Bughyat al-Muqtāṣid sharḥ Bidāyat al-Mujtahid
بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
Editor
كاملة الكواري
Publisher
دار ابن حزم
Edition
الأولى
Publication Year
1440 AH
Publisher Location
بيروت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسلام على إمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ:
فإنَّ كتاب: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لأبي الوليد، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، كتابٌ فريدٌ في بابه، عزَّ وجود نظيره ومثيله، أجادَ مؤلِّفه في ترتيبه وتقسيمه، وأحسن في عرضه وأسلوبه، ووُفِّق في اختيار مسائله وانتقاء مباحثه، وأبدع في توجيه أسباب الخلاف بين العلماء، وتحرير النزاع بين الفقهاء؛ فكان ذلك سببًا في ذيوعه في الأقطار، وانتشاره في الأمصار، وتلقِّي العلماء له بالثناء والاستحسان، حتى قال عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام":
"كتاب بداية المجتهد، ونهاية المقتصد، في الفقه، عَلَّل فيه وَوَجَّه، ولا نعلمُ في فنِّه أنفع منه، ولا أحسن مساقًا".
ولا غَرْوَ بعدَ ذلك أن تُقرِّر الجامعةُ الإسلامية بالمدينة المنورة تدريس هذا الكتاب لطلَّابها فى المرحلة الجامعية؛ لأن مؤلِّفَه اعتنى بتطبيق القواعد الأصوليَّة، والفقهية، على المسائل الفرعية، واهتمَّ بالتنبيه على نكت الخلاف بين العلماء، ولا ريبَ أنَّ ذلك يساعِدُ على تنمية المَلَكة الفقهية، التي تُعين الطَّالب على حُسن الاجتهاد، وسلامة الاختيار، كما أنه يُربِّي فيه احترام الدليل واتِّباعه، وعدم تقديم القياس والرأي عليه، قال ابن رشد في كتاب الصرف: (فإنَّ هذا الكتاب إنما وضعناه؛ ليبلغ به المجتهدُ في
1 / 5
هذه الصناعة رُتْبة الاجتهاد، إذا حصَّل ما يجمبُ له أن يحصِّلَ قبله من القَدْر الكافي له في علم: النحو، واللُّغة، وصناعة أصول الفقه …، وبهذه الرُّتبة يُسمَّى فقيهًا، لا بحفظ مسائل الفقه).
وقد كثُرَت طبعات الكتاب، وتعدَّدت إصداراته، إلَّا أنني مع ذلك كلِّه، لم أقف -حسب علمي- على مَن قام بالتعليق على مسائله، وتحرير أقواله، في كتاب مطبوع متداول، إلا ما كتبه الشيخ الفاضل، والمدرس بالمسجد النبوي محمد بن ناصر السحيباني، في تحقيقه لكتاب الطهارة.
وقد قام شيخنا أ. د. محمد بن حَمُّود الوائلي ﵀ بشرحه في المسجد النبوي، وهو العالم الجليل، والفقيه النحرير، قد خبر الكتاب، وعرف أسراره وخفاياه؛ حيثُ قرأه سنين عديدة دارسًا ومدرِّسًا، فأجاد وأفاد، وزانه بكثير من القواعد الفقهية، والتنبيهات المهمَّة.
وكانت الرغبة من بعض أبناء الشيخ، وكثير من طلَّابه في تفريغ الكتاب وطباعته، ليعمَّ نفعُه، ويسهلَ الاطِّلاع عليه، إلَّا أنَّ ذلك يتطلَّب جهودًا كبيرة، قَصُرَتْ عنها الهِمَم، فانبَرَتْ لتلك المهمَّة الشاقَّة، الأخت الفاضلة: "كاملة الكواري". فكفتهم المؤونة، وقامت بتفريغ التسجيلات الصوتية، وحذفت ما كان الشيخ يستطرد به أثناء الدرس من النُّصح والتوجيه، حيثُ يحضر مجلسه مع طلاب العلم كثيرٌ من العوام، ولم تقتصر على ذلك، بل زانت عملها بتخريج الأحاديث سواء مما أوردها ابن رشد، أو أوردها الشيخ الوائلي في شرحه، إضافةً إلى توثيق أقوال المذاهب الفقهية بالنقل عن المصادر المعتمدة لكلِّ مذهب. إلى غير ذلك من المزايا التي احتواها هذا العمل المبارك.
سائلًا الله للجميع العِلْم النافع، والعمل الصالح.
كتبه
الفقير إلى عفو ربه
أ. د عبد الله بن إبراهيم الزاحم
المُدرِّس بالمسجد النبوي،
وأستاذ الفقه بالجامعة الإسلامية
1 / 6
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعدُ:
فإنَّ كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) للفقيه الأصولي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد (ت: ٥٩٥ هـ)، من أعلى المصنَّفات في علم الخلاف العالي الَّتي سارت مسير الشمس في العلياء؛ لما حواه من أقوال الصحابة، وأئمة المذاهب الفقهية المتبوعة وغيرها، وقد سلك فيه مسلك التقعيد والتعليل للفروع الفقهية، واحتلَّ مكانة كبيرة بين الكتب الَّتي عنيت بالخلاف والترجيح، مثل "المغني" لابن قدامة، و"المجموع" للنووي، و"المحلى" لابن حزم … إلخ.
