك يقوده، فاجتاز علنيا رجل من بني مدلج أمعن فينا نظره، وقال: ما أشبه الراكب بالقائد، فوقع في قلبي من قوله ما وقع حتى رجعت إلى أمي وأخبرتها بما قال المدلجي، فقالت: صدق والله المدلجي، اعلم يا بني أنه كان زوجي شيخا كبيرا ذا مال لم يولد له ولد، فخشيت أن يفوت ماله عنا بموته فمكنت نفسي من هذا المملوك الأسود، فحملت بك، ولو لا أن هذا شيء ستعلمه في الآخرة ما أخبرتك في الدنيا.

Page 273