Al-Buḥūr al-zākhira fī ʿulūm al-ākhira

البحور الزاخرة في علوم الآخرة

Editor

عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح

Publisher

دار العاصمة للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

البحور الزاخرة في علوم الآخرة
تأليف
الإمام العالم العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي
رحمة الله تعالى عليه (١١١٤ هـ - ١١٨٨ هـ)
(يطبع لأول مرة على عدة نسخ خطية بخط المؤلف وخط حفيده)
حققه وضبط نصه وعزا آياته وخرج أحاديثه ووثق نقوله وعلق عليه
عبد العزيز أحمد بن محمد بن حمود المشيقح
غفر الله له ولوالديه ولذريته ولمشائخه ولجميع المسلمين

Unknown page

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة / 2

مُقَدِّمَة
إنَّ الحمدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ به مِن شرور أنفسِنا، وَمِن سيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل، فلا هَادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
وبعد
فإنَّ الإِيمان بالحياةِ الآخرة والعمل لها أصلٌ مِنْ أصول العقيدة الإسلامية، ولكن كثيرًا مِنَ الناسِ قد انشغلوا في حياتهم، فرضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ونسوا أو تناسوا الموت وسكراته، والقبر ووحشته، والبعث ورهبته، والحشر وروعته، والحساب ودقته، والصراط والعبور عليه، وإنها لجنةٌ أبدًا، أو نارٌ أبدًا، ذلك لأننا نعيش في عصر قد طغى فيه

مقدمة / 5

حب الدنيا على قلوب كثيرٍ من الناس، حتى تنافسوا على متاعها الزائل، ونسوا ما أمامهم من بعثٍ وجزاء، فكان لا بد من التذكير بهذِه الحياة الآخرة في وقت المسلمون أحوج ما يكونون إليه. ولقد كان الحديث عن الحياة الآخرة موضع اهتمام وعناية في القرآن الكريم، والسُّنة المطهرة.
ومن هذين المصدرين: الكتاب، والسنة: ألَّف العلماء مصنفات كثيرة عن الحياة الآخرة وجوانبها وغيرها مما يتصل بها، والمتأمل لما كتبه العلماء عن الحياة الآخرة قديمًا وحديثًا، يجد أن طريقتهم في التأليف متنوعة: فمنهم من يكتب عن قضية واحدة من قضايا الآخرة، ومنهم من يكتب في أكثر من قضية، ومنهم من استوفى أكثر أمور الآخرة في مصنف واحد.
نماذج من بعض المؤلفات عن الحياة الآخرة وما يتصل بها:
١ - التذكرة في أحوال الموتى والآخرة: للإمام القرطبي.
٢ - العاقبة: لعبد الحق الأشبيلي.
٣ - البعث والنشور: للإمام البيهقي.
٤ - البعث والنشور: لابن أبي داود.
٥ - البدور السافرة في أحوال الآخرة، شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور: للسيوطي.
٦ - إثبات عذاب القبر: للبيهقي.
٧ - أهوال القبور: لابن رجب.
٨ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: لابن القيم.
٩ - التخويف من النار: لابن رجب.
١٠ - يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار لصديق بن حسن خان.

مقدمة / 6

١١ - التحرير المرسوخ في أحوال البرزخ. لابن طولون الصالحي ت: ٩٥٣.
١٢ - التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة: للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري.
ما يتعلق بكتب الفتن وأشراط الساعة:
١ - عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) له كتاب السنة والفتنة.
٢ - نعيم بن حماد المروزي - أبو عبد الله الخزاعي ت (٢٢٢) له كتاب الفتن؛ له بعض النسخ موجودة في جامعة أم القرى بمكة مكتبة مركز البحث العلمي قسم المخطوطات، ط. بتحقيق سمير بن أمين الزهري. وله ط أخرى بتحقيق سهيل زكار.
٣ - إسماعيل بن عيسى العطار (٢٣٢) له كتاب: الفتن.
٤ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (٢٣٥) له كتاب الفتن.
٥ - أخوه عثمان بن محمد بن أبي شيبة (٢٣٩) له كتاب الفتن.
٦ - حنبل بن إسحاق - ابن عم الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٧٣) له كتاب الفتن.
٧ - أبو داود سليمان بن الأشعث ت (٢٧٥) له كتاب الملاحم.
٨ - أبو الحسن أحمد بن جعفر - ابن المناوي ت (٣٣٦) له كتاب الملاحم.
٩ - محمد بن الحسين الآجري ت (٣٦٠) له كتاب الفتن انظر الشريعة له ص ٤٤.
١٠ - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ ت (٣٦٩).