وقد قام الشيخ محمد بن حمود الوائلي ﵀ بشرح كتاب "بداية المجتهد"، بالمسجد النبوي مدة ثماني سنين متواصلة، وقد أبان في شرحه هذا عن مَلَكَةِ فقهية عالية.
ومن مميزات هذا الشرح ما يلي:
- تقريره بعض القواعد الفقهية لتوضيح كلام ابن رشد، كما عند ذكره القاعدة المعروفة: "أنَّه إذا اجتمع حدثان (أصغر وأكبر)، هل يدخل الأصغر في الأكبر أو لا! ".
1 / 7
- ذِكْرُ ما فات ابن رشد من أقوال الإمام أحمد، مما يَدُلُّ على تمكُّنِهِ من تحرير مذهب الإمام أحمد.
- سَعةُ علمه ومعرفته بصحيح الأحاديث وضعيفها وعللها، وكذلك الآثار الموقوفة وما له حكم الرفع، وتمييزه في الفرق بين "الحديث" و"الأثر"، و"الخبر"، فيُبَيِّنُهُ ويوضِّحه.
- التنبيه على صحَّة الحديث أو ضعفه، وإذا استدلَّ ابن رشد بحديث ضعيف يُنَبِّه على ضعفه، ويعتذر لابن رشد بذلك؛ لأن الحديث ليس صناعته.
- التنبيه على بعض الأوهام التي حصلت لابن رشد في عزو الحديث.
- تبيين بعض المصطلحات الخاصَّة بالمذهب المالكي أثناء الشرح.
- اختصار العبارات بأوضح الكلمات؛ تيسيرًا للطلبة على فَهم الكتاب، وعدم حشو الشرح بما لا فائدة منه.
- تأكيده على بعض الجوانب الأخلاقية والسلوكية، وحثُّ الطلبة عليها، والالتزام بها، وهو مما يزيد طالب العلم رِفْعَةً وشأنًا.
- تقريره العقيدة السلفية في كثير من المسائل، والمنافحة عنها، ويُبَيِّن أن عقيدة السلف أسْلَم وأحكم وأعلم، ويُحَذِّرُ من منهج الخلف عمومًا، ومنهج الفلاسفة كابن رشد الذي ينحو منحى الفلاسفة.
- توضيح الكلمات الغريبة التي يذكرها ابن رشد في كتابه، كالجَوزة، والمُدْيَة، أو الكلمات التي تكون خاصَّةً بمذهب المالكية، ونراه يَشْرَح غريب الكلمات إذا ذكرت في حديث، أو يوضِّح معنى حديث يُقَرب له المسألة للأفهام.
- أنه لا يُسَلِّم للجمهور بقولهم، بل يناقش أدلَّتهم، وأيضًا أدلة المخالف، ويرجِّح الشيخ بما يراه موافقًا للدليل الصحيح والعقل الصريح. وأحيانًا يخالف الجمهور في بعض المسائل إذا كان ما استدلُّوا به ضعيفًا، فتراه يرجِّح قول المخالف لقوَّة استدلاله.
1 / 8
- حثه لطلَّابه على عدم التشدُّد في مسائل الفقه، بل الذي ينبغي أن نتَشَدَّد فيه مسائل العقيدة؛ لأنها توقيفيةٌ.
- تعقُّبُه ابن رشد في كتابه؛ إذ ينصُّ ابن رشد أن كتابه لكُبرى مسائل العلم وقواعده، فتراه يخرم قاعدته، ويدخل في الفروع والتفصيلات في مذهب مالك حتى ينسى أن يذكر آراء بقية الفقهاء.
- تَعْرِيجُهُ على بعض مسائل الأصول التي يذكرها ابن رشد، وتوضيحها، مثل قاعدة: هل النهي تعبُّدِيّ غير معقول المعنى أو مُعَلَّل؟ وتعريفه ببعض القواعد الفقهية كقاعدة: "العَادَة مُحَكَّمَةٌ"، و"تأخير البيان عن وقت الحاجة … "، وغيرها من القواعد.
- تقريب المسألة للطلبة، بذكر أمثلة عملية؛ لتُفْهَمَ المسألة وتُوضَح، ويعيها طالب العلم.
وغير ذلك من النفائس والدرر والدقائق التي سيطالعها العلماء وطلاب العلم بأنفسهم.
وقد بذلتُ غاية جهدي ونفيس وقتي في تحويل هذا الكنز العلمي من شرح صوتي، إلى كتاب مُحَرَّر مَقْرُوء، فطالب العلم في نهاية الأمر لا يستغني عن الكتاب الذي يمسكه بين يديه، ويطالعه بعينية، وقد اجتهدت أن يكون التحرير والصياغة معبِّرَة عن قول الشارح قَدْرَ المستطاع، حتى يكون نقلي للمادة العلمية نقلًا محرَّرًا أمينًا مُعَبِّرًا عن مذهب الشارح ومنهجه، وقد استفرغت وسعي في تحقيق هذا الشرح على هذا النحو الذي بين أيديكم، راجية من الله تعالى أن ينفع به أهل العلم وطلابه، فهذه بغيتي لا أبتغي غيرها.