مقدمة / 7

١١ - أبو الحسين علي بن محمد القابسي ت (٤٠٣) له المنبه للفطن من غوائل الفتن.
١٢ - عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ت (٦٠٠) هـ له أشراط الساعة.
١٣ - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر؛ ليوسف بن يحيى السلمي من علماء القرن السابع.
١٤ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن كثير ت (٧٧٤) هـ.
١٥ - أبو عمرو بن عثمان بن سعد الداني ت (٤٤٤) هـ له كتاب الستن الواردة في الفتن.
١٦ - الفتن لمحمد بن فطيس بن واصل الغافقي الألبيري ت (٣١٩) هـ.
١٧ - جزء فيه فوائد في مسائل من قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة" لأبي علي الجبائي ت (٤٩٨) هـ.
١٨ - الفتن لأبي محمد بن الوليد الطرطوشي ت (٥٢٠) هـ.
١٩ - أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت (٩٠٢) هـ القناعة فيما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة وهو مطبوع.
٢٠ - الحصر والإشاعة في أشراط الساعة للسيوطي ت (٩١١) هـ.
٢١ - استطراد الظرفاء في شرح حديث الخلفاء أي الإثنا عشر لأحمد بن بابا التنبكي ت (١٠٣٦) هـ.
٢٢ - محمد بن عبد رب الرسول البرزنجي ت (١١٠٣) هـ الإشاعة

مقدمة / 8

لأشراط الساعة وهو يشتمل على أحاديث ضعيفة كثيرة وما لا يصلح الاستدلال به.
٢٣ - مجموع في أحاديث الهدى لأبي العلاء إدريس العراقي ت (١١٨٣) هـ.
٢٤ - النواب صديق حسن خان القنوجي ت (١٣٠٧) هـ له الأذاعة لما كان وما يكون بين أشراط الساعة، مختصر كتاب: البرزنجي وقد تجنب فيه مصنفه إيراد كثير من الضعيف والموضوع، مطبوع.
٢٥ - بهجة الناظرين للشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي ت (١٠٣٣) هـ.
٢٦ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان. له أيضًا.
٢٧ - أبو غنم الكوفي له كتاب الفتن باسم العرف الوردي في أخبار المهدي.
٢٨ - شرح حديث إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس لأبي عبد الله الطيب بن كيران الفاسي (١٢٢٧).
٢٩ - نصر بن عبد المنعم التنوخي له كتاب: مختصر في الملاحم والفتن له نسخة خطية.
٣٥ - أصح ما ورد في المهدي وعيسى لمحمد بن حبيب الله الجكني الشنقيطي (١٣٣٦). هـ
٣١ - الجواب المقنع المحرر في الرد على من طغى وتجبر بدعوى أنه عيسى أو المهدي المنتظر له أيضًا.
٣٢ - المفهوم والمنطوق مما ظهر من الغيوب التي نبأ بها الصادق المصدوق لمحمد بن عبد السلام السابح ت (١٣٤٨) هـ.

مقدمة / 9

٣٣ - أشراط الساعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار لعبد الملك بن حبيب (٢٣٨).
ومن المعاصرين:
٣٤ - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ له رسالة في إثبات نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، وغيرها من الكتب النافعة والمفيدة.
٣٥ - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن، والملاحم وأشراط الساعة.
٣٦ - الشيخ عبد الله بن جار الله الجار الله ﵀: إتحاف أهل الإِيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان.
٣٧ - الشيخ عبد الله بن سليمان المشعلي له مجموع أخبار آخر الزمان وأسرار الساعة وما سيجري منه من الفتن والحروب.
حياة المؤلف وعصره
الحالة السياسية:
عاش السفاريني ﵀ في القرن الثاني عشر في بلاد الشام، في الفترة ما بين (١١١٤ هـ-١١٨٨ هـ)، وكانت بلاد الشام لا تزال تحت الحكم العثماني، وإذا نظرنا إلى الدولة العثمانية في هذا العصر، نجدها أصبحت ضعيفة من بعد قوتها (... فقد تألبت عليها دول أوربا في هذا القرن، حتى انتزعت منها كثير من ممتلكاتها في أوربا، وكان سلاطينها من الضعف بمكان، فلم يكن لهم شيء من الأمر في الدولة، وإنما كان الأمر لوزرائهم، وكان أكثر هؤلاء الوزراء جهلاء؛ لا يعرفون شيئًا من أحوال

مقدمة / 10

السياسة الدولية في هذا القرن، ولا يعرفون ما يجري حولهم، ولا يأخذون بشيء من الإصلاح والتجديد بل يجمدون على ما ألفوه ...) (١).
وإذا أردنا أن نتعرف على حكم الشيخ السفاريني من حكام عصره، ولا شك أن السفاريني قد نشأ وتربى في هذا الجو السياسي والظروف القاسية قد عانى منها وأحس بوطئتها على من حوله. ولذا فإنه عندما اكتملت رجولته ووصل إلى درجة التأثير (نراه محاربًا للظلم والطغيان، صادعًا بكلمة الحق، لا يماري فيه، ولا يهاب أحدًا، والجميع من أعيان بلده وأمرائه يهابونه، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر) (٢).
الحالة الدينية:
كان العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر يعاني من الجمود والانحطاط وقد تسربت الأدواء إلى الأخلاق والمجتمعات، وقبل المسلمون كثيرًا من العادات والشعائر والتقاليد الأعجمية غير الإسلامية.
فقد انتشرت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت ملة الحنفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن .. فقد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأولياء والصالحين والأوثان، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون (٣).

(١) أنظر: كتاب المجددون للصعيدي ص ٤١٦.
(٢) النعت الأكمل: ص ٣٥٢.
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/ ١٨٦.

مقدمة / 11

وفي خضم هذا الفساد الاعتقادي، والابتعاد عن كتاب الله، وسنة النبي ﷺ الذي ساد العالم في القرن الثاني عشر، قيض الله له من يصحح لهذِه الأمة عقيدتها وسلوكها، ومن يبين هؤلاء الذين حملوا لواء الإصلاح الشيخ محمد السفاريني في بلاد الشام، ومن أبرز مظاهر تغييره للأوضاع الاعتقادية السائدة تأليفه في العقيدة السلفية، ومنها كتابه (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية).
الحالة العلمية:
كان هذا العصر من الناحية العلمية يغلب عليه الجمود وعدم الابتكار، ويعلل بعض المؤرخين سبب هذا الانحطاط إلى الحكم الاستبدادي، والضرائب الفادحة، والتدهور الاقتصادي، والانهيار الاجتماعي، وهذِه الأمور لا تغري بالابتكار الشخصي في العلوم، فعصر الجمع والتعليق والاختصار والتقليد الذي بدأ قبل ذلك بقرون عديدة، واستمر في هذِه الأثناء، ولكن النتائج التي أعطاها كانت أقل وأضعف.
ويصف الشيخ السفاريني الحالة العلمية التي عاشها في معرض حديثه عن إقدامه على شرح (ثلاثيات مسند الإمام أحمد) بعد تردد طويل، - بعد أن استقر رأيه على كتابة شرحه القيم - (... ولم يبق من آثار هذا البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان، والعلم قد أفلت شموسه، ونقوضت محافله ودروسه، وربعه المأهول أمسى خاليًا، وواديه المأنوس أضحى موحشًا داويًا، وغصنه الرطيب غدا ذاويا، وبرده القشيب صار باليا. فالعالم الآن قلت مضاربه، وضاقت مطالبه، وعالت معاطيه، وسددت مذاهبه، فليس له في هذا الزمان ومنذ أزمان

مقدمة / 12