وقد جاء منهجي في تحرير وتحقيق هذا الشرح على النحو التالي:
* الجزء الأول والأهم من منهج بداية المجتهد:
من المعلوم أن ابن رشد ينقل من المذاهب المتبوعة وغيرها، واعتماده في النقل على "الاستذكار" و"التمهيد" وغيرهما، وقد يكون النقل من المذاهب المتبوعة على خلاف المعتمد في المذهب.
1 / 9
وقد عزونا الأقوال إلى مذاهب الفقهاء نصًّا لينتفع الباحث والقارئ:
- ففي المذهب الحنفي: رجعنا إلى "مختصر القدوري"، و"رد المحتار"، و"الكنز"، و"الوقاية"، و"الدر".
- وفي المذهب المالكي: إلى "شرح الدردير على خليل"، وعلى كتابه: "أقرب المسالك".
- وفي الشافعي: على "المنهاج"، واختصاره لزكريا وكتبه، وشروح الهيتمي والشربيني، والرملي.
- وفي المذهب الحنبلي: على "شرح المنتهى"، و"الإقناع"، و"مطالب أُولي النُّهَى"، وإذا لم يذكر ابن رشد مذهب أحمد، فإننا نذكر المذهب من كتب الحنابلة.
٢ - وإذا كان العزو لكتب المذاهب، فإننا نكتفي غالبًا بالنقل عن كتاب واحد يقرِّر المذهب.
* الجزء الثاني لبداية المجتهد:
١ - مراجعة المتن وضبطه بلون مغاير عن الشرح.
٢ - حذف التكرار، والحشو، وما لا يخدم الشرح والمتن المشروح.
٣ - التصحيح اللُّغوي، والعناية بعلامات الترقيم.
٤ - تخريج الآيات والأحاديث والآثار.
٥ - عنونة الفقرات التي تحتاج إلى عنوان.
٦ - شرح ما لم يشرحْهُ ويكون بلون مغاير، وهو كالآتي:
١ - من كتاب الطهارة من قوله: (الباب الرابع في نواقض الوضوء، والباب الخامس في معرفة الأفعال التي تشترط الطهارة في فعلها).
٢ - من كتاب الحج، من قوله: (وأجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة) إلى آخر كتاب الحج.
1 / 10
٣ - من كتاب الطلاق من قوله: (وإذا لم يدلَّ النهي على فساد عقد النكاح فأحرى ألا يدل على بطلان التحليل) إلى آخر كتاب الطلاق.
٤ - من كتاب السرقة (من أوله) إلى قوله: (واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل اليسرى بعد اليمنى …).
٧ - إعادة الصياغة التي تحتاج إلى تحرير.
٢ - المنهج العام للتحقيق والتوثيق والعزو:
وبالنسبة لتخريج الأحاديت والآثار:
ما ورد في "الصحيحين" يقال فيه: أخرجه البخاري (رقم)، ومسلم (رقم).
ما ورد في أحد "الصحيحين"، فإن كان في البخاري فقط، يقال فيه: أخرجه البخاري (رقم). فإن كان في مسلم فقط، يقال فيه: أخرجه مسلم (رقم).
فإن لم يكن في "الصحيحين" أو أحدهما يتمُّ العزو إلى أحد السنن الأربعة.
[أبو داود، ثم الترمذي، ثم النسائي، ثم ابن ماجه]. [مصدر واحد فقط، ثم تصحيح أحد العلماء …].
فإن لم يكن فيما سبق يتم العَزْوُ إلى بقية الكتب التسعة. مع التصحيح أو التضعيف ما أمكن.
فإن لم يكن الحديث في الكتب التسعة، يتم تخريجه من بقية دواوين السُّنة. مع التصحيح أو التضعيف ما أمْكَن.
وقد انتفعت من الكتب التي اعتنت ببداية المجتهد؛ كالشيخ ماجد الحموي، ود. عبد الله العبادي، والشيخ صالح الشمراني، ود. عبد الكريم
1 / 11
حامدي، ود. أحمد العمراني، والشيخ محمد السحيباني، و. أ. د. عبد الله بن إبراهيم الزاحم، وكتابه أنفع هذه الكتب، ويليه كتاب الشيخ السحيباني، ولو قدَّر الله لهما أن يكملا الكتاب على نحو ما خرج من المطبوع لكان نفعًا عظيمًا لطلاب العلم، وأسأل الله أن يعينهما على ذلك.
وأتَوَجَّهُ بالشكر الجزيل لفريق العمل الذي بذل جهده وأعانَنَا على إخراج العمل بهذه الصورة الممكنة في هذا النوع من صناعة التأليف المعاصرة؛ لينتفع طلاب العلم به، لا سيما في الجامعات التي تُدرِّس الكتاب.
ونظرًا لعظم حجم هذه الأعمال التي تُعَدُّ من الموسوعات الكبرى، فلا شكَّ أن حجم الخطأ الذي يعتريه سيكون أكثر من خطأ غيره من الأعمال المفردة، سواء كانت في الطباعة أم في غيرها من الأوهام، ولهذا أرجو من كل من يَجِدُ خطَأً أن يراسلني على البريد الإلكتروني لتصحيحه، وأسأل الله له الأجر والثواب.
خادمة العلم الشريف
كاملة الكواري
alkuwaril ٤٣٩@gmail.com
1 / 12
ترجمةُ الشارح
اسمُهُ، ونسبُه:
هو محمَّد بن حَمُّود بن عبد الرحمنِ بن منيع بن حمد بن محمَّد بن حمد بن عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائلي، أبو خالد، من آل مدلج، من الحسنة، من المنابهة، من بني وهب، من ضنا مسلم، من قبيلة عنزة (^١)، المدرس بالمسجد النبوي، وأحد أعلام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
قال أستاذه الشيخُ محمَّدُ بن ناصر العبودي: "الوايلي على صيغة النِّسبة إلى وايل. أسرة من عنزة، قدمت إلى بُرَيدة من الحريق.
ولم أعرفْ نسبة (الوايلي) هذه، ولم أجِدْ مَن يعرف أصلها من الذين سألتهم عنها من هذه الأسرة، وربما كانت النِّسبة إلى وايل، أو بني وائل الذين هم من قبيلة عنزة.
(^١) يُنظر: مجلة ذرية الجد حسين بن مدلج الوائلي، العدد السادس، جمادى الأُولى: ١٤٣٥ هـ، الموافق مارس ٢٠١٤ م، (ص ٤١)، ومعجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١)، تأليف: محمد بن ناصر العبودي، ومدونة سيرة الدكتور محمد بن حمود الوائلي، ونبذة عن أسرة الوائلي من آل مدلج، ومجلة العرب، العدد السابع (ص ٤٥٠)، بحث الشيخ الجاسر بعنوان: بنو وائل ونسب آل مدلج، وموسوعة الأسر، أنساب أون لاين، وتاريخ حمد بن محمد بن لعبون الوائلي الحنبلي النجدي.
1 / 13
أوَّل مَن جاء منهم إلى بُرَيدة: عبد الرحمن الوايلي، وهو جَدُّ والد ناصر بن راشد بن عبد الرحمن الوايلي، وهو تاجر في بُرَيدة، عرفته وتعاملتُ معه في دكَّانه في أسفل (قبة الرشيد).
منهم زميلنا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكان من تلاميذي قبل ذلك، الدكتور محمد بن حَمُّود الوايلي، الذي شغل (عمادة كلية) في الجامعة الإسلامية أكثر من مرة" (^١).
مولِدُه، ونشأتُه العلميَّة، ورحلاتُه:
وُلِد الشيخُ ﵀ في مدينة بُرَيدة عام (١٣٥٩ هـ - ١٩٤٠ م)، وهي من منطقة القصيم، وهي منطقة تخرِّج العلماءَ الكبارَ منذ زمن دعوة الشيخ المجدد المصلح محمد بن عبد الوهَّاب، وكثير من علماء المملكة من تلك المنطقة" ويُرْجِع الشيخ الوائلي السببَ في ذلك إلى أنَّ أهلها معروفون بالجدِّية في أمور الدين والدنيا، وأن في زمنهمِ لم تكن فيه الملهيات التي انتشرت في هذا الزمان، إلى جانب الفقر وقلَّة ذات اليد، والتي أشعلت في نفوس أبناء نجد العزيمة والهمَّة العالية (^٢).
وقد نشأ فيها الشيخُ نشأةً علمية منذُ صِغره؛ فقد كان يرتاد حلْقات القرآنِ في المسجد، ويحفظ القرآن الكريم على يدي المحفظين المتقنين، وقد كان ذا حافظة قوية، فقد حفظ القرآن في الصِّغر، وحفظ البقرة بين المغرب إلى ما بعد العشاء بزمن يسير (^٣).
ثمَّ انتقلَ مع والده وأُسرته من مدينة بُرَيدة إلى مدينة الرياض، وقد مضى من عُمُره آنذاك ست سنوات؛ فقد كان والده يمتهن التجارة ويكتسب منها، وقد ألحقه فيها بالمرحلة الابتدائية.
(^١) يُنظر: معجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(^٢) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
(^٣) المصدر السابق.
1 / 14
ويَحْكي الشيخُ عن نفسه في هذه المرحلة فيقول: "كنتُ أحصلُ على المرتبة الأولى أو الثانية، وكان ينافسني شاب من نجد، والذي أعاقني هو اشتغالي في دكان الوالد، ولكن بعد الابتدائي إلى الجامعة انقطعت عن الاشتغال فيه، فكنت دائمًا المتفوِّق بحمد الله، وكانوا إذا أدخلوا الطفل إلى المدرسة قالوا لمعلمه: لك اللحم ولنا العظم، أي: أباحوا له الضرب، ثم قال: أنا -والحمد لله- سلمت؛ لأني كنت مهتمًّا بالدروس" (^١).
وبعدَ أن أكملَ دراسته الابتدائية التحقَ بالمعهد العلمي بالرياض، ودرَس فيه المرحلة المتوسطة، وفي هذه المرحلة أتمَّ حفظ القرآنِ الكريم، وكان متفوِّقًا في دراسته، وهناك طرأ عليه ما غيَّر مسار حياته العلميةَ؛ فأخذ طابعًا آخرَ؛ فقد التقى بفقيه الزمان، وحَسنة الأيَّام، الشيخ العلامة: محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- صاحب التفسير المشهور "أضواء البيان"، وقد كان رجلًا مهيبًا، ومن شدَّة مهابته كان لا يجرؤ أحد على قراءة الدرس عليه، خشية أن يوبِّخه، خاصَّة عند اللَّحن والخطإ، وحتى الشَّناقطة منهم، فكان يقرأ على الشيخ وتعجِبُه قراءته، وزكَّاه الشيخ أمام الطلاب حينما سأل عن النتائج ومَن نجح ومن رسَب، فقالوا: الذي حاز الرُّتبة الأولى هو محمد بن حمود الوائلي فقال الشيخ: "لا أنا أسأل عن غيره، هذا طالب علم معروف".
وكان من أعظم الأمور التي يكرِّرها الشيخ هذه التزكية من الشيخ محمد الأمين على رؤوس الطلاب، وكان يقول: "ففرحت يومها فرحًا شديدًا، وكانت كلمةً أوقدت الهمَّة في قلبي، وزادتني حرصًا على حرصٍ، والله ما تطلعت بعد تزكية الشيخ الأمين إلى أيِّ تزكية أُخرى" (^٢).
ثمَّ شدَّ الشيخ الرِّحالَ إلى طيبة الطيبة، والتحق بمعهد الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في المرحلة الثانوية، وهناك التقى بقامة أُخرى من
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
(^٢) المصدر السابق.
1 / 15
قامات العلم، وهو محدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى-، وكان أن وضع الشيخ الألباني في مادة الفرائض سؤالًا في المسألة العُمُرية، ولم يُجِبْ على السؤال إلا الشيخ الوائلي؛ وذلك لأنه كان يحفظ "متن الرحبية". فتعجب الشيخ الألباني وطلب رؤيته. وكان الشيخ دائمًا يقول: "الشيخ الألباني أسد السُّنة والله، رأيته يومًا وأنا خارج من الجامعة الإسلامية، والطلبة حوله قد احتفوا به من كلِّ جانب، فتذكرت عبد الله بن المبارك يوم دخل العراق في زمن هارون الرشيد" (^١). وقد تخرَّج في معهد الجامعة الإسلامية عام (١٣٨٣ هـ)، وحاز على الترتيب الأول.
ثم واصل -رحمه الله تعالى- التعليم وتحصَّل على شهادة الليسانس من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في العام الدراسي (١٣٨٧ هـ/ ١٣٨٨ هـ).
وكان -رحمه الله تعالى- بعد تخرُّجه من المعهد قد وُكِل إليه التدريس بمعهد الجامعة لمدة أربع سنوات، من عام (١٣٨٧ هـ) إلى (١٣٨٨ هـ).
ثم هفَّت نفسه للرحلة في طلب العلم، فسافر من بلده قِبْلة النُّساك والحُجَّاج، إلى مِصْر قِبْلة العلم والحِجَاج؛ وذلك لكرع العلم من معين جامعة الأزهر، فالتحق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وحصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن عام (١٣٩٢ هـ).
وعند حصوله على الماجستير انتُدِبَ إلى كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية؛ حيثُ صار مدرِّسًا فيها للعام الدراسي (١٣٩٢ هـ/ ١٣٩٣ هـ).
ولكن همَّتُه العالية لم تقف إلى هذا الحدِّ، فقد رجع قافلًا إلى مصر لإكمال مرحلة الدكتوراه، وحصل عليها من جامعة الأزهر في الفقه المقارن عام (١٣٩٥ هـ) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبع الرسالة، وكانت دراسته تحت عنوان: "ابن رجب وأثره في الفقه" (^٢).
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
(^٢) يُنظر: المصدر السابق.
1 / 16
وبعدما حصل على الدكتوراه، عاد إلى المملكة وتقلَّد عدَّة وظائف علمية وإدارية كان أهلًا لها، حريصًا على خدمة ما وُكِل إليه بجِدٍّ وإخلاص، ففي عام (١٣٩٥ هـ) عُيِّن عميدًا لكلية الشريعة إلى عام (١٤٠٣ هـ)، وفي عام (١٣٩٧ هـ) عيِّن أستاذًا مساعدًا بكلية الشريعة فأستاذًا مشاركًا عام (١٤٠١ هـ)، ثم رئيسًا لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية عام (١٤٠٣ هـ)، ثم أمينًا عامًّا للجامعة الإسلامية من آخر عام (١٤٠٣ هـ) إلى (١٤٠٦ هـ)، ثم أستاذًا في الدراسات العليا عام (١٤٠٨ هـ)، ثم وكيلًا للجامعة الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي من عام (١٤١٦ هـ) حتى (١٤٢٢ هـ)، وكان قد تقلَّد لعدَّة مرات رئاسة قسم الفقه، وتقلَّد مرة واحدة رئاسة قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، إلى جانب إشرافه رحمه الله تعالى على الرسائل العلمية في درجة الماجستير والدكتوراه، كرسالة الدكتوراه للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي الموسومة بـ: "أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها"، وهي مسجَّلة يمكن سماعها (^١).
صفاتُه الخَلْقِية والخُلُقِية:
كان الشيخُ ربعة إلى القِصَر أميلَ، أبيضَ شامِخَ الأنفِ، قليلَ اللِّحية يصبغ بالكتم كأنه السواد، يأخذ شاربه من أسفله على مذهب مالك، حاذِقَ النَّظر، صبيحَ الوجْهِ مع طولٍ فيه، إذا أعجبه الشيءُ ابتسمَ، وكان جُلُّ ضَحِكِه التَّبسُّم، يتهلَّهلُ وجهُهُ عند رؤية الأحِبَّة، إذا مشى قبضَ يده كأنَّه في صلاة يمسك المشلح، تعلوه الهيبةُ والسكينةُ، تعرف أنَّه من العلماءِ رحمه الله تعالى.
أمَّا عن صفاته الخُلُقِيَّة؛ فقد كان منخفضَ الجَناح ليِّنًا، خاصَّة مع الطُّلاب، وخاصَّة الصِّغار منهم، ينصحُهم ويوجِّهُهم ويسألُ عن حالهم
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
1 / 17
كثيرًا، كأنما يتذكَّر يومَ أن كان صغيرًا، عزيزَ النَّفسِ لا يسأل أحدًا حتى في أمور سهلة، كأن يطلب من طلَّابه كأس ماءٍ، أو صَحن تمْرٍ بجانبهم، بل هو يأتي به، وإذا حضر الغريب سألَهُ عن حاجته وبدأ به، بعيد عن الشهرة والمدح، يحبُّ مَن يسأل ليستفيد، وقد كان فتح باب النِّقاش في القواعد قبل المغرب بنصف ساعة تقريبًا، فيحتف حوله الطلابُ، ويسألونه عمَّا أُشكِلَ عليهم، وهو معهم في أخْذٍ ورَدِّ، لا يتذمَّر ولا يتضجَّر أبدًا، مثالٌ للعالم المربِّي حقًّا، الذي جمع بين العلم والرحمة بالمتعلمين (^١).
تدريسُهُ بالمسجدِ النبويِّ:
بدأ الشيخُ الوائلي -رحمه الله تعالى- عام (١٤١٦ هـ) التدريسَ بالمسجد النبوي الشريف، وقد طُلِب منه قبل ذلك الوقت، ولكنَّه اعتذرَ بضيق الوقت وكثرة الأشغال في الجامعة الإسلامية، إلى أنْ يسَّر اللهُ له الأمر؛ فعقَدَ مجلسَه بعدما قفل الناس من حجِّهم، واختار أن يكون درسُه في كتاب طالما درسه في الجامعة وتمعَّن فيه، ألا وهو كتاب: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد، وكان هذا الدرس فتحًا على طلاب الجامعة الذين استفادوا منه غاية الاستفادة، فبسط ما كان موجزًا، وسهل ما استصعب منه، وفكَّ رموزه بأسلوب فقهيٍّ متميز، يعرف هذا كلُّ مَن سمع درسَه، حتى أمضى في الكتاب ثمان سنوات كاملة وهو يشرح ويوضِّح، وكان دائمًا يذكر أنه لولا خشية الإطالة لبسط الدرس، ولزادت سنواته.
ثم بعدما يسَّر اللهُ تعالى إتمام الكتاب، استأنف في تدريس كتاب: "الكافي" لابن قدامة المقدسي في الفقه الحنبلي، هذا الكتاب الذي أمضى فيه قرابة ست سنوات ونصف، وهو دليل واضح على عُمق فِقْهه، وقوَّته العلمية، وهو يعد فتحًا مبينًا، فلم يسبق أحدٌ -والله أعلم- أن شرحَ الكتاب بأكمله.
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
1 / 18
وبعدما أتمَّ اللهُ ﷾ عليه النِّعمةَ، قرَّر الشيخ أن يكون الكتاب الذي يليه هو كتاب: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي، هذا الكتاب الذي كان يقول عنه: "هو أُعجوبة"، وكان دائمًا يُعلي بكاتبه، ويردِّد قواعده، بلْهَ كان يحفظه.
وقدِ استبشر الطلَّابُ بهذا الدرس الممتع الذي بلغ فيه إلى القاعدة الثالثة والعشرين، وكان قد عقد مجلسين أيضًا في كتاب "سنن أبي داود" حتى: "يجمع الطالب بين المسائل الفقهية وأدلتها؛ لأن أبا داود اعتنى بجمع أحاديث الأحكام، فيجمع الطالب بين المسألة وأصلها"، كما كان يقول ﵀ (^١).
ثناءُ العلماء والطلبة عليه:
عرفنا فيما مضى ثناء الشيخين محمد الأمين الشنقيطي، ومحمد ناصر الدين الألباني، وقد كان شيخه الشيخ عبد المحسن العبَّاد يثني عليه، ويحضّ طلاب العلم على الحضور لدروسه.
وقد أثنى الشيخُ ابن باز على قوَّته في العربية، فقد حكى الشيخ مرَّة فقال: "كنت أدرِّس الطلاب، فإذا بالشيخ ابن باز يستأذن في الدخول والجلوس للاستماع، قال: فتأهَّبْت ورحبت به، وأكملت درسي والشيخ يستمع ولا يتكلم، حتى إذا انقضت ساعة الدرس ذهبت إليه. وقلت: هل من ملاحظات يا شيخنا، فأجاب الشيخ: لا، ولكن مستواك في النحو قوي، فحاول أن تسهل على الطلاب أكثر، وشكر سعيي ثم انصرف رحمه الله تعالى".
وهكذا كان الشيخُ ابن باز -رحمه الله تعالى- يتفقَّد رعيته حتى قال الشيخ الوائلي: "كانت مجالس الشيخ ابن باز كلها مذاكرة، وما أذكر أني جلست معه إلَّا ومجالسه فيها الذكر"، بهذا الجيل الفريد تأثَّر الشيخ
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
1 / 19
الوائلي، وكان دائمًا يُثني عليهم ثناءً حسنًا، كيف وهم مربُّوه ومعلِّموه، رحمة الله على الجميع (^١).
أولئِكَ آبائي فجِئْني بمِثْلِهم … إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ
وقال عنه أستاذُه الشيخُ محمد بن ناصر العبودي: "وكنتُ اخترته للذَّهاب معي في جولة على باكستان وأفغانستان وإيران، وهي جولة وافق عليها الملك فيصل، وكلُّنا قلنا في الاستئذان منه أن أذهب وأختار معي أحد الأشخاص إلى الدول الثلاث، وذلك عام (١٣٩٠ هـ)، وكنت أشغل آنذاك وظيفة (الأمين العام) للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان الدكتور محمد بن حمُّود الوائلي يدرِّس في المعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية، لأنه لم يكن حصل على شهادة الدكتوراه.
وكان الغرض من رحلتي إليها هو زيارة لكليَّة الشريعة بجامعة البنجاب بمناسبة مرور مائة عام على إنشائها، وحضور احتفالها بذلك الذي سيجري في مدينة لاهور، ولكننا ذكرنا للملك فيصل إلى جانب ذلك، الاطلاع على الكليات والمعاهد التي ترد إلينا منها شهادات لا نعرف مستواها، فوافق الملك فيصل على ذلك، وأبرق لوزارة الخارجية بأن فلانًا يقصدني، سوف يتوجَّه إلى باكستان وأفغانستان وإيران في المهمة الفلانية، ويأمرهم بأن يخبروا السفارات السعودية في الدول الثلاثة بذلك، حتى تبذل لي التسهيلات اللَّازمة، ومن ذلك إخبار حكومات تلك الدول؛ وهكذا كان إذ أخبرت السفارة السعودية الدول الثلاث التي استقبلتنا ضيوفًا عليها.
وفي تلك الرحلة طرائف وعجائب، ليس هذا موضع ذكرها، منها أن زلزالًا حصل في كابل عاصمة أفغانستان ونحن فيها، وكان الأخ محمد بن حمُّود (الوايلي) نِعْمَ الرفيق في السفر" (^٢).
(^١) يُنظر: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي (مادة صوتية)، لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي.
(^٢) يُنظر: معجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).
1 / 20
وقال عنه تلميذه الشيخ الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي: "فضيلة الشيخ الفقيه محمد بن حمُّود الوائلي ﵀ رحمة واسعة، هذا الرجل وهذا العالم من أساتذة الجامعة الإسلامية القُدامى ومن الفقهاء العجيبين جدًّا، يتدفَّق فقهًا، من أحسن مَن سمعته يتكلَّم في الفقه في الجامعة الإسلامية …، ودروسه نافعة جدًّا، وأنا أوصي الطلاب باقتناء الأشرطة، أشرطة شروح الشيخ في المسجد النبوي، من الناحية الفقهية ما شاء الله تبارك الله، قد درسني القواعد الفقهية، أول من أخذت عنه حب القواعد الفقهية قبل ٢٩ سنة" (^١).
وقال تلميذه الشيخ عبد الرحمن المغربي: "أوَّل لقائي مع الشيخ - رحمه الله تعالى- كان في شهر شوال من عام ثمان وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة النبي -ﷺ-، ضمن دروسه الأسبوعية التي يلقيها بالمسجد النبوي في كتاب الإمام المبجل ابن قدامة المقدسي الموسوم: بـ: "الكافي" على فقه الإمام الهمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵃ أجمعين. كان أول درس حضوته بعد الإجازة الصيفية والرمضانية من كتاب الشفعة، وتحديدًا من فصل: فإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن .... لقد تعجبْتُ غاية العجَبِ من قوَّة الشيخ وفقهه وتعليقه على المسائل وسرد الأقوال، بل كان جلوسي هذا أول مجلس عند عالم بأتمِّ معنى الكلمة، وسررت وأنا بين يدي عالم، وفي مسجد رسول الله -ﷺ-، هذا الرجاء الذي كنت أطلبه منذ أن ذُقْتُ حلاوةَ الإيمان، وعرفت طريق العلم. بعدما أتمَّ الشيخ الدرس وقد خرجت منه بتعليقات من ذهب، هرعت أنا وأخي عبد الكريم جباري لشراء كتاب "الكافي"، والعزم على مواظبة الدروس التي والله قد تركت فيَّ أثرًا بالغًا، رأيتُ في شخص الشيخ الرجل الناصح الشفيق على الأُمَّة، الحريص على النفع، الجامع بين العلم والخُلق، ولا ينكر أيّ أحد ممن جلس مجلسه، أو سمع دروسه، كيف جمع الله له بين
(^١) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
1 / 21
العلم والوعظ، ورُبَّ موضوع خاض الشيخ فيه قد ربطه بأمر العقيدة، وذكّر فيه بأمور الآخرة، وزانه بالفوائد وحلَّاه بأبيات من الشعر، ونمَّقه بمثال من أمثلة العرب، حتى يصير الدرس مجمعًا لمختلف أصناف الفوائد من شتَّى الفنون؛ وكان الشيخ يُسوِّغ فعله هذا دائمًا بقوله: "حتى أعطي كل الناس حقَّهم من الفائدة؛ لأن هناك مَن تَصْعب عليه المسائل الفقهية، وتسهل عليه مسائل أُخرى، فلا يخرج الحاضرون إلا وقد أخذ كلُّ واحد فائدة على حسب مستواه العلمي" (^١).
دروسه العلمية:
- شرح كتاب: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد في الفقه المالكي، وأمضى في شرحه ثمان سنوات كاملة، عدد الدروس المسجلة (٨٤٩) (^٢)، وهو كتابنا هذا.
- شرح كتاب: "الكافي" لابن قدامة المقدسي في الفقه الحنبلي، وأمضى في شرحه ست سنوات ونصف، عدد الدروس المسجلة (١٨٤) (^٣).
- شرح كتاب: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي، حتى بلغ القاعدة الثالثة والعشرين عدد الدروس المسجلة (٢٧) (^٤).
- عقد مجلسين في شرح كتاب: "سنن أبي داود"؛ وذلك ليجمع
(^١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.
(^٢) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومُدرس بالمسجد النبوي.
(^٣) يُنظر: منتدى الصوتيات والمرئيات الملقاة بالحرمين الشريفين، مكتبة المسجد النبوي الشريف.
(^٤) كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي (مادة صوتية)، لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، وموقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومُدرِّس بالمسجد النبوي.
1 / 22
الطالب بين المسائل الفقهية وأدلتها، عدد الدروس المسجلة (٣١) (^١).
مقالاته ومحاضراته:
لم يُعرَف الشيخُ بالتآليف؛ لأنه كان -رحمه الله تعالى- قليل الكتابة، بعيدًا عن هذا الباب، وإنما جعل همَّتَه في التعليم والتدريس لتأليف الرجال، إلى جانب ارتباطاته الإدارية في الجامعة الإسلامية، ولكن كانت له مشاركات بالمقالات أو المحاضرات التي كان يلقيها فى الجامعة الإسلامية أو في الندوات، ومن بين ما هو مطبوع:
١ - رسالة بعنوان: "القواعد الفقهية تاريخها وأثرها في الفقه" الطبعة الأُولى عام ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م، مطابع الرحاب بالمدينة المنورة، في (٩٠) صفحة (^٢).
٢ - رسالة بعنوان: "حكم الشريعة الإسلامية في المُسْكِرات وطرق مكافحتها وآثارها الضارة صحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا".
وهي عبارة عن موضوع تقدَّم الشيخ به إلى المؤتمر العالمي الإسلامي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات المنعقد في إسلام آباد بباكستان، والرسالة من مطبوعات مركز شؤون الدعوة، مطبوعة عام ١٤١٠ هـ وتقع في (٤٧) صفحة (^٣).
(^١) يُنظر: الدروس المسجلة في موقع بوابة الحرمين الشريفين صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومدرس بالمسجد النبوي.
(^٢) يُنظر مقال: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، ومقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
(^٣) يُنظر مقال: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، ومقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمُّود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
1 / 23
٣ - محاضرة بعنوان: "قبسٌ من تاريخ الفقه الإسلامي" ألقيت مساء الأربعاء ١/ ٣/ ١٣٩٨ هـ، وهي موجودة في كتاب: (محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للموسم الثقافي للعام الدراسي (١٣٩٧ هـ/ ١٣٩٨ هـ)، تبدأ من الصفحة (١٩٧) إلى (٢٢٦) (^١).
٤ - مقال بعنوان: "مكانة المسجد في الإسلام" في العدد الثاني للسَّنة الثالثة عام (١٣٩٠ هـ) لمجلة الجامعة الإسلامية، من صفحة (١١٠) إلى (١١٤) (^٢).
وللشيخ مقالات وتعليقات على بعض الكتب ككتاب: "القواعد" لابن رجب إبان تدريسه في الجامعة، لا تزال في مكتبته رحمه الله تعالى.
٥ - "الحج المبرور"، عدد التسجيلات (١) (^٣).
٦ - "صحيح مسلم"، عدد التسجيلات (١٢) (^٤).
٧ - "مواعظ وفتاوى"، عدد التسجيلات (٢٥٣) (^٥).
(^١) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
(^٢) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.
(^٣) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمى ومُدرِّس بالمسجد النبوي.
(^٤) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمى ومُدرِّس بالمسجد النبوي.
(^٥) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي ومدرس بالمسجد النبوي.
1 / 